لم يعد لليبراليّة الاقتصاديّة، بمعناها الصّافي والاصيل، مدافعين في بلادنا. حتّى «الليبراليّين العرب» في بياناتهم الجماعيّة التي ينشرونها كلّ بضع سنوات - في محاولة منهم لاختراع ايديولوجيا - صاروا يجدون أنفسهم ملزمين باضافة «تنصّلٍ» ما من الفكر النيوليبرالي، أو تحذيرٍ من «السّوق المنفلتة من عقالها»، او اشارةً إلى دور الدّولة في تحقيق العدالة الاجتماعيّة.


هذه الحالة ليس مردّها أنّ كتابنا ومثقفينا قد تعلّموا من دروس العقود الماضية وكوارثها، ولا أنّهم قد قرّروا، اخيراً، أن يفكّروا باستقلاليّة في الشؤون التي تطاول صلب حياة النّاس ومعاشهم، وان يخرجوا بآراء اصيلة وجديدة حول اقتصادنا ومستقبلنا – معاذ الله -، بل لأنّ النيوليبراليّة والمدرسة النيوكلاسيكيّة في الاقتصاد قد أضحت في موطنهم الفكري ومرجعيّتهم الأصليّة، أي في المركز الغربي نفسه، بضاعةً كاسدة انفضّ عنها مريدوها، والبنك الدّولي نفسه لم يعد يدافع عن سياسات البنك الدولي. في هذا الاطار بالطبع، لا يختلف الليبراليّون العرب عن اترابهم الاسلاميّين وباقي التيارات الايديولوجيّة، فهؤلاء ايضاً يكتفون باستنساخ الصّيحة الرائجة في بلاد الشمال – يميناً ويساراً - بعد تزيينها ببعض الزخرفات الاسلاميّة والحديث عن قدرة الاسلام على التأقلم مع الاقتصاد الحديث. والصيحة الرائجة اليوم هي «توماس بيكيتي».
فقدت ايديولوجيا السّوق بريقها اثر الأزمة المالية العالميّة، لم يعد بامكان النخب الفكرية والمالية في الغرب أن تدافع عن مبدأ «عدم تدخّل الدّولة» في الاقتصاد، فيما الحكومات تضخّ الاف المليارات في القطاع المصرفي وتنبري لانقاذ الشركات الكبرى، وتشتريها وتسدد ديونها. وصل التخلّي عن العقيدة الليبراليّة حدّاً جعل مجلّة «الايكونوميست» تنشر، في عزّ الأزمة الماليّة وبما يشبه العناد، «مانيفستو» يعلن أنّ المطبوعة قد تأسّست، منذ أكثر من قرن، بغية الدّفاع عن مبادىء حريّة السّوق وعدم تدخّل الدولة، وانّها سوف تبقى وفيّة لخطّ مؤسّسيها – حتّى ولو خالفها الجميع.
هنا، لا مناص من التّذكير بأنّ روّاد الليبراليّة الاقتصاديّة، مثل «فون هايك» و«ميلتون فرديمان»، لم يدافعوا عن حرية السّوق من الزّاوية النفعيّة فحسب، بل إنّ النظريّة كان لها، قبل كلّ شيء، أساسٌ سياسيّ واخلاقيّ، هو الذي أعطاها قوّتها الكاسحة بين النّخب الغربيّة في الثمانينيّات وجعلها ترتقي الى مقام القناعة الايديولوجيّة. بالنسبة الى «فون هايك»، تدخّل الدولة في الاقتصاد يمثّل الخطوة الأولى نحو العبوديّة، فحريّة الفرد لا تتحقّق الا حين يكون سيّد معاشه، وما أن تبدأ الدولة بالدّخول الى المجال الاقتصادي حتى تبدأ الحريّة بالتآكل وتصير السّلطة آمرةً على الناس، تسيّرهم وتتحكّم بشؤونهم. تركت حقبة الهيمنة الليبراليّة أوساطاً عريضةً من المثقّفين الغربيّين المخالفين في حالة غربة: كينزيّون، «يسار اوروبي»، ماركسيّون متخفّون، وهؤلاء لم يملكوا، في مرحلة أفول الاشتراكيّة وفكرها، الّا التربّص بالسّياسات النيوليبراليّة والتباكي بحنين على «الثلاثين العظيمة»، أي العقود الثلاثة التي تلت الحرب العالميّة الثانية، حين لم يكن هناك من تناقض أو ضرورة للاختيار بين الانفاق الاجتماعي للدولة، من ناحية، والنموّ الاقتصادي السّريع من جهة اخرى. هذه الفئة، تحديداً، هي أكثر من رحّب بكتاب بيكيتي.

منطق رأس المال

من ميّزات كتاب بيكيتي انّه بالامكان تلخيص صفحاته الطويلة في فقرةٍ واحدة، بل في المعادلة البسيطة التي صارت مشهورة بعد نشر الكتاب: r>g (سنعود اليها بعد قليل)، وهو يقدّم ايضاً «حلولاً» واضحة وعمليّة يمكن أن تترجم الى سياسات، ما يجعله عملاً مثاليّاً من جهة التأثير والانتشار بين النخب الحاكمة. معادلة (r>g) تقول باختصار انّه، بالمعنى البنيوي وعلى المدى البعيد، فإنّ العوائد على رؤوس الأموال (r) سوف تكون أعلى باستمرار من نسبة النّموّ في الاقتصاد (g)، أي أنّ الأرباح والفوائد التي يجنيها رأس المال المتراكم تفوق وتيرة توسّع الاقتصاد.

يشخّص بيكيتي رحلة الرأسمال الأوروبي ونفوذه في القرن الماضي على
انها عمليّة انحدار

تاريخيّاً، يشرح بيكيتي أن لا يمكن أن يزيد معدّل النموّ «الحقيقي» (أي النمو في الانتاجية، تمييزاً عن النمو الناتج من زيادة عدد السكان) عن صفر الى واحد في المئة، الّا في حالاتٍ استثنائية لا تدوم الى الأبد، ومنها فترة «الثلاثين العظيمة»، حين كانت اوروبا تتعافى من تدمير قاعدتها الرأسمالية اثر الحربين العالميتين، أو مرحلة «لحاق» دولٍ نامية بالاقتصاديات المتقدمة كما يجري في الصين وغيرها حالياً. من جهةٍ اخرى، فإنّ العائد على الأصول الرأسمالية يتراوح (منذ القرن التاسع عشر) بين الثلاثة والخمسة في المئة. هذا التفاوت تنتج منه تداعياتٌ هائلة، فهو يعني أنّ حجم رأس المال في المجتمع وعائداته المتراكمة، سوف يتوسّعان باستمرار كنسبةٍ من الدّخل القومي، وعلى حساب المكوّن الآخر للناتج المحلّي، أي المداخيل والرّواتب المتأتّية عن العمل. اليوم، تتراوح نسبة الأصول الرأسماليّة الى النّاتج القومي (أي رأس المال، العام والخاص، الذي تراكم على مرور الزّمن، مقارنة بقيمة الناتج السّنوي للعمل والارباح) بين 4 و5 في البلدان الصناعيّة - بمعنى أنّ الحجم الاجمالي لرأس المال يوازي انتاج الاقتصاد المحلي لأربع أو خمس سنوات، وهي نسبة تقلّ كثيراً عن مثيلتها قبل الحرب العالمية الأولى.
اذا ما تُرك رأس المال على غاربه، يقول بيكيتي، فإنّنا سنعود الى حالةٍ تشبه اوروبا في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، حين أدّى تركّز راس المال وتضخّمه الى نشوء مجتمعٍ تعتاش أقليّةٌ فيه من الفوائد على الأصول الّتي جمعها أجدادها، وتصير الوسيلة الأساس للحظي بالثروة هي عبر الميراث والمصاهرة والشراكات والعلاقات الّتي تكفل ادخالك الى صفوف هذه النخبة الرأسماليّة (أي كلبنان اليوم تماماً)، فيما العمل، بمعنى المهنة والوظيفة والانتاج الفردي، لا يمكن أن يوصلك الى الثّراء مهما كان - فالرواتب تصبح جزءاً يسيراً من مجمل الاقتصاد. يستشهد بيكيتي للتدليل على هذه النّقطة بحوارٍ شهير في رواية «الأب غوريو» لـ«بلزاك» التي تجري أحداثها في فرنسا بعد نهاية العهد النابليوني، حيث يشرح احد الشخصيّات لبطل الرّواية «راستينيان»، الطالب الطّموح، انّه مهما برع في مجاله ونجح، وترقّى في المؤسّسة القانونيّة، فهو لن ينال في حياته دخلاً يوازي ما يؤمنّه الزواج من امرأة ارستقراطيّة صاحبة ميراث. في مجتمع كهذا، يحاجج بيكيتي، لا يوجد سببٌ للالتزام بالاخلاق، او للإيمان بقيمة العمل، هذا هو المجتمع القاسي الّذي خلقته الثورة الصّناعيّة في اوروبا، والذي لم ينتهِ الّا اثر الحربين الكونيّتين، حين دمّرت أغلب الأصول الرأسماليّة في القارّة وانخفضت - بشكلٍ استثنائي - حالة انعدام المساواة التي سادت المجتمع الصناعي منذ نشوئه.
يشخّص بيكيتي رحلة الرأسمال الأوروبي ونفوذه في القرن الماضي على انها عمليّة انحدارٍ، وصلت الى قعرها في الخمسينيات، تبعها صعودٌ مستمرّ في التراكم الرأسمالي حتّى اقتربنا اليوم، مجدداً، من نسبة الرأسمال -الى- الدخل التي كانت سائدة في أواخر القرن التاسع عشر (اكثر من 6 الى واحد). اطروحة بيكيتي هي أنّ التحدي الأساس الذي يواجه أي مجتمعٍ رأسمالي يتمثّل في كبح جماح هذه العمليّة، ومنع التضخّم الرأسمالي من أكل الأجور وخلق طائفة أقلوية من الأثرياء الذين تزداد ثرواتهم باستمرار وتتعزّز مع مرور الأجيال من دون بذل أي جهد. بل إنّ كثيرين من هؤلاء عمدوا - تاريخياً - الى شراء سندات الخزينة وتحصيل العوائد الآمنة على رساميلهم عبر اقراض الدولة، بمعنى انّهم يصيرون دائنين لعموم الشعب والمجتمع الذي يقتطع جزءاً مهماً من دخله لتمويل هذه الثروات الخاصة - وهذا قد يستمرّ الى ما لا نهاية. «السندات الروسية» التي كان الأثرياء الاوروبيون يشترونها بكثرة لم تنعتق منها الدولة الروسية حتى قيام الثورة البولشيفية والغاء الديون القيصرية، امّا بريطانيا، التي موّلت حروبها ضد نابليون بالدّين، فقد ظلّت تدفع نصف ميزانيتها فوائد للمكتتبين لأكثر من قرن (بين 1813 و1913) حتّى جرى تخفيض قيمة العملة وأكل التضخّم الدين العام (ومعه ثروات الأرستقراطيين). نموذج الأرستقراطي الذي لا يعمل ويكتفي بالاعتياش من عوائد ثروته العائلية كان سائداً ومعتاداً حتى اوائل القرن العشرين، وهو نمطٌ نجده بكثرة في الثقافة الشعبية والروايات التي كتبت في تلك المرحلة؛ تحلّلت هذه الطبقة مع انهيار قيمة الأصول الرأسمالية في فترة ما بين الحربين، وهي اليوم تعود الى الواجهة.

التوفيق بين المعسكرات

ينتقد توماس بيكيتي، ككثير من المهتمين بالاقتصاد السياسي، عملية فصل الاقتصاد عن باقي العلوم الاجتماعية في العقود الأخيرة، اذ صار «علم الاقتصاد» مستقلّاً الى حدّ بعيد - في منطقه ومناهجه - عن العلوم الانسانية التي نشأ في كنفها، وأضحت منهجيته حسابية واحصائية خالصة الى درجة لا تسمح بربط العوامل الاقتصادية بالمجتمع والحياة المعاشة والنقد السياسي. على الرغم من أنّ بيكيتي يدعو إلى اعادة وصل ما انقطع بين الاقتصاد وباقي فروع الاكاديميا، الّا أنّ استنتاجاته الرئيسية في الكتاب تتبع كلّها منطقاً اقتصادوياً تقليدياً، فهي تتلخّص في علاقات احصائية لاحظها بيكيتي وعزلها عبر تحليله لبياناتٍ مالية تغطّي أكثر من قرنٍ من الزمن، ثمّ بنى اطروحته عليها (امّا اضافة اقتباساتٍ من روايات بلزاك وفولتير أو محاولة تبسيط المعادلات الاقتصادية حتى يفهمها الجمهور، فهي عناصر «تجميلية» أفادت الكتاب، ولكنّها لا تغيّر منطقه).
لهذا السّبب، ومن بين كلّ الملاحظات والتشكيكات التي كتبت في خصوص عمل بيكيتي الأخير، قد يكون نقد دايفيد هارفي للكتاب أكثرها تأثيراً، فهارفي يقول إنّ بيكيتي يحاول أن يثبت لنا، عبر الملاحظة الاحصائية، اموراً مثل ارتفاع معدّل الأرباح الرأسمالية عن معدّل النمو، وغيرها من «القوانين» التي توصّل اليها، ولكنّه لا يشرح لنا، على أي مستوى، العملية الاقتصادية الفعلية التي تولّد هذه الأنماط وتشكّلها (أي، بصيغة أخرى: كيف تخلق القيمة، ولماذا هذه القوانين هي كذلك اصلاً؟). ما يقترحه بيكيتي، أي فرض ضريبة على رأس المال تؤمّن التوازن على المدى البعيد، لا يعدو كونه حلّاً حسابياً نظريّاً لمشكلة حسابية، وهو لا يتضمّن نظرة اصلاحية - أو حتى تفسيرية - لحالة المجتمع الرأسمالي وديناميات العمل والانتاج فيه.
هنا يجب توضيح أنّ بيكيتي لا يطرح مشروعاً تغييرياً، ولا هو كمواطنيه باديو ورانسيير ينظر الى ما بعد النظام الرأسمالي أو الى بناء مجتمعٍ جديد، على العكس تماماً، فإنّ مشروع بيكيتي يتمركز حول «انقاذ» النّظام الرأسمالي القائم، وتأمين استمراريته، و«تشذيب» عوامل الخلل فيه. هذه النظرة التوفيقية هي ما جعل الكتاب شعبياً في أوساط واسعة، وبين المثقفين المحافظين والكتّاب القريبين من السلطة والمؤسسة الاقتصادية (كبول كروغمان وغيره، اللذين وجدوا في بيكيتي نقداً اصلاحياً «آمناً» للنظام الرأسمالي، ينبثق من قلب الثقافة السائدة ومصالحها، ولا يسعى الى تحديها).
النّقد الليبرالي للرأسمالية ليس نزعةً جديدة، وله رموزٌ ككارل بولاني انتقدوا النظام الرأسمالي بعنف بغية انقاذه من نفسه، وبولاني - منذ الأربعينيات - حذّر كتوماس بيكيتي من ترك السّوق على غاربها، واقترح حلولاً لا تختلف في طبيعتها عن كلام بيكيتي بمعنى تحويل الدولة الى العقل الواعي الذي يعقلن الرأسمالية ويلجم تطرّفاتها. على الرغم من أن بيكيتي قد اختار عنواناً مستوحاً من كتاب ماركس عن رأس المال، الّا انّه يبذل جهده حتى يوضح للقراء أنّه لم يقرأ ماركس ولا علاقة لآرائه بالماركسية، وهو يتكلّم عن الشيوعية من ضمن خطاب الحرب الباردة، فلا يذكرها الا كنظرية سندت الأنظمة التوتاليتارية والديكتاتورية. بل إنّ بيكيتي يسعى الى افهام المهتمين بالشأن الاقتصادي أنّ الصراع بين النيوليبرالية والكينزية لا أساس له، بل هو لا يعدو أن يكون «سوء تفاهم» سببه نقص المعلومات، وأن التوفيق بين هذه المعسكرات ممكنٌ عبر رؤيا جديدة للتاريخ الاقتصادي تقوم على الاحصاءات والسجلات التي اعتمدها بيكيتي.

مستقبل أوروبا وماضيها المكتوم

كلّ نصائح بيكيتي مفصّلة على قياس اوروبا (الغربية)، هموم الكتاب أوروبية، وحين يقترح ضريبةً على رأس المال، فهو يعترف بأنها غير قابلة للتطبيق حاليّاً الا ضمن المنظومة الأوروبية، ثمّ يفرد جزءاً طويلاً من الكتاب لتفصيل مقترحه وكيفية تطبيقه على مستوى الاتحاد. الوعد الذي يروّج له بيكيتي هو أنّ حالة التشاؤم والقنوط وشعور «الانحدار» الذي تعاني منه اوروبا، بعد أن ذهبت أيام الازدهار الاقتصادي والنمو السريع، يمكن الخروج منه عبر مجموعة من الاجراءات الضريبية. ولكنّ بيكيتي يتجاهل عاملين أساسيّين: أوّلاً، أنّ الانحدار الاقتصادي في اوروبا لا علاقة له، الى حدّ بعيد، بنمط الادارة الداخلي وثانياً، أنّ خلق تغييرٍ جذري في النظام الاوروبي من خلال نخبه التي صعدت اثر نهاية الحرب العالمية الثانية، أو حتى تأمين استمرارية النظام القائم، قد يكون - لأسباب تاريخية وموضوعية - هدفاً مستحيلاً. يعترف بيكيتي بأنّ أحد الأسباب الأساسية للتراجع الاقتصادي الأوروبي يتعلّق بحالة اللامساواة على الصعيد العالمي وتطوّرها، بمعنى أنّ اوروبا الغربية دخلت القرن العشرين وهي تسيطر على نسبةٍ ضخمة من الانتاج العالمي والاصول المالية والصناعية، وهي حالة لم يكن بالامكان الحفاظ عليها من دون الاستعمار المباشر، وهذه النسبة تتدنى باضطراد، مقلّصة المسافة بين دخل المواطن الاوروبي ونظيره الآسيوي، مثلاً، فيما بلدان العالم الثالث تتقدّم اقتصادياً وتلغي تدريجياً الامتيازات التاريخية التي راكمتها الدول المتقدمة.
يشرح بيكيتي هذه الدينامية في بداية الكتاب، ولكنّه يمرّ عليها بعجالة في فصلٍ قصير، يرتكب فيه عملية «غشٍّ» فاضحة: في تبيانه لانخفاض حصّة اوروبا من الدخل العالمي (وهو يستعمل في هذه المقارنات الدخل الفردي مقياساً) قرّر أن يجمع اوروبا الغربية مع اوروبا الشرقية كاقليمٍ واحد، واميركا الشمالية مع اميركا الجنوبية، خلال مقارنتهما ببلاد الجنوب، ما قلّل بشكلٍ كبير من وتيرة الانحدار الفعلية لدى دول الشمال - وهذا التقسيم الجغرافي البحت لا تبرير منطقياً له، ولا يمكن أن يستعمل في أي دراسة جيوسياسية. الّا أن بيكيتي يعود، بعد فصولٍ، ويورد الحصة الفعلية لأوروبا الغربية واليابان وشمال اميركا من الدخل العالمي: 57% من الناتج الكوني يذهب الى اقل من عُشر سكّان العالم، وهي نسبة لا يمكن أن تستمرّ ضمن أيّ منطقٍ اقتصادي، ناهيك عن تحقيق النموّ والتوسّع.
يقول بيكيتي مواربة، إنّ التأقلم مع هذه الوضعية الجديدة تشكّل التحدّي الرئيس أمام أوروبا اليوم. حتى نوضح الفارق بين الأمس القريب والحاضر، يكفي أن نذكّر بأنّه، عشية الحرب الكونية الأولى عام 1913، كانت اوروبا تمتلك ثلث الى نصف كلّ الأصول الرأسمالية في آسيا وافريقيا، وثلاثة أرباع الرأسمال الصناعي فيها (بحسب كتاب بيكيتي). عالم التفوّق الأوروبي هذا ينتهي شيئاً فشيئاً، اذ لم يعد هناك من مبرّر حتى يكون راتب المهندس الفرنسي ستة أضعاف نظيره الصيني، والاحتكارات التكنولوجية التي كانت الشركات الاوروبية تعتمد عليها لتحقيق الأرباح - من دون منافسة تقريباً - تكاد تذوي. لم يعد هناك الا مجالات محدودة تنفرد فيها الصناعات الغربية، محركات الطائرات مثلاً وبعض أجزاء صناعة الطاقة والآلات المتقدّمة. لهذه الأسباب، فإنّ اوروبا لن تعاني من جمودٍ في النمو فحسب، بل إنّ الامتياز الاقتصادي للمواطن الأوروبي نسبة الى باقي العالم سوف ينخفض تدريجياً مع تقارب المداخيل وصعود دول آسيا واميركا الجنوبية.
المشكلة الثانية في تحليل بيكيتي هي أنّ «التاريخ الاقتصادي» الذي يبني عليه سرديته يخفي تماماً التاريخ الحقيقي لنشوء المؤسسات السياسية التي تحكم اوروبا اليوم. مكمن الاحباط الاوروبي لا يقتصر على التطوّر الطبيعي لرأس المال، كما يوحي بيكيتي، بل مؤسسة سياسية أنشئت في اطارٍ معيّن ولغرضٍ محدّد، وهي قد تكون استنفدت رصيدها ولم تعد صالحة لادارة مجتمعات اوروبا الغربية في الاطار التاريخي الحالي.
بيكيتي، كأكاديمي يطرح حلولاً على صانعي السياسة، مجبرٌ بالالتزام بقدرٍ من التفاؤل، وهو لن يتمكّن من تحليل النّظام الأوروبي من منطلق انّه ديمقراطية ليبرالية في طور الانهيار والتحول باتّجاه الفاشيّة، مثلاً، ولكنّنا نحن نقدر على ذلك ولا مانع لدينا. المدرسة المؤسسية، عبر باحثين مثل اسبنغ-اندرسن وجون زايسمان وغيرهما، تشرح كيف قامت الحكومات في فرنسا والمانيا وايطاليا اثر الحرب العالمية الثانية كي تدير عملية اعادة الاعمار تحت الرعاية الأميركية. الحرب العالمية نزعت الشرعية عن كلّ القوى السياسية التي كان لها وجودٌ تاريخي وشعبية في هذه الدّول قبل الحرب، فصار اليمين الفرنسي التقليدي مذموماً بعد تعاونه مع النازيين، فيما اميركا تصرّ على منع الحزب الشيوعي من الوصول الى السلطة في أيّ مكانٍ باوروبا الغربية. النتيجة كانت تعيين «واجهات» سياسية جديدة، مثل ديغول وادناور، لم يكن لهم أحزاب وشعبية ليتولّوا الحكم رسمياً - بالاعتماد على جهاز الدولة القائم.
يشرح نورمان فينكلستين كيف أنّ الرّوس تشددوا في مجال اجتثاث النازية، فعُزل وحوكم وعوقب كلّ من كانت له علاقة بالحزب النازي في شرق اوروبا، بينما في الشطر الغربي تمّ التخلّص من القيادات وبقي مدراء الدولة والاقتصاد في مكانهم. حكم المانيا الغربية بعد الحرب زعماء النقابات نفسهم، مدراء الشركات نفسهم، وقادة البيروقراطية الذين أداروا المانيا النازية. وفي فرنسا لم يكن الوضع مختلفاً، فقد أفسح الفراغ السياسي المجال للبيروقراطية المكرّسة لتصير هي الحاكمة الفعلية في باريس. خرّيجو المدارس الفرنسية العليا (أي الكليات النخبوية) هم من صمموا الاقتصاد الفرنسي بعد الحرب، وهم من بنوا مدن فرنسا الكبرى، واعادوا الاعمار.
هذه الحكومات، والأحزاب الوسطية التي انبثقت عنها، ترأست فترة النموّ المتصاعد في الخمسينيات والستينيات وبناء دولة الرعاية. توماس بيكيتي ينتمي تحديداً الى هذه النّخبة: هو من خرّيجي هذه المدارس الكبرى، وهو يكتب لأناسٍ مثله، تدرّبوا منذ أيّام الجامعة كي يصيروا الكوادر الكبرى في الدولة والشركات، وأُقنعوا، منذ الصغر، بأنّهم الأذكياء واللامعين والأوصياء على المجتمع، وهو يريد أن يطمئنهم الى أنّ نظامهم له مستقبل واستمرارية، اذا ما «عدّلوا» بعض السياسات.

خاتمة

هل النّظام الحالي قابلٌ للإنقاذ؟ هنا السؤال الحقيقي. في أحد مقالاته عن السياسة الإسرائيلية، يصف الباحث الراحل إسرائيل شاحاك الطبقة الوسطى بأنّها الطبقة التي تخاف من كلّ شيء: تخاف من الأثرياء، تخاف من المعدمين، تخاف من الأجانب، وتخاف من الدول المنافسة. هي الطبقة المهووسة، على الدوام، بخطر الانحدار وخسارة مكتسباتها، بينما تجهد للالتحاق بالطبقة العليا. اوروبا اليوم هي «طبقة وسطى» على مستوى العالم، يحرّكها الخوف وهمّ الحفاظ على ما هو موجود، والطواقم الحاكمة، التي نجحت في زمن النمو والتوسّع الاقتصادي، لا تناسب عهد الانحدار.
انظروا اليهم، راقبوا قادة اوروبا اليوم الذين يمثلون «المؤسسة»: هل من انسانٍ فيه عقل يمكن أن يعتبر شخصاً كفرانسوا هولاند أو ساركوزي أو رويال، زعيماً يُقتدى وصاحب كاريزما؟ هؤلاء لا تعرف ان كانوا رؤساء أو موظفي بنك. في المقابل، الأحزاب اليمينية هي التي تتحرّر من ارث ماضيها الفاشي، وتلهب الخيال الشعبي من جديد، وتركّز على عناصر تمسّ الأوروبيين البيض وتؤثّر فيهم، وتعطيهم سردية متكاملة لتفسير مأزقهم الحالي: العداء للمهاجرين، لوم الأوربة والعولمة، الحمائية تجاه الهوية الوطنية، الخ...
اختفت المرتكزات الايديولوجية لدولة الرعاية في الستينيات، وصارت «التعددية الثقافية» - التي أمّنت اطاراً لاستقبال المهاجرين وانفتاح المجتمع على نفسه وعلى الآخر - سبّةً ومادّة للسخرية. وقد سبق هذه التحوّلات السياسية انقلابٌ في الثقافة السائدة، حتى أضحى أغلب من يعيش في اوروبا (ولو كانوا من أصولٍ أجنبية) يعترف، من غير نقاش، بـ»المشاكل» التي يسببها المهاجرون، والعبء الذي يشكلونه على الاقتصاد، ويشتكون من سلوكهم و«رفضهم» الاندماج، أي كلّ لازمات اليمين العنصري، ومن دون ايّة أرقام أو احصاءات أو دلائل حقيقية تتجاوز الملاحظة الفردية، فهذه النظرة الاحتقارية أضحت ثقافة يروّج لها التلفزيون والاعلام، وقلّما تجد مقاومة في المجتمع.
يخطىء بعض العرب حين يغالون في توصيف التظاهرات المعادية لاجراءات التقشّف في اسبانيا واليونان وغيرها كـ«هبّة شعبية يسارية»، بينما هي في العمق لا تعدو أن تكون مطالبةً شبه برجوازية بابقاء الامتيازات القائمة للأوروبيين على عدم معقوليتها ومنطقيتها، ولم يتنبه المراقبون إلى أن الكثير من هؤلاء المتظاهرين هم ممن صوّتوا، بعد الاحتجاجات، لأحزاب اليمين المتطرّف ووجدوا في خطابه صدىً لقلقهم. لا يكفي أن يسير الناس ضدّ حكوماتهم حتى تصير قضيتهم عادلة وتقدمية. البعض يعوّل على يسار اوروبي غير واضح المعالم ولا يملك ايديولوجيا أو تنظيماً، والبعض الآخر كبيكيتي يراهن على انقاذ النظام القائم، ولكن مستقبل اوروبا هو لليمين، وهذه فرضية لا تدعمها أرقام الانتخابات فحسب، بل واقع أنّ هذه الأحزاب هي التي تملك التنظيم والرؤيا والكاريزما: اوروبا الغد سوف تعود إلى ماضيها.
* من أسرة «الأخبار»