الأب نديم نصار *

ما أبقاه لنا هولاكو من إرث إنساني وثقافي، حين اجتاح سوريا عامي ١٢٥٩ -١٢٦٠ استطعنا، وفي أوج عصر العقل والتقنيات الحديثة عامي ٢٠١٣ - ٢٠١٤ تدميره وخسارته بشكل يندى له جبين الإنسانية. وكل ذلك تحت شعارات في أحسن حالاتها فارغة، وفي أسوأ حالاتها مدمرة... فكيف إذا كانت مغمسة ومتشربة بتفسير مريض للدين وللطائفة؟
إن فساد الأفضل هو الأسوأ. لذلك إن فسد الدين يتحول إلى قوة شيطانية تعصف بالعقول تحولها إلى وحوش مبرمجة للقتل والإبادة.
علينا، ومهما كلفنا ذلك، إبقاء العين الناقدة تعرّي الواقع وتقدمه مهما كانت قسوة حقيقته.

ننظر الى التاريخ بجرأة لنرى عندما كانت الحرب الأهلية في ايرلندا الشمالية مستعرة بين الموالين للتاج البريطاني والموالين للجمهورية الايرلندية، وكلاهما يتستر بالطائفية البغيضة إن كانت كاثوليكية أو بروتستانتية، كانت الكنائس حول العالم تعي أن هذا الصراع لم يكن يمت للمسيحية بصلة. مع هذا لم تتحرك الكنائس كما يجب لوقف الدم الذي كان يراق باسم المسيح سيد السلام، واستمر العنف لعقود قبل أن يصل الطرفان الى اتفاق سياسي قائم على قاعدة اقتصادية استطاع الخروج بالمنطقة من عنق الزجاجة وينهي مسلسل القتل والتدمير.
الحرب الأهلية في لبنان مثال آخر، لبست أيضاً أقنعة الدين والطائفية.


في معظم الأحيان
تشكل المؤسسة الدينية الخطر الأكبر على الدين

ثم أتت حرب العراق، ومرة أخرى استطاع السياسيون المنتفعون من تجارة الحرب استغلال المشاعر الدينية، فاندلع العنف الديني والطائفي يحرق بدربه الأخضر واليابس، ويدخل العراق في أبشع دوامة عنف دينية وطائفية في تاريخه، وما تزال تداعياتها تذيق الشعب العراقي الأمرين حتى اليوم.
بعد العراق عصفت رياح العنف القائم على تشويه مبادئ الدين وقيمه بمصر، حتى وصل الحريق إلى كل الأديان والطوائف.
ما هذا الذي يجعل الدين، والذي يهدف بشكل عام إلى الارتقاء بالإنسان وبناء علاقاته مع جيرانه ومع خالقه على أسس من الحب والعطاء التسامي، وسيلة بيد الساسة لتحقيق مصالحهم الخاصة ومصالح الذين يدفعون الأموال الطائلة لزرع بذور الفتنة والكراهية بين أفراد المجتمع الواحد؟
كي نجيب عن هذا السؤال، علينا أن نعترف ونقر بأن الإنسان المشرقي بشكل خاص يحمل في طبيعته الميل نحو الإيمان والالتزام الديني مهما كان شكله أو مضمونه. وفي معظم الأحيان تشكل المؤسسة الدينية، وطبعاً على رأسها رجال الدين، الخطر الأكبر على الدين، لأنها تحمل نقاط الضعف التي يستخدمها الساسة لاختراقها والسيطرة عليها واستغلالها مع رؤسائها في تمرير إيديولوجيات يمكن أن تحولها إلى بؤر للكره والعنف ومحاولة إلغاء الآخر وتهميشه.
ما حدث في العراق ومصر، وبخاصة في سوريا، يكشف بوضوح اختطاف الدين من قبل ليس فقط السياسيين وإنما من قبل رجال الدين المؤتمنين على رسالة الدين السامية.
ما يحدث في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يستحضر وبقسوة ما حدث في أوروبا في القرون الوسطى، حين اختطف ملوك أوروبا ورجال الدين في الكنيسة المبادئ المسيحية ورسالة المسيح السوري الثائر على كل أنواع الاستغلال والعنف لتبرير الحروب الصليبية التي أدخلت أوروبا والشرق في أبشع دوامات القتل غير المبرر. نواجه اليوم، وبعد قرون من هذه الحروب التي تشكل فصلاً مظلماً في تاريخ الكنيسة، فصولاً جديدة مظلمة من الشراكة المشؤومة بين الدين والسياسة تجر الويلات على شعوب الشرق يقودها ساسة ورجال دين اختطفوا المبادئ الإسلامية وغسلوا عقول الآلاف من الرجال والنساء باسم الجهاد المقدس ومحاربة الديكتاتوريات وشعارات الحرية، ليزجوا الشرق في فصل من أحلك فصول تاريخه على الإطلاق. وما يزيد الأمر سوءاً، يصب الزيت على النار، هو فشل الغالبية من كل الأديان في إظهار الوعي لمواجهة مثل هذه الحالة من الاستغلال المروع للدين.
فما حدث في سورية هو أن الغالبية لم تنجح في استخدام قنوات الاتصال المتاحة، وهي عديدة، في إرسال الرسائل التي تطمئن الأقليات العددية والتي تنتمي إلى النسيج الوطني الأصيل وتكسب تعاطفها على أقل تقدير. فالأحداث على الأرض، والتي تجلت في استقبال المعارضة لآلاف المتطرفين الإسلاميين والاعتماد عليهم وعلى أسلحتهم وتمويلهم في مواجهة الجيش والنظام، وترويع هؤلاء المتطرفين ليس فقط للأقليّات التي عاشت قروناً في هذا البلد، حتى قبل ولادة مؤسس الإسلام، وإنما للكثير من المسلمين، فقط لأنهم لا ينتمون إلى مدارسهم العقائدية أو لأنهم لا يوافقونهم الرأي أو فهم الدين.
هذه الأحداث دفعت الكثير من الأقليات، وحتى آخرين من الغالبية، إلى الاختيار بين نارين: نار العيش تحت جحيم التطرف الذي يفرض نفسه أينما وجد كنظام سياسي يتمتع بختم الألوهة، كما فعلت الكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى، ويدفعون ثمن طاعته حياتهم وحياة أولادهم، أو نار التهجير البغيض فيخسروا بيوتهم وحياتهم ويبحثوا عن السفر لبلدان قريبة أو بعيدة حتى لو اضطروا لتزوير أوراقهم أو تحت رحمة وكالات الإغاثة في مخيمات الذل والانكسار. انتشر التيار الإسلامي السياسي المتطرف في الشرق نتيجة القمع السياسي وغياب الحريات العامة ما ولَّد فراغاً كبيراً شكّل مناخاً مثالياً لقادة دينيين وسياسيين إسلاميين استغلوا الأوضاع السياسية للتأثير في عقول الشباب وإقناعهم بأن تطبيق الشريعة الإسلامية يمر من خلال العنف، وسموه جهاداً، بالإضافة إلى اضطهاد الأقليات وإسكات كل صوت سياسي يخالفهم في الاعتقاد والرأي.
هذا الفكر، الذي يسعى للوصول الى السلطة من خلال مشاعر دينية جياشة تعتمد على ترسيخ صورة الإسلام على أنه الضحية، خرج من إطار الشرق الأوسطي ليمتد إلى دول عديدة في مختلف أنحاء العالم. وتغذى التيار الإسلامي السياسي المتطرف في الغرب على رفض المسلمين لكثير من السياسات الخارجية والمواقف التي تتخذها حكومات الغرب من قضايا تخص الشرق، وبخاصة ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي الذي بدأ منذ تأسيس إسرائيل عام 1948.
هذا المناخ الذي جعل مجموعات متطرفة مثل «داعش» تنتعش شجع دولاً وقوى إقليمية وعالمية على استخدام هذه المجموعات لتمرير مصالحها وإيديولوجياتها في المنطقة.
ما هو واضح على الأرض اليوم أن هناك استراتيجية ممنهجة لإفراغ الشرق، ليس فقط من المسيحيين بل من كل ما يمتّ للإيمان المسيحي بصلة. فبعد القتل والتنكيل والتهجير الذي تعرض له المسيحيون في الشرق أقدم هؤلاء الذين يدّعون الإيمان بحرق وتدمير الكنائس والأديرة والمكتبات وكل ما له علاقة بالثقافة المسيحية، كي لا يعود للمسيحيين أي ارتباط بوطنهم الأصلي، ويفقدون بالتالي أي شيء يمكن أن يعودوا اليه.
ان الصمت الدولي والإعلامي والإسلامي، وحتى المسيحي في الغرب، مذهل. الصمت لم يشمل فقط قتل وتهجير المسيحيين، وإنما ما يتعرض له الشرق الأدنى بشكل عام، لأن المجموعات المتطرفة التي تنفذ هذه الجرائم تنحدر لتصل الى مستوى أفعال الوحوش وليس البشر.
كل هذا الشر والعنف الذي يعصف بالجميع يضع العيش المشترك على مفترق طرق من أخطر وأدق ما واجهه الشرق منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية.
ثقافة الحياة تواجه في الشرق ثقافة الموت تحت أنظار الكنيسة والحكومات في الغرب، وهذا سيكون له تداعيات في العالم بأسره على العلاقات المسيحية الإسلامية، لأن ما يحصل سيعيد تعريف هذه العلاقات.
ان صمت الحكومات في الغرب يضع هذه الحكومات في مرمى الاتهام بأنها داعمة، إن لم تكن مشاركة، في هذه العاصفة الهوجاء التي تهدد الشرق الأدنى برمته. وهذا ليس مدرجاً تحت اسم المؤامرة، وإنما واضح لمن له القدرة البسيطة في التحليل السياسي. فهذه المجموعات الوحشية تشكل خطراً حقيقياً على صورة الإسلام في العالم، لأن إفراغ الشرق من المسيحية سيثبت أن الإسلام دين لا يتعايش مع الآخر المختلف مسيحياً. لكن هذه الصورة المشوهة للإسلام يرفضها المسيحيون والمسلمون معاً. علينا طرح العديد من المبادرات المسيحية الإسلامية المشتركة لوقف هذا المد المتطرف الذي يدمر الإنسان والحضارة على السواء. نحن بحاجة الى مجلس أعلى للأديان يضم الطيف الواسع من الأديان المختلفة في منطقتنا مهمته الأساسية العمل الجدي على إنشاء شبكة واسعة من الاتصالات بين مختلف رجال الدين والعلمانيين المهتمين بهذا الأمر، لنشر ثقافة العيش المشترك من خلال تدريب كوادر وقيادات تستطيع وضع برامج عاجلة على المستويات العمرية كافة لرفض فكر التهميش والإلغاء للآخر المختلف.
كل يوم يمر يزيد الأزمة تعقيداً ويعمق الشرخ بين شرائح المجتمع الواحد، وتصبح الحلول بالتالي أكثر صعوبة في التنفيذ.
نحن مسؤولون أمام الله والأجيال المقبلة التي لن تبرر فشلنا. العمل المشترك هو الحل الأول والأخير لإنقاذ مجتمعاتنا القائمة على غنى التعددية التي نفقدها يوماً بعد يوم
* مدير مؤسسة «وعي» ــ لندن