(إلى «رُبى» احتراماً لآلامها الكبيرة وإنجازتها الأكبر)


لا تستطيع أن تنسى رُبى (اسم وهمي) الغضب الوحشيّ الذي كان في عينَي أخيها نبيل (اسم وهمي) وهو يهاجمها ويقوم بضربها على وجهها وعينها، وبإيذاء نظرها. «كان يريد قتلي»، تقول. نبيل يعذر نفسه ضمناً على عنفه الذي مارسه طوال عشرات السنوات بحقّ أعضاء أسرته، بالتبجّح الواهم بأنه سعى طوال حياته من أجل «تماسك» العائلة. لكنّ ما يغيب عن نبيل، وعن أذهان الباحثين عن أعذارٍ له ولأمثاله، أنّ التماسُكُ بحدّ ذاته لا معنى له إن لم يكن تماسكاً مُحِبّاً.

السجون نفسها متماسكة ولكن بقبضة السجّان. السجون ليست عائلات. ما يميّز التماسك العائليّ السليم عن تماسك السجون هو مَنْطِق المحبّة في العائلة. ومنطق المحبّة يقتضي استخدام العقل واللسان والتفاهم والحوار والإصغاء. لكنّ الاصغاء لا يعني شيئاً لنبيل وأمثاله، اذ يأتي عنفهم الأسريّ كمحاولة من طرف معدوم الحجّة والقدرة على الإقناع لفرض رأيه على طرف آخر يفوقه حجّة وإقناعاً، وهي حالة نبيل الذي تدخّل في نقاش لا يعينه، ليضرب أخته من دون أن يناقش. ويمارس المُعَنِّف عنفَهُ الأسريّ أحياناً كمحاولةٍ لإلغاء طرفٍ يُبَيِّنُ بوجوده وبتصرّفاته، مدى تقصير المُعتدي عن القيام بواجباته، وهذه هي أيضاً حالة نبيل الذي ضرب أخته التي طالما ساعدته مادّياً، ولمّت شمل العائلة التي تقاعس هو عن حمايتها، وأسكنت عائلتها في منزل اشترته مع زوجها، فنجَحَتْ حيثُ فَشَل نبيل نتيجة عدم تحمّل مسؤوليّته تجاه العائلة، وبعد سنوات مستمرّة من استغلاله لمقدّرات أخواته وإخوته. وحتّى وإن كان للُمعتدي رأياً مقنعاً (وهي ليست حالة نبيل)، يختلف فيه مع الفرد الذي يعتدي عليه من العائلة، فإنّ عنفه يعبّر عندها عن إرادته بفرض رأيه على المُعتدى عليه، ورغبته بالتحكّم برأي الإنسان الآخر وتصرّفاته، وهذا واضح عند أصحاب الذهنيّة الذكوريّة الذين يرون أنّ الذكر صاحب الحقّ دائماً، ويأبون أن يكون للمرأة أيّ شأن، أو رأي، أو أن تكون على حقّ، فالفرد المعتدى عليه غالباً ما يكون الأخت أو الابنة أو الزوجة.


أن يكون الإنسان مُرشّحاًَ ليمارس العنف لا يعني أنّه مُجبَر على ممارسته




تشييء الآخر

إنّ النقطة الأساس في تصرّف المُعنِّف الأسريّ هي رغبته بسحق شخص الإنسان في المُعتدى عليها، رغبته بسحق إنسانيّته، والتحكّم به كشيء. العنف الأسريّ هو أساساً عمليّة تشييء للطرف المعتدى عليه من قِبَل الطرف المعتدي. وما أن يتمّ التعامل مع الآخر كشيء حتّى يتمّ التعامل معه كوسيلة. كم من انسان يتعامل مع أفراد أسرته كسلطان يملك مجموعة من الخدم والعبيد لخدمته في المنزل. نبيل، مثلاً، وصل إلى حدّ أنّه توقّف عن طلب كوب الماء من اخواته بالكلام، فكان يكتفي بـ«فقشة» إصبع ليحضر كوب الماء! عامَلَ أخواته كجوارٍ، ولم يهتمّ بهنّ كبشر، لا اهتمّ بفرحهنّ ولا بحياتهنّ ولا بأوجاعهنّ ولا بأمالهنّ ولا بإحباطاتهنّ، بل كان اهتمامه بهنّ متمحوراً حول كونهنّ وسائل لتحقيق أهدافه. كنّ أمامه وكأنهن مجرّد أشياء. وعندما يصير الآخر شيئاً، يصير التعامل معه على أساس أنّه مجرّد وسيلة لتحقيق هدف (أو حاجز عن تحقيق هدف). ولهذا ليس من الغريب على المعنِّف لأفراد أسرته أن يستخدمهم وسيلةً اقتصاديّة، فيسعى إلى الاستفادة المالية الممكنة منهم، ويفرض عليهم الفكرة القائلة بأن استفادته المادّية هي حقّ له، وواجب عليهم، كونه يعمل لمصلحة «العائلة»، وتقع على كاهله مسؤوليّات «ضخمة»، ولهذا يجب أن تهون أمامه كلّ المساعدات المادّية بسبب ظروفه «الخاصّة» الصعبة (والتي عادة ما تكون وليدة تخاذله عن تحمّل مسؤوليّة حياته الشخصيّة). وبالطبع يقنع ذاته (وأحياناً الذي يعنّفهم) بأنّ هذه المساعدات واجبة رغم تعنيفه الوحشيّ، لأنّه «يستحقّ» كلّ الأعذار لاعتداءاته، وكلّ التفهّم.


انعدام الاحترام

هذا التشييء للآخر ينبع أساساً من نظرة للمعنِّف لا تحترم الآخر كإنسان مختلف عنه. فالمعتدي لا يرى في الآخرين سوى امتداد لذاته، كما القلم هو امتداد لليد. ولهذا هو لا يرى الآخر كإنسان، كذات، كشخص، بل كوسيلة لتحقيق غرض، ولو كان مجرّد غرض تأكيد رأيه (رأي المُعَنِّف)، بل إنّ المعتدي المعنِّف لا يرى ذاته هو كشخص ذي كرامة، إذ يستعمل ذاته نفسها لتحقيق أهداف يراها «أرباحاً». فيبيع ذاته عند أوّل مستثمر، وأوّل إنسان أكثر استبداداً منه، ويتذلّل لسياسيّ يستعبد الناس بالمال أو بالخدمات، أو يتزلّف لمديره في العمل.
هكذا، فالإنسان الذي يمارس العنف بحقّ أفراد أسرته، ويحاول أن يتحكّم بهم، لديه وجه آخر غير بادٍ للعيان، هو وجه الخضوع والهزيمة، إذ يتذلّل أمام من يظنّه إنساناً «قويّاً»، ولهذا يبيع ذاته مقابل خدمة هنا أو هناك. فالمُعَنِّف لا يعرف من العلاقات إلّا الاستبداد والخضوع، ولا يستطيع أن يفهم وجود علاقات مساواة وندّية، ولهذا تراه مستبدّاً وخاضعاً في آونة واحدة.


غطاء المجموعة

بالطبع، يعلم الذي يمارس العنف الأُسريّ أنّ ذاته هزيلة وضعيفة، ويعي أنّه يعامل ذاته كشيء للبيع والشراء، ولذلك يبقى في العمق فاقداً لاحترامه لذاته. ولكنّه يعمل جاهداً كي يخفي هذا العار الذي يراه في ذاته، تحت غطاء أو آخر. أحد الأغطية لعاره هو الانتماء إلى مجموعة كبيرة وقويّة. هذه المجموعة قد تتغيّر بتغيّر الزمن. فإن كان الزمن زمن الأحزاب العلمانيّة العقائديّة التحق بحزب ما لكي يشعر بشيء من الاعتبار، لما يضفيه عليه ذاك الانتماء من مظاهر النُبل. وإن تراجع نجم الأحزاب العلمانيّة وتصاعد نجم الصحوات الدينيّة المسيحيّة والاسلاميّة، لا يتورّع هذا المُعَنِّف عن الانتقال عن غير قناعة (وهذا التحليل لا يشمل المنتقلين عن قناعة) إلى ضفّة المجموعات الدينيّة، لأنّ هذه المجموعات تعطيه نفس الإحساس بالانتماء لمجموعة ضخمة يذيب ذاته فيها. ويتميّز الملتحقون بالمجموعات الدينية على هذا المنوال السطحيّ، بالتمسّك بالشعائر من دون التفاعل الإيمانيّ، وبالانفعال والعصبيّات الطائفيّة من دون الانفتاح الفكريّ والوجدانيّ.


غطاء القيم

ويستر أيضاً هذا المستبدُّ العائليّ عارَه الوجوديّ، بغطاء من القيم، فهو ينظر إلى ذاته نظرة خرافية فيرى ذاته عظيم الشأن في قومه (عائلته، حيّه، ضيعته، حزبه، طائفته...)، فتراه يحدّثك، ولو وهميّاً، عن أهمّية علاقاته، وعدد الناس «المهمّين» الذين يعرفهم ويعرفوه بالاسم. ويرى نفسه إنساناً «ملتزماً» بقضيّة كبيرة، لمجرّد أنّه ينتسب بالاسم إلى مجموعة تحمل شعارَ تلك القضيّة. فإن كان شيوعيّاً تحدّث عن البروليتاريا والفقراء والدفاع عن المظلوم، وإن كان مسيحيّاً تكلّم عن المحبّة وعن المسيح بفخر، وعن المسيحيّة بتعصّب. ولا يفضح هذا الانتماء السطحيّ للقضايا الكبرى والأحزاب والأديان، إلاّ ضيق القلب والأفق لصاحب ذاك الانتماء، والعنف الأسريّ الذي يمارسه.


الخوف من الحرّية

أخيراً فإنّ الذي يمارس العنف الأسريّ ساعياً إلى التحكّم بالآخرين في عائلته، هو إنسان غير قادر على الوقوف بذاته كشخص حرّ مسؤول. فالإنسان الحرّ هو إنسانٌ قادرٌ على احترام الآخرين وخياراتهم، أمّا هو فغير قادر على ذلك. ومن هنا فإنّه يحاول أن يذيب نفسه في كتلة سياسيّة أو دينيّة لكي لا يشعر بعبء ذاته وحرّيته، وعبء اختلاف الآخرين معه، ففي الكتلة الذوبانيّة لا يوجد شخص وتمايز وحرّية، بل ذوبان في مجموعة وسيادة الرأي الواحد. ومن هنا أيضاً انفعاليّته وانفلات انفعالاته بحقّ الذين يعنّفهم. فالانفلات الانفعاليّ لا يعبّر فقط عن عدم احترام المُعَنِّف الأسريّ لأفراد عائلته، بل على كون الأخت أو الأخ الذي أمامه، خصوصاً إن كان حرّاً ومفكرّاً وقادراً على أن يكون ذاته بشكل مستقلّ ومتمايز، يضعُ المُعَنِّفَ أمام عجزه عن أن يكون حرّاً ومتمايزاً، أي يضعه أمام فشله في تحقيق لبّ إنسانيّته، ومن هنا عدوانيّته والضربُ الذي يقوم به، إذ أنّ الضربَ (الذي أذى عين رُبى وكاد أن يبلغ حدّ قتلها الجسديّ) يغدو نوعاً من الإلغاء المعنويّ للآخر الذي يشكّل للمُعَنِّف برهاناً حيّاً على عجزه عن الحياة كإنسان حرّ.

العنف البنيويّ

لا شكّ في أنّ الإنسان الذي يقوم بالتعنيف الأسريّ يتحمّل مسؤوليّة شخصيّة عن العنف الذي يمارسه بحقّ أعضاء أسرته. ورغم ذلك، فإنّه من الضروريّ أن نعي أيضاً المنابعَ الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تغذّي هذا العنف الشخصيّ، وتقدّم له الإطار العام الذي يشجّعه على العنف، ويخفّف من فداحة عنفه في المجتمع. رُبى، مثلاً، فوجِئَت بأنّ عدداً (قليلاً لحسن الحظّ) من الذين عرفوا أنّ أخاها اعتدى عليها بالضرب وأذى عينها، لم يشعروا بفداحة الأمر، بل تحدثوا ببساطة عن «طبع» نبيل. أمّا أخوتها الذين شهدوا الاعتداء فلم يوقفوه، وكأنّ الضربَ أمرٌ عاديٌ وطبيعيٌ، بل إنّهم قاموا بتوجيه اللوم لرُبى لأنّ «مشكلاً» «وقع»، وكأنّ ما من مُعْتَدٍ ومُعْتَدى عليه، وهُمْ لم يحاولوا حتّى الاتّصال بها للسؤال عن صحّتها بعد الاعتداء، معبّرين بذلك عن عدم اكتراث قلّ نظيره، وربّما عبّر ذلك أيضاً عن تبنّيهم للمعتدي وأعذاره، وهو تبنٍّ غير مفاجئ إذ طالما تبنّى المسحوقُ وجهة نظر الساحق وأعذاره، ولطالما تعامل الأفراد والجماعات مع حسدهم من شخص ما، ومع الغضب الذي يُشْعِرُهُم به ذلك الحسد، بالتضحية بذاك الشخص ككبش محرقة، كما بيّنت كتابات رينيه جيرارد.
ما هي إذاً هذه المنابع التي تشجّع على العنف في مجتعاتنا، وتشجّع على القبول به والدفاع عنه؟ إنّ كانت الإحاطة بالأبعاد الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والتربويّة التي تشجّع وتحمي العنف الأسريّ أمراً يتجاوز مقالة واحدة، فإنّ الإشارة لهذه الأبعاد ضروريّة لتكتمل الصورة قليلاً. إنّنا نعيش في ظلّ مجتمع مبنيّ على العنف ضدّ الأبرياء. فهناك عنفٌ تربويّ معنويّ وماديّ ضدّ التلاميذ في المدارس، وهو لا يزال قائماً وقد أخذ حيّزا من الحضور الإعلاميّ في العام المنصرم. وهناك عنفٌ سياسيّ يتمثّل بأنظمة ديكتاتوريّة سافرة، أو أنظمة قمعيّة مُقَنَّعَة كما في لبنان، حيث يتحكّم السياسيون بحياة ناخبيهم ويعاملونهم بتهميش قلّ نظيره، ويمارسون بحقّ المواطنين، وبالتعاون والتعاضد مع المتموّلين، عنفاً اقتصاديّاً يفرضونه استغلالاً ينهب شعباً بكامله ويستعبده اقتصاديّاً (وليست محاولات ضرب سلسلة الرتب والرواتب، وتركيع هيئة التنسيق النقابيّة، إلاّ دليلين بسيطين على ما نقول). وهناك العنف الدينيّ المتمثّل ليس فقط بالأصوليّات الإسلاميّة العسكريّة المنحى، ولكن أيضاً بالتعليم الديني الأصوليّ الإسلاميّ والمسيحيّ سواءً. فالتعليم الدينيّ الظاهريّ في الديانتين يتكلّم بقبول الآخر والانفتاح، ولكن ما إن تدخل في تفاصيل التعليم اليوميّ حتّى ترى بعضاً ذا وزنٍ، من القيّمين على هذا التعليم الديني (ولا نقول كلّ القيّمين)، يغرسون في أذهان المؤمنين أنّهم يحتكرون الله في طائفتهم أو دينهم، ويعلون قيمة المنتسبين إلى طائفتهم على الآخرين المنتسبين إلى الدين أو الطائفة الأخرى (فما بالك بالملحدين)، وهكذا يتحوّل الآخرون إلى مجرّد مجموعات من الكفرة الذاهبين إلى جهنّم حتماً، مع ما يستتبع ذلك من تبخيس لإنسانيّتهم. والعنف الدينيّ أيضاً موجود في المؤسّسات الدينيّة نفسها، إذ يقوم بعض رجال الدين بممارسة سلطتهم الدينيّة لكي يحموا المرتكبين من رجال الدين زملائهم على حساب ضحايا هؤلاء. ومن المرتكبين، منحرفون يمارسون عنفاً من نوع خاص، ألا وهو العنف الجنسيّ ضدّ أطفال وأحداث وشباب. فمثلاً، حتّى الآن، ورغم الشكاوى والوثائق، وجهود الكثير من العلمانيين والكهنة والمطارنة، تحمي إحدى الكنائس، كمؤسّسة، منحرفين قاموا بعنف جنسيّ بحقّ بعض المؤمنين، وتمارس تلك المؤسّسة الكنسيّة عنف سلطتها (وأحياناً العنف اللفظيّ مع الضحايا) من أجل إلقاء غطاء من عدم الاقتصاص على المرتكبين، وذلك بهدف عدم محاكمتهم أمام القانون المدني ولا حتّى أمام القانون الكنسيّ. كلّ هذا الجوّ العنفيّ التربويّ والسياسيّ والاقتصاديّ والدينيّ، يربّي على العبوديّة والعنف، ويغذّي بلا شكّ ذهنيّة الاستتباع والارتهان والرضوخ والخنوع، ومن يخضع في مكان ما لا بدّ أن يتشجّع على التسلّط على أناس يستضعفهم هو، ومَنْ يتعرّض لكلّ هذا الكمّ من العنف مُرَشَّحٌ أن يمارس العنف على إنسان يستضعفه، وما من مُسْتَضْعَفٍ أكثر من الطفل والمرأة في مجتمعاتنا التي تتبجّح بالتديّن.
ولكن ما من شيء يعذر الإنسان الذي يمارس عُنفاً أسريّاً، إذ أن نفسّر العوامل التي تشجّع على العنف لا يعني أن نعطي عذراً، فالعوامل ليست حتميّة ولا هي تجبر الشخص على فِعْل العنف. أن يكون الإنسان مُرَشَّحاًَ ليمارس العنف لا يعني أنّه مُجبَرٌ على ممارسته، بل يتحمّل أمام القانون مسؤوليّة العنف الأسريّ الذي يقترفه. هكذا، فإنّ دراسة العنف التربويّ والسياسيّ والدينيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ ومواجهتها في ميادينها الخاصّة، تبقى ضروريّة لفهمِ ومعالجةِ هذه الجوانب التي تتجاوز العقاب القانونيّ الضروريّ لحالات العنف الأسريّ الفرديّة. كما أنّ تطبيق أحكام القانون (وتحديث القوانين)، بحقّ مَن يرتكب العنف الأسريّ، يبقى ضروريّاً من أجل الدفاع عن المظلومين وردع المُرْتكِبين.
* أستاذ جامعي