إذا كان الكيان الصهيوني في المستوى العرقي والفاشي نسخة عن النازية مرفوعة إلى قوة أعلى بكثير، كما أنها تتفوق على النازية لكونها نسخة مغطاة بمعظم النظام الرسمي العالمي وبخاصة الغرب الرأسمالي. وهو نظام لا يقتصر حقيقة على الحكام بل نظام يمثل مصالح الطبقة الرأسمالية وخصوصاً شركاتها، فإن هذا الكيان هو نسخة في مستويات عدة أخرى عن الولايات المتحدة، ليس في العنصرية البيضاء وليس في كونهما مستوطنتين حلّتا محل الشعب الإصلاني هنا وهناك، بل، وهذا ما أود القول فيه قليلاً، في مستوى صناعة السلاح.


بمعنى أن تصنيع وتصدير الأسلحة يشكل رافعة بل الرافعة الرئيسية لاقتصاد الطرفين. وحيث يشكل الرافعة الرئيسية، فهذا يعني ان الحرب تصبح ضرورة للبلدين كليهما.
لقد عمدت الولايات المتحدة منذ منتصف ستينيات القرن العشرين إلى تطوير صناعاتها التسليحية لكي تفرض بهذا التفوق تصدير منتجات شركاتها المدنية والعسكرية من جهة وتصدير الأسلحة نفسها بما هي مرغوبة من حيث قوة فتكها، مرغوبة من الدول المتحاربة او التي على شفير الحرب.
لذا، شكلت الكينزية السلاحية/ التسليحية آخر حلقات حماية التراكم وبخاصة في الولايات المتحدة. ولكن هذه السياسة لم تنحصر في الإنفاق على إنتاج السلاح وبيعه بل دفعت الرأسمالية إلى تحقيق جوهرها المألوف، وهو اعتماد الحرب كسياسة للإنعاش الاقتصادي. وهكذا جرى استبدال الحرب الباردة بالحروب الساخنة في فترة تفكك الكتلة الاشتراكية وسيطرة القطب الواحد مما نقل الكينزية السلاحية/ التسليحية إلى رأسمالية الكينزية الحربية الأكثر هجومية. الأمر الذي نتجت منه تورطات المركز في حروب استنزفته. ففي حين قيل إن العدوان على العراق قُصد به مسح هزيمة فييتنام أدى ذلك التورط إلى هزيمة أكثر إهانة وأقل توقعاً، ومن ثم إلى أزمة جديدة. لذا يمكن القول إنّ الكينزية التسليحية هي الطبعة العسكرية للنيولبرالية.
ولكن في هذه الحرب كانت فرقاً من الصحافيين ترافق القوات الأميركية المعتدية لتسجل فعالية الأسلحة المستخدمة كي تستعمل لترويج تصدير الشركات من الولايات المتحدة للسلاح.
بدوره، فالكيان الصهيوني طالما استخدم شتى أنواع الأسلحة والتكتيكات العسكرية، لبيعها كسلع وخدمات فنية للعديد من دول العالم ومنها الولايات المتحدة في عدوانها على أفغانستان والعراق.
في العدوان الأخير على غزة، استخدم الكيان بأكبر طاقة ممكنة مختلف الأسلحة المتوافرة لديه، وكانت تُسجّل فعالية القوة التدميرية لهذه الأسلحة، ما يعني إغراء دول كثيرة لشراء هذه الأسلحة.
ولعل أوضح مثال على هذا استخدام الكيان لأسلحة مثل القنابل الفراغية التي خصصت لتدمير الأبراج في قطاع غزة. وهو استخدام كان واضحاً بأن الهدف منه إبراز فعالية الأسلحة الصهيونية كتسويق لهذه الأسلحة في سوق السلاح الدولية.
لذا، قد تكون شركات السلاح الصهيونية هي المستفيد الأساسي من هذا العدوان مقارنة بالشركات غير التسليحية التي ضُربت تعاقداتها بسبب تأخر صفقاتها سواء بالاستيراد أو التصدير.
تجدر الإشارة إلى أنّ الكيان الصهيوني قد مارس بيع الخبرات في كل ساحات النزاع، بما في ذلك تدريب الجيش الأميركي نفسه على أساليب اكتسبها من الحرب على الفلسطينيين، وبيع خبرته في تطويع السكان ومراقبتهم حيث تشكل هذه ثاني أكبر صناعة إسرائيلية معدّة للتصدير. كذلك هناك تقديرات بأن الكيان هو ثالث أكبر دولة مصدّرة للسلاح، منافسة لدول غربية كبرى مثل بريطانيا، ويأتي في الترتيب الثالث بعد الولايات المتحدة وروسيا متفوقاً على الصين.
والحقيقة أن شركات صناعة الأسلحة بين الولايات المتحدة والكيان متداخلة من حيث رأس المال والتقنية، ناهيك عن السياسة.
يقوم الكونغرس بإقرار تزويد الكيان ببلايين الدولارات سنوياً إذ تُوظف في تصنيع الأسلحة وإنتاجها. وبالطبع يدرك أعضاء الكونغرس بأن جزءاً كبيراً من هذه الاعتمادات سوف يعود
ثانية إلى ولايات بلادهم على شكل تعاقدات للتزود بالأسلحة. فالشركات التي تحصل على هذه الصفقات تساهم في إيصال رجالها إلى الكونغرس لتنفيذ هذه الصفقات مجدداً. لذا من المألوف في الولايات المتحدة ان يكون لكل عضو كونغرس ثمناً يُدفع له سواء كي ينجح أو خلال دورة عضويته. ومن هذا المدخل، فإن من مصلحة هذه الشركات الأميركية ورجال السياسة في الولايات المتحدة بقاء الكيان الصهيوني منخرطاً في حروب.
وكما أُعلن خلال العدوان على غزة، فقد فتحت الولايات المتحدة مخازن ذخائرها للكيان كما فعلت كذلك اثناء حرب اكتوبر 1973 بين مصر وسوريا من جهة وبين الكيان من جهة ثانية. وحيث تتشارك الشركات الصهيونية والأميركية، فإن قيادات البلدين تقتسم أرباحاً جراء الحروب واستخدام الأسلحة بالترويج لها. طبقاً لما كتب الإسرائيلي يتسحاق ليئور: «فإن جنرالات جيشنا حتى وهم قيد الخدمة، يبنون صداقة قوية مع الشركات الأميركية التي تبيع الأسلحة لإسرائيل، وبعد أن يتقاعدوا يكونوا قد ملأوا جيوبهم بالمال ويصبحوا مدراء تنفيذيين للشركات. إن جيش الدفاع هو أكبر زبون لأي شيء وكل شيء في إسرائيل. وإضافة إلى ذلك فإن صناعاتنا ذات التقنية العالية مليئة بخليط من الجنرالات قيد الخدمة أو جنرالات كانوا في الخدمة الذين يعملون بشكل لصيق مع المجمع الصناعي التسليحي الغربي».
بعض شركات صناعة الأسلحة الصهيونية مقامة في المناطق المحتلة 1967 سواء القدس المحتلة أو الضفة الغربية. وهذا مؤشر إضافي بالطبع على خطورة المستوطنات التي لم يحتو اتفاق اوسلو ولا بروتوكول باريس على وجوب نزعها.
http://www.interfaithpeaceinitiative.com/ProfitingFromOccupation.htm
وعليه، فالمستوطنات ليست فقط بمثابة مستعمرات داخلية Internal Colonies في الضفة الغربية تُنتج ما يفوق الانتاج المدني للضفة الغربية وتخترق اسواقها، ما يوجب مقاطعتها ومقاطعة منتجات الكيان، بل إن هذه المستوطنات تحتوي مصانع اسلحة تدر على الكيان الكثير. وهذا يطرح سؤالاً كبيراً على من يزعمون بأن الكيان سوف يعطي متفقي أوسلو دولة!
* كاتب عربي ـــ فلسطين