ستدرِّبُ السعودية الجيش الحر، هكذا يقول الخبر، ولو أن وزير خارجية السعودية الأمير سعود الفيصل نفى الأمر أكثر من مرّة وعبر صحفٍ سعودية عدة (عكاظ وغيرها) لكن مسألة نشره في «واشطن بوست» و»نيويورك تايمز» يقودنا إلى التأكد من أن الخبر صحيح. وعلى عادة الساسة في البلاد العربية، يصدقون أمام الصحف الغربية (الناطقة بأية لغة غير العربية) ويكذبون ملء شدقيهم أمام تلك الناطقة بالعربية. لكن ما كان غريباً ولا بد هو التساؤل الحقيقي: لماذا عادت المملكة إلى الدور الذي كانت عليه إبان حرب الخليج الأولى في تسعينيات القرن الماضي، وبدلاً من عدائها المباشر لعراق صدام حسين، تعادي وبالقوة نفسها سوريا بشار الأسد؟

السؤال الأكثر أهمية بالتأكيد هو لماذا تسمح السعودية لجيشٍ أجنبي بالتدرّب على أرضها، وهو الأمر الذي لم تسمح بحدوثه من قبل إلا للجيش الأميركي (وقوات تحالفه) سابقاً وذاك أمرٌ يختلف جملةً وتفصيلاً. فالجيش الأميركي كان جيشاً للحماية والدفاع والهجوم، أما في حالة الجيش الحر فإن الموضوع ذو أبعادٍ أخرى تماماً. فالسعوديون الذي يفضلون عادةً أن يدفعوا لأية دولةٍ أخرى كي تحمل «الهم» عنهم لم يجدوا أي عونٍ في هذه المسألة. ماذا عن مصر؟ السيسي لا يزال يتلقى التقريع «الشعبي» حتى اللحظة على موقفه المتردد وغير الواضح من غزّة، فهو نفذ كل ما طلب منه «أميركياً /سعودياً»، إلا أن الشارع المصري لا يزال لمّا يفهم لماذا لم يحمِ الجيش المصري غزّة بعد تصريحات «الجنرال» الشهيرة إبان انتخابه بأن الموضوع «فركة كعب ونصبح هناك»؟ ماذا لو استضاف الجيش الحر ليدربه؟ الجنرال أوضح للسعوديين أكثر من مرةٍ وبكل بيان: لا أستطيع تحمّل أي ضغطٍ خارجي من هذا النوع. فمراكز التدريب هذه ستعج بالقادمين والذاهبين، وهذا يزيد من شعور الشارع المصري بأن بلاده مع رئيسه الحالي أصبحت «نادياً» أو «دكاناً» خليجياً لا أكثر ولا أقل.
ماذا عن لبنان مثلاً؟ يمكن احتضان مشروعٍ كهذا في شماله حيث يمكن لحاضنةٍ شعبية من نوعٍ ما استقبال تلك «المعسكرات» مع غض البصر من قبل السلطات الحاكمة (أياً كانت) وبالوقت نفسه تكون المعسكرات قريبةً من سوريا وجاهزة للانضمام للمعارك سريعاً. لبنان أيضاً بدا بعيد المنال، فالحاضنة الشعبية «السنية» كما يحلو للبعض تسميتها، فقدت كثيراً من قوتها بعد الهزائم المتعددة للمعارضة السورية، فضلاً عن تفككها إثر صراعات تلك القوى مع بعضها، بدءاً من صراع الجيش الحر مع بعضه (أو مع القوى الإسلامية) أو صراع جبهة النصرة مع داعش من جهة أخرى. أضف إلى ذلك أن «الحاضنة الشعبية نفسها» لا تميل أبداً للحر، بل تفضّل عليه الحركات الإسلامية كداعش والنصرة، بالتالي أبعد لبنان من الصورة نهائياً.

يوافق السعوديون على مضض على تلك المعسكرات وقد لا يعلنون عنها

ماذا عن اليمن؟ كلا، الأمر ليس ممكناً البتة؛ فالحوثيون يعرقلون أي شيءٍ مشابه، ماذا عن البحرين؟ لا يمكن تطبيقه في ظل الحراك الشعبي الحالي. أما دول المغرب العربي؟ فهي بعيدةٌ وبالتأكيد لا يمكنها الدخول في مهاتراتٍ كهذه. على الجانب الآخر ظلت المملكة معتقدةً بأنّها تستطيع أن تجعل الأتراك يتحملون هكذا «معسكرات» سواء عبر لعبة «المال» أو عبر لعبة «غض البصر» السياسي. تركيا أردوغان التي تجيد دائماً اللعب على التناقضات والحبال، لم تجد السعر المناسب بعد كي توافق على هكذا «خيار»، فكل ما قدمه وسيقدمه السعوديون يمكن للتركي الحصول عليه من الأميركي مبشرةً. مال؟ قطر يمكن أن تقدمه بضوابط خاصة وعلاقاتٍ أكثر خصوصية، نفوذ داخل مصر؟ يمكن للأميركي أو للصهيوني تقديمه حال قدمت تركيا تنازلات معينة للدولة العبرية، ماذا إذاً عن رضا سعودي عن الإخوان المسلمين؟ وإعادتهم إلى مكانتهم الأولى سياسياً؟ لكن من قال بأن أردوغان يريد هذه الورقة الآن؟ الواضح أنه لا شيء لدى السعودي يمكنه أن يغري تركيا بالموافقة على تلك «المعسكرات» على أرضها.
يوافق السعوديون على مضض على تلك المعسكرات، وقد لا يعلنون عنها البتة، ولكنها ستحدث، كيف؟ لأن الأميركي لن ينزل إلى الأرض «القذرة» (التعبير الأميركي لأرض المعارك) كي يحارب بنفسه، والسعودي كذلك، إذاً يجب أن يكون هناك «ضحايا» حال احتياجها، أما رأس الحربة فيمكن الحصول عليه من الشركات الخاصة التي ستتولى المملكة دفع «المال» كبدلات لخدماتها، فالحر كما هو معروف عنه لا يمتلك بأساً قتالياً خارقاً، أو تنظيماً، أو حتى تدريباً يستحق الحديث عنه، بالتالي فإن أي مواجهة مباشرة مع داعش (أو أي جهة محترفة قليلاً) ستكبده خسائر بالجملة، وتجعل الهجوم البري مستحيلاً، لكن إذا ما أضفنا غطاء جوياً كاملاً، مع قصفٍ صاروخي دقيق، وقيادة محترفة، وبعض «فرق» خاصة للتدخل السريع، يمكننا القول بأن الأمور قد – ويجب التركيز ههنا على كلمة «قد» - تكون في مكانها الصحيح أميركياً. ويبدو أن هذا الطموح «السعودي/ الأميركي» هو أقرب السيناريوهات المتوقعة بحسب مراكز دراساتٍ كثيرة.
لكن ماذا عن «المفاجآت» غير المتوقعة؟ ماذا عن عدم انضباطية الجيش الحر المعروفة سواء داخل معسكراته أو خارجها؟ ماذا عن قيادته الهشة والتي يعرف عنها سهولة «شرائها» بالمال وصراعها الدائم على «نفوذٍ» أشد. إذ لم يشهد الحر أي قائدٍ حقيقي، ما عدا قياداتٍ اسمية يجرى التخلّص منها بسرعة وبهدوء من دون أن يتضايق أحدٌ أو يتأثر حتى البنيان «الوهمي» للجيش الحر نفسه. هل ستتحمّل المملكة سلوكات رجالٍ مسلحين يجولون بأعتدتهم داخل المملكة؟ كيف يمكن التفاهم مع «مقاتلين» من نوع كهذا، خصوصاً مع تجاربٍ مماثلة «للمسلحين» الخارجين عن إطار الدولة الحاكمة في كثيرٍ من الدول العربية المجاورة.
في إطارٍ آخر يكمن سؤالٌ شديد الخطورة: ماذا عن «السلطة» الدينية في المملكة؟ يعرف الجميع بأنّ تلك السلطة تحكم فعلياً، بينما يهتم «أبناء عبد العزيز» بالأمور السياسية الخارجية وشؤون عائلاتهم، فهل سيتقبّل أحفاد محمد بن عبدالوهاب وجود «سلطةٍ» ولو حتى «صغيرة» (أو قليلة التأثير) على أرضهم؟ حين تواجد الجيش الأميركي على الأراضي المقدّسة، تعاملوا معه على أنه جيشٌ «كافر» و»مرتزق» يجرى استخدامه، هكذا بهذه الحيلة تم تقبّل فكرته، لكن ماذا عن «الحر» هل سيتم دمغه بهذه الصفة كي يحتمله «المطاوعون»؟ أم أن الأمر لم يمر في عقل أصحاب الفكرة تحت منطق أن «الحر» سيتدرب في مناطقه بعيداً من أي تداخل «مدني» من أي نوع؟ أو أنه تنظيمٌ مسلحٌ «مسلم» مقبول ويمكن احتماله؟ هل ستنطلي هذه الصبغة على وهابيي السلطة أم أنهم سيعرفون خلبيتها سريعاً؟
وفي انتظار ذلك؛ تبدو مملكة عبدالله السعودي مترنحةً للغاية أمام خيارٍ مرٍ بطعم العلقم، فهي فعلاً لا تريده، وحليفها الأميركي ليس هو الضاغط الوحيد لحدوثه بل هو «داعش» الذي تخشاه المملكة لأنه أولاً وآخراً: الابن المجنون «العاق» الذي لم تعد الأم قادرةً على تقييده!
* كاتب فلسطيني