مشكلة بعض رجال الدين (ومشكلة المجتمع معهم)، وخصوصاً منهم من ذهب بعيدا في تعاطي السياسة (فضلاً طبعاً عن أولئك الذين ليس المظهر الديني بالنسبة اليهم سوى مجرد قناع)، انهم باتوا يغلبون الجزء على الكل والسياسي على الروحي والخاص على العام. تفشت هذه الظاهرة بين عدد من رجال الدين المسلمين لأسباب متعددة يجد جزء منها أساسه في استنساخ وتكرار بعض الأحداث والمنسوبات التاريخية. الأحداث تلك ارتبطت، تحديداً، بمعطيات حِقبها السياسية والاجتماعية. اما المنسوبات، التي معظمها منتحل، فمن السهل استخدامها «غب الطلب» وبما يلبي حاجات ومصالح راهنة، حتى دون تكلّف عناء النظر في المتغيرات ولو بعد قرون وقرون!

في البلدان التي عانت من السيطرة الاستعمارية المديدة، ولا تزال نسبياً، ثم، في امتداد ذلك، من الاستبداد المحلي، توفرت الأرضية الملائمة لعمليات معقدة من التخلف السياسي والاقتصادي. أتاح ذلك، بين أسباب اخرى، لقوى مستفيدة، استحضار العصبيات وتغذيتها، خصوصاً لدى الحلقات الأضعف في البنية الاجتماعية، اي في أوساط الفئات الأفقر والأكثر تعرضاً للتهميش والاضطهاد، والأقل قدرة، بالمقابل، على تحصيل الحد الضروري من المعرفة والتعليم والوعي السياسي والاجتماعي. معروف أنّ هذه الفئات تكون اكثرية المجتمعات وان استمالتها إلى وجهة أو جهة سياسية ما، إنما تؤمن أرجحية أو غلبة، أو قدرة على الحسم، احياناً، لمصلحة هذه الجهة او الوجهة.
اليوم تتأكد وتتكرس هذه المعادلة، يومياً، في البلدان المذكورة. وباستثناء حالات معروفة جرى فيها، بشكل عفوي، توظيف الموروث الديني والشعبي في خدمة الدفاع عن الوطن والهوية القومية ضد استهداف خارجي عدواني شامل (الثورة الجزائرية مثلاً)، فإن اثارة العصبيات قد انحرفت كلياً، لدى البعض، نحو أهداف اجرامية بلغت ذروتها الان في الموجة الإرهابية الراهنة التي تستهدف حريات وحقوق الأفراد والجماعات بأبشع وسائل الاكراه والقتل والتدمير، كما تستهدف التراث الحضاري الإنساني بأبشع انواع الهمجية والظلامية.
في هذا السياق تعتبر «داعش» واخواتها نتيجة لا سبباً. هما أساساً ثمرة طبيعية لمحاولات قوى نافذة، محلية ودولية، استحضار التطرّف والعصبيات في خدمة أهدافها السياسية او الاقتصادية او الاثنين معاً. مثال أفغانستان، في العقد الثامن من القرن الماضي، كان المثال الابرز في هذا المجال. تداعت عن التجربة الافغانية، التي أسست لها ورعتها الادارة الأميركية آنذاك (بالتعاون مع شركاء عرب)، نتائج غير محددة او محدودة الأضرار كما انتهت اليه الحركات الإرهابية في طورها الراهن (ماذا لو تطورت قدرات الإرهابيين بحيث يضعون يدهم على وسائل قتل وتدمير شاملين؟!).
الخطير، بل والمعيب سياسياً، الآن، ان البعض ما زال يراهن على الإرهاب من أجل تحقيق بعض أهدافه، رغم ما انتهى اليه معظم الإرهابيين من توحش وتفلت من كل مونة او وصاية. لقد بلغت ضربات المتطرفين كل الأماكن، تقريباً، بما في ذلك ابعدها وامنعها، فيما تستمر الأحلاف والحرب ضد الإرهاب إعلامية ودعائية وجزئية في أحسن الأحوال. في نطاق الحرب المزعومة تلك يتكرر الحديث عن تجفيف منابع الإرهاب، المقصود أساساً موارده المالية. اما موارده الاساسية فتكمن، في الحقيقة، في المظالم الكبرى والمستعصية، وفي الجموح العدواني والاستبدادي، وفي الفئويات التي لا تتورع عن استخدام أبشع الوسائل من اجل تحقيق أقذر الأهداف، وفي تفشي العصبيات وأبرزها العصبية المذهبية، وفي التشدد والتطرف واخطره ذلك الذي يتجلى في حقل الفقه واستسهال إصدار فتاوى القتل والتكفير...
الشيخ المعروف يوسف القرضاوي رئيس التجمع العالمي للعلماء المسلمين، والمرشد الديني لقوى ودول كبيرة وصغيرة ولحركات سياسية إسلامية ذات طابع اممي، يعتذر الآن من كل هؤلاء وسواهم لانه توهم في السابق بإمكانية «التقريب بين السنة والشيعة» حسب تعبيره. فقد اكتشف «أنهم كارهون حاقدون». ما يقوله القرضاوي هو رأي سياسي في «شيعة» محددين، لا رأي فقهي في التشيع بشكل عام. لكن ترجمة ذلك عملياً ستكون في تعميق الانقسام المذهبي وفي توفير مادة ثمينة منه لمصلحة التطرّف والتكفير.
طبعا، ليس القرضاوي «وحيد عصره» في هذا الموقف. ثمة قوى عديدة جنحت ولا تزال نحو توسل واستغلال المذهبية في سياساتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية. في جانب من بارز من التعبئة الإيرانية، مثلاً، جرى استخدام المأساة الحسينية كمادة استنهاض لمقاومة الظلم ولو في ظروف غير متكافئة. أثمر ذلك تعبئة إمكانيات ليست بسيطة ضد العدو الصهيوني وحماته الغربيين. لكن كان للمسألة وجه آخر تعبوي بمحتوى مذهبي. هذا الجانب جرى التركيز عليه من قبل الخصوم لتقديم مجمل السياسة الخارجية الإيرانية على انها ذات طابع مذهبي خالص.
الواقع أنّ ضخامة التهديدات والخسائر الهائلة التي تتعرض لها المنطقة باتت تستدعي اعتماد مقاربات مختلفة: أكثر عقلانية وأقل فئوية. إن الإندفاع في المواجهة وفق الفئويات والرهانات والأخطاء والاهداف السابقة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الكوارث والخراب المروعين. وسيكون الرابح الوحيد من كل ذلك العدو الصهيوني والمستعمرون القدماء والجدد. وهكذا فإن ما يحتاجه العالم العربي والإسلامي ليس المزيد من الأحلاف السياسية المذهبية، بل ارتياد سبيل الحوار لمحاصرة الحريق واشتقاق التفاهمات الممكنة لوقف هذا الاندفاع القاتل نحو الجنون والموت.
تستطيع القيادة الإيرانية ان تكون سباقة ومبادرة في هذا المجال. لقد خاضت بنجاح تجربة تفاوضية مع واشنطن والدول الخمس. النتائج صبت في مصلحة تفادي صراع كابوسي ومنحت إيران موقعاً مرموقاً على المستوين الإقليمي والدولي. العدو الصهيوني كان الحانق الأكبر. لا يجب انتظار نتائج الانتخابات الإيرانية للمباشرة في اعتماد خيار الحوار. في ظروفنا المأساوية الراهنة خير الحوار عاجله.
السعودية، بدورها، أحوج الى إحداث إنعطافة جدية في سياساتها وعلاقاتها. لا يجدي التفجع على الموقف الأميركي ولعن اوباما والرهان عَلى خليفته. خسائر المملكة مخيفة في الحقول كافة. طبعاً، خسائر سوريا والعراق هي الأعظم ومعهما الخسائر الإيرانية والليبية... والمنطقة عموماً التي تعود قروناً الى الوراء!
«هلاك الأمة في اختلاف الأئمة»، فكيف إذا كان الاختلاف يتعدى هؤلاء الى تناحر مدمر تغذيه، أيضاً، قوى خارجية طامعة؟!
* كاتب وسياسي لبناني