اعتدنا في حروب منطقتنا، على اختلافها، وعلى مدى القرن الماضي، أن نُعاين طوابير النازحين وطالبي اللجوء إلى الخارج. لا عتب على الناس، البؤساء، حتماً. لكن سيأتي اليمنيّون، أخيراً، ليضعونا أمام مشهد آخر. شيء جديد. ظاهرة، إن جاز الوصف. آلاف منهم، في مطارات دول قريبة وبعيدة، كانوا يضجّون ويصرخون ويذرفون الدموع، بغية السماح لهم بالعودة إلى وطنهم. عدوان لئيم قد انطلق ضد بلدهم. حصار جوّي مطبق على اليمن. سيعتصمون في المطارات، ثم سيُسمح لبعضهم بالعودة، فعلاً، لترصدهم عدسات المصوّرين لحظة وصولهم وهم يُقبّلون تراب أرضهم، وقد وطأوها. حصل هذا قبل عام. ليسوا من عِلية القوم، ليسوا سياسيين، ليسوا نافذين، بل ليسوا أثرياء... إنهم فقراء. هم «الشعب». هم الناس «العاديّون». هم الذين استدانوا ثمن تذكرة طائرة العودة، وتركوا خلفهم أعمالهم، بل قُل فرص حياة أفضل، ولو قليلاً. ليس في الأمر، يعني، أيّ استعراض. سيبدأ العالم هنا، بما فيه العربي، التعرّف إلى شعب أُقصي، قهراً، عن واجهة «الأحياء».
نُقطة أخرى، تُقارب الأسطورة، تُسجّل للشعب اليمني. عدّوهم هنا، يعني آل سعود، بآلته الإعلاميّة الضخمة، أصرّ وما زال على تصويرهم كـ«خارجين عن الملّة»، أو كـ«كفّار» عموماً. لم تبقَ مفردة مذهبيّة، وبلغة قميئة، إلا ووصفوا اليمنيين بها. وأيّ نكد في الدهر يمكن أن يصل إلى حد هزلي، يفوق الخرافة، ليُصبح معه اليمني فارسيّاً! وهل اليمن إلا أصل العرب وبلاد ملوكهم ومهد قحطان! لا حد للوقاحة عند هكذا عدو. لم يبقَ رجل دين سعودي، أو داعية، أو إعلامي، أو «نخبوي» يدور في هذا الفلك، أو أو... إلا وهبط في لعبة الألفاظ هذه. لم يكن الأمر محصوراً بـ«العامة». هنا الكارثة. لكن، في المُقابل، لن يُضبط مسؤول يمني، حتى من المستوى ما بعد العاشر، من المُعتدى عليهم بأشرس عدوان جوّي في العصر الحديث، وهو يطلق لفظة مذهبيّة واحدة. لم يقولوا «سُنّة». لم يلعنوا أحداً. لم ينبشوا الخلافات في الكُتب القديمة، على ما فيها من عفن، رغم معرفتهم بها، بل حافظوا على ما اشتهروا به من نخوة و«حكمة يمانيّة».

لم يتذللوا أمام
سفارات العالم في بلدهم
لطلب الهجرة

ترتفع المشهديّة الغرائبيّة بمستواها إلى الحد الأقصى، في اليمن، وذلك بعد مضي نحو 4 أشهر من العدوان المتواصل، إذ تمتلئ ساحات صنعاء بمئات الآلاف من الهاتفين ضد... العدو الإسرائيلي! هكذا، قرّر عدد كبير من اليمنيين، على عادتهم كلّ سنة، أن يحيوا «يوم القدس العالمي» في ساحات العاصمة. حصل ذلك فيما كانت طائرات التحالف العربي، بقيادة السعوديّة، تدك بيوت اليمنيين. تلك البيوت، الهزيلة أصلاً، التي كانت تحتاج إلى ترميم منذ عقود من الزمن، إذ لم تعد تحتاج إلا لضربات مطرقة حتى تسقط... ها هي تُقصف بأعتى الصواريخ الحربيّة. كنّا قد اعتدنا أن يصرخ الناس، العرب، خلال الحروب العربيّة – الإسرائيليّة، بالعبارة الشهيرة: «أين أنتم يا عرب»؟ أو مثل تلك السيّدة الفلسطينيّة، التي وقفت عند جثث أهلها، في مجزرة صبرا وشاتيلا قبل 34 عاماً، وهي تنده: «أين أنتم يا ملوك العرب». ماذا كان على اليمني أن يقول خلال العام الماضي؟ هل ينادي العرب؟ بمن يستغيث ويستجير؟ ها هم ملوكهم أنفسهم هم الذي يسحقونه الآن. لكن اليمني، وفي هذه اللحظة، كان يُصر أن يخرج ليقول: «الموت لإسرائيل». شيء يفوق الخيال.
خلال السنوات الخمس الماضية، ومع موجة «الربيع» التي ضربت المنطقة العربيّة، والتي كانت سوريا درّة تاجها، كان الإعلام العالمي يتسابق، ولو تهريباً، لقطع الحدود بغية «نقل الخبر». كثيرون، من الصحافيين، خاطروا بحياتهم وخُطفوا. منهم من قُتل أيضاً. لكن هذا لم يحصل في اليمن، إلا نادراً، لكأن هذه البلاد لا تثير حشرية صحافيي العالم. غريب! حتى في هذه اليمن مختلف.
مشهد آخر يُسجّل لليمن. عزّة النفس التي زادت عن الحد المألوف. يعني، ليس عيباً أن يُناشد شعب ما، بينما هو يُقتل، دول العالم أن تتحرك للضغط من أجل حمايته. هكذا، فرغم ذلك، أو رغم «طبيعيّة» ذلك، إلا أن اليمني لم يفعلها. قد يكون للذهنية القبلية هناك، وهذه ربما تكون إيجابيّة هذه المرّة، أثر في هذا السلوك. لم يتذللوا أمام سفارات العالم في بلدهم لطلب الهجرة. لم يتسوّلوا حتى التضامن من أحد. لم يطلبوا ذلك حتى من «أشقائهم العرب» فضلاً عن «الأصدقاء» الأبعد. حتّى عندما صدر تصريح من مسؤول إيراني، وهو حليف في السياسة، يُفهم منه «تدخلاً» في اليمن، خرج مسؤولون يمنيّون، منهم «حوثيون» أيضاً، ليستنكروا ذلك ويرفضونه بشدّة. قالوا هذا في العلن. يقولون هذا وهم تحت القصف، في أحلك لحظات الحاجة للدعم، لكن لا. هكذا، مشتبه جداً من يظن أن حجم القصف الذي تعرّض له اليمن، على مدى العام الماضي، أقل من حجم ما تعرّضت له غزّة في فلسطين خلال السنوات الماضية، أو حتى لبنان قبل 10 سنوات. التقارير الأممية تحسم الجدل... فضلاً عن الشهادات الداخليّة. عام كامل من طحن عظام الأطفال، بشهادة الأمم المتحدة، وعلى لسان المفوّض الأعلى للمنظمة الدولية لحقوق الإنسان... ومع ذلك لم يصرخ اليمنيّون، أقلّه في العلن. ربما خنقوا عبراتهم، أمام الناس، ليدعوها تفيض أنهاراً، ليلاً، بين جدران بيوتهم الرثّة، وهم يحتضنون أطفالهم. شيء يحتاج إلى دراسة معمّقة، من طراز خاص، لفهم هذه «السيكولوجيا» الخاصة عند ذلك الشعب المجهول.
في لقاء تلفزيوني مع وزير الخارجيّة العراقي الأسبق، عدنان الباجه جي، تحدّث عن اليمن واليمنيين في سياق شهادته للتاريخ، بالآتي: «أذكر عندما كنّا في تركيا (ستينيات القرن الماضي) في زيارة رسميّة، كان يجلس جنبي عصمت أونونو، رئيس الجمهورية الثاني في تركيا، وقد دار كلام بيننا عن حرب اليمن. فقال لي: إن جمال عبد الناصر ارتكب خطأ كبيراً بالذهاب إلى اليمن، فأنا قد حاربت جميع الأقوام، الإنكليز والصرب واليونان والروس واليمن، في اليمن كنتُ قائد حامية هناك، ولكن مثل اليمنيين محاربين أشداء لم أرَ في حياتي». ويختم باجه جي، الذي كان سفير العراق الأسبق في الأمم المتحدة أيضاً، بالتالي: «اليمنيّون لا يحتاجون معدات للحرب، عندهم الجبال، وكلّ خرطوشة يضعونها في البندقية لا تذهب سدى. هم أناس يكتفون بالقليل... لصنع الكثير».
* من أسرة الأخبار