في أحد أكثر المشاهد غرابة في تاريخ الأكاديميا، تحديداً في عام 1978، كتب ميشيل فوكو عن الثورة الإسلامية في إيران، في مضمون أقل ما يمكن وصفه بالمتحيز للحراك الإسلامي وحركاته، تاركاً خلفه سؤالاً شغل بال الكثيرين، بعد أن لاقى الموضوع جدلاً واسعاً ولمدة طويلة: كيف يمكن أن يقف أحد أبرز دعاة التحرر والمثلية الجنسية في العالم مع عودة الحكم الديني؟ اتهم بعده فوكو أنه سقط في فخ ازدواجية المركزية الأوروبية في تقسيم العالم، أي انه يرى مفاهيم التحرر، العلمانية، الليبرالية...


مفاهيم اوروبية، أو بمعنى أكثر وضوحاً قابلة للتطبيق في اوروبا فقط. بينما كان جواب فوكو مباشراً وواضحاً أكثر في مقابلة سأله صحافي السؤال نفسه «هذه إحدى استخدامات السلطة للدين، أي تحويل الخطاب المضاد الى خطاب ديني بالضرورة». وهذا فعلاً ما ارتبط فيه مشروع فوكو في تفكيك ثنائيات الهيمنة والخضوع، تحديداً هيمنة الخطاب. ومنطلق هذا التصور أن خطاب المهيمن لا يقتصر فقط على صناعة أشكال وأنواع هيمنة، ولكن في صناعة أشكال تلق واستبطان وردات فعل على خطاب المهيمن نفسه، على هذا الأساس تعتبر ردات الفعل في معظمها تصبح مسبقة التصميم، جاهزة، وخاضعة دائماً للثنائيات التي يفرضها هذا الخطاب.
بعد سنوات قليلة من موت فوكو، في اخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات، ومع تصاعد الخطاب الديني بشكل لم يكن له مثيل، خرجت أصوات أخرى تجاوزت ما وصفه عالم الاجتماع الفرنسي، إذ اعتبرت العلمانية كمفهوم نظري، هو مفهوم أوروبي استعماري، أساسه أكثر من فكرة إقصاء الدين من سياسات الذات، بل ربط الدين بممارسات الآخر، بحسب وصف جيل النجار، الذي تعامل مع هذه الإشكالية النظرية في نقاش الصراع الصهيوني العربي.


تقدم الصهيونية
نفسها كممثل وحيد لجميع يهود العالم


من هنا ينطلق جيل النجار في مشروعه اليهودي العربي، من عرض أزمة حاضرة بحسب تعبيره في كل مراحل تشكل الصهيونية وحاضناتها الاجتماعية وتعبيراتها السياسية والاقتصادية وأخيراً الاستعمارية الإحلالية التي تمثلت في قيام أو محاولة قيام إسرائيل، وهي أزمة ثنائية اليهودي والعربي، وصناعة العداوة من منطق الاستعمار نفسه، في تقسيمه للعالم، ولساحة الصراع بحيث تتحول مقاومة المشروع الاستعماري مواجهة لليهود، ولليهودية التي تصبح قومية أكثر منها صفة دينية. وأساس هذا التقسيم بحسب النجار مرتب في شرعنة وجود الذات، وشرعنة رفض الآخر، بحيث تستخدم الصهيونية في تبرير وجودها أو بشكل أوضح في تفسير روابطها الجمعية، الى وجودها التاريخي الديني. وبهذا المنطق يصبح المبرر والحكاية التاريخية التي تشكلت على أساسها الصهيونية خارج سياقها لو خرجت من حدودها الدينية.
ومن جهة أخرى تقدم الصهيونية من خلال هذا الخطاب نفسها كممثل وحيد لجميع يهود العالم، من خلال خطابات عديدة أهمها، تحويل اليهودية الى نقيض للعروبة واليهودي كعدو للعربي، بمعنى شرعنة رفض الصهيونية لوجود يهودي عربي، فكل ما هو عربي ليس يهودياً وكل ما هو يهودي ليس عربياً. وهذا ما يعطي عنه جيل النجار مثالاً من خلال اسمه، فيتحول اسم النجار ابن العائلة الجزائرية العربية المتصهينة، التي هاجرت وسكنت في مستوطنة في القدس قبل أن يخرج عنها في بدايات شبابه رافضاً سياسات المشروع الصهيوني ومبادئه لاحقاً، يتحول اسمه من خلال هذه السياسات من جيل النجار الى جيل أنجار، وتحولات اللفظ من العربي الى الغربي وإقصاء اليهودية كأحد مكونات النسيج الاجتماعي العربي، مثلها مثل المسيحية أو الإسلام، حتى من الاسم، فلا يمكن في هذا التعامل، أن يكون اسم اليهودي عربياً (تمكن في هذا السياق مراجعة مقابلة جيل النجار مع نرمين الشيخ، التي ترجمت الى العربية ونشرت في مجلة «الكرمل الجديد»).
من الجدير أيضاً ذكر أن تتبع الخطاب السياسي الفلسطيني، وخطابات المشروع الوطني الفلسطيني، حتى في فترات غلبة بعد القومية العربية عليه، يبيّن لنا مدى تأثر وتعزيز هذه الخطابات لهذا التقسيم، وتداوله وإعادة إنتاجه، فيما ساهم بشكل أو بآخر في إقصاء بشكل مباشر أو غير مباشر لليهودي من المشروع الوطني الفلسطيني، رسمياً أو شعبياً، فلم تحتج منظمة التحرير الفلسطينية مثلاً كما يرى عبد الرحيم الشيخ الى تعريف الفلسطيني المسيحي في بند كما فعلت في تخصيص تعريف الفلسطيني اليهودي في ميثاقها الوطني.

يبقى التساؤل عن خطر اعتبار الصراع امتداداً لصراع المسلمين واليهود في يثرب

والأبعد من ذلك فعلياً، السقوط في فخ هذا التقسيم من جانب آخر، بحيث تتحول ثنائية اليهودي العربي الى ثنائية اليهودي المسلم، وتعريف العداء والمواجهة بكل «اطرافها» على أساس ديني، وهذا التقسيم الجديد حذر منه عديد من النداءات تحديداً مع بدايات تصاعد الخطاب الإسلامي السياسي وما قبل صعوده الفعلي، فقد حذر صادق العظم من هذا التحول ضمن مبررات لها علاقة بالحق التاريخي في الأرض ومبررات أخرى تتعلق بحصر المواجهة ضمن خطاب معين، مهدد بالتراجع، واستندت العديد من الأصوات الشعبية مبكراً وقبل ذلك كله الى أحداث تاريخية في تحذيرها من هذه الأزمة، تحديداً الى الادعاء غير المثبت عن ممارسات وصلت الى حد القتل مع يهود فلسطينيين بعد ثورة البراق.
الى أن صياغة مبررات حقيقية لرفض هذا المنطق في التعامل مع الصراع، يجب أن ينطلق من فهم الأسس الذي يقوم عليها ادعاء أن الصراع ديني، واهمها اعتبار الصراع امتداداً لصراع تاريخي بين الإسلام واليهودية أو المسلمين واليهود، ففي البند التأسيسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس الذي يتعامل مع إسرائيل على أنها امتداد للمشروع الاستعماري وليست مجرد خطر أو مشروع إقليمي، وأن الصراع مع الصهيونية هو صراع وجودي، وتشير الى الأهداف الاقتصادية الأساسية وراء هذا الاستعمار، بوصفها «أطماع في ثروات الأمة»، لكنها في الوقت نفسه في حالة تناقض عجائبية تصف الصراع بالديني، وبأنه في أساسه صراع مع اليهود. ومن هذه الاعتبارات في الميثاق التأسيسي لحماس، الى «خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود» وتعبيرات الشارع العفوية في الانتفاضتين وغيرهما، يبقى التساؤل عن خطر اعتبار الصراع امتداداً لصراع المسلمين واليهود في يثرب، الذي يصبح بتجريده من الأحكام الدينية صراعاً بين قبائل عربية. فبعيداً من تأثير ذلك على البحث في الحق التاريخي، ونموذج الاستعمار في التنقيب عن الوجود والحقوق، من الضروري القول إن هذا التعامل يتجاوز العلاقة الثقافية والهوياتية التاريخية وعلاقة العروبة واللغة بين يهود يثرب وجميع العرب، من أجل تقديم تقسيم يشكل علاقة أو يطاوع تشكيل علاقة وهمية بين يهود روسيا المتصهينين وبين اليهود العرب من منطق المستعمر نفسه.
ما يمكن قوله أخيراً، أن هناك تحوّلاً نلمسه في أشكال التعبيرات الاجتماعية والسياسية كافة، وحتى الممارسات، يمكننا إدراكه في مثال قريب حتى، في ما يتعلق بالعدوان الأخير على قطاع غزة، إن كان في الخطاب الإعلامي للمقاومة أو في التعبيرات العفوية مجدداً. وأساس هذا التحول في الخلاصة هو خضوع للخطاب الصهيوني المهيمن الذي بدا أكثر وضوحاً في وصف الذات على أساس ديني، وفيما بعد، أقل وضوحاً في وصف العدو والعداء على الأساس نفسه.
* باحث فلسطيني