منذ أنْ خرج تصريح «بلفور» إلى العلن كصيغة حسيّة ماديّة مطلع القرن الماضي، بدا وقتذاك أنّ منطق الأحداث والمطامع يشيران إلى عملية أكبر من مجرد احتلال فلسطين، وإنما عملية توحي كل تفاصيلها بأنها محاولة لترتيب أوضاع المنطقة على خيارات محددة. ومعنى ذلك، أنّ مشروعاً كبيراً حقيقياً بدأ يتمأسس في قلب الأمة ويتحرك على خط رسم خريطة تنكّب على ترتيب النواحي الديمغرافية والثقافية والجيوسياسية والاستراتيجية بطريقة تضمن مصالح الدول الاستعمارية الغربية في حرز مصون لعشرات السنين المقبلة.

اليوم وبعد مضي قرن على الخريطة السابقة التي سُميت باسم آبائها المؤسسيين، مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، تتجه الدول الغربية الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية لابتداع واقع صراعي تناحري تقوم عليه الخريطة الجديدة وتهدف من ورائها إلى إبطال مفعول أقوى الأوراق في يد العرب. أي النفط، المقاومة، الفسيفساء الدينية والعرقية والاجتماعية المتشابكة التي تحول دون بروز «إسرائيل» أخرى بأبعادها العنصرية والإرهابية والتوسعية. الحق، إنّ الأوضاع الميدانية التي أثارت قضايا وأزمات وحوادث لم تكن تخطر على بال، وحرّكت أطرافاً في أكثر من اتجاه، وأسئلة واحتمالات نرى وجهها الداكن والضاغط أمامنا، يتناسب تماماً والتطور العام لديناميات الفكر السياسي في أوروبا وأميركا التي يجب إدراك مفارفاتها الحادة بين كونها مصدراً للعقلانية والإنسانوية الكونية من جهة، وكونها مصدراً للأعمال العنفية والفظائع التي استهدفت مناطق واسعة من العالم من جهة ثانية. ولهذه النقطة بالذات كلام طويل يسيل له الحبر ولكن ليس هنا محل بيانه.
فباسم المسيح مرة، وباسم الرأسمالية الكلاسيكية أو المعدّلة ثانية، وباسم الديمقراطية ثالثة، وباسم إنقاذ عرب الجزيرة من دكتاتور يريد الاستيلاء والهيمنة على دول الخليج رابعة، وباسم محاربة الإرهاب خامسة... الخ، تبلغ منطقتنا التراقي على هدي نظرية «الهمجية الطيبة»، التي تعمل على الخط الفاصل الدقيق، بين سياسات تحفيز الخطوات العنفية وسياسات توليد العلاقات الإنسانية الإيجابية. أو كما يعبّر كيسنجر في أحد كتبه: «لا بد أن نكون قادرين على النظر إلى السلام من خلال دخان الحرب ونارها». لكن السلام ليست مائدة مستطيلة، والحرية ليست مؤتمراً، والديمقراطية ليست حلفاً، والعدالة حتماً لا تبدأ بــ«دراما» محاربة الإرهاب التي تعصف عصفاً بالأوطان وتحيلها إلى خرائب.

السلام ليست مائدة
مستطيلة والحرية ليست مؤتمراً والديمقراطية ليست حلفاً

وها نحن، كنا وما زلنا، أمام سلسلة طويلة من تطلعات الهيمنة، وغريزة التوسع، والتبشير بإله القوة المادية، التي كانت على الدوام تعطي لهذه الدول مبررات تخريب وتدمير فضاءات الذهن والثقافة والعيش والعلاقات والدين، بل وعلى تجريد الكائن الإنساني في بلادنا من ذاتيته وجذوره الأخلاقية الفطرية. بالنسبة إلى هذه الدول مصادر الطاقة أولوية مطلقة، تستشعر أهميتها القصوى لتأمين حاجاتها من الاقتصاد الدافئ والقوة الساخنة. وإسرائيل أولوية أخرى لتأمين خطوط هيمنتها وتوسعها في المنطقة. والتقسيم أولوية ثالثة للانقضاض على حضارة مشرقنا وما تختزنه من هويات ثقافية وروحانيات إيمانية وسلوكيات إنسانوية، وبالتوازي مع هذه الأولوية يأتي هدف ملّح أعلنته الولايات المتحدة فور تفكك الاتحاد السوفياتي وانتهاء ما يعرف بالحرب الباردة مع المعسكر الاشتراكي، وهو تحرير العالم من رهاب الإسلام عن طريق الإسلام نفسه، أي بإيديولوجيات وعقائديات من داخل الدين الإسلامي المرتكزة أصلاً على أسس مذهبية وأسطورية وعصبية تثير الاضطراب والتشاحن وتستحضر المناخات الاحترابية التي كانت قائمة في الماضي بين المسلمين. فكلما اشتد وطيس التناقضات بين الحركات الفكرية والجهادية الإسلامية من جهة والمشاعر الوطنية النقيضة من جهة أخرى، بالتزامن مع توترات وفتن وقلاقل لها طابع ديني أو اجتماعي أو سياسي، كلما لقي الإسلام صدوداً، واتجه المسلمون أكثر إلى التبعثر والتخلف. بمعنى آخر، إنّ التناقض الذي يدور على مساحة العالمين العربي والإسلامي هو أساس تراجع الإسلام كقوة إيديولوجية والمسلمين كقوة حضارية، وإنّ النزاعات الدائرة في سوريا والعراق على وجه الخصوص لها مطلب استراتيجي آخر ينمو باضطراد، هو منع الدول التالية، روسيا، إيران، والصين من الحصول على ميزات في هذه المنطقة ودفعها للتراجع إلى ما قبل حافة الهاوية.
إنّه مثلما كانت اللحظة التي أُنشئ فيها الكيان الصهيوني عاصفة بالتحولات والتفاعلات، وصادمة في عالم الحقائق العلمية والسياسية، مثلما هي اللحظة الحالية مع دولة الخلافة. ومثلما كانت «إسرائيل» تهديداً موجّهاً إلى قلب العالم العربي، فإنّ «داعش» هو تهديد موجّه إلى قلب العالم الإسلامي. الكيانان مؤهلان لتحقيق الأهداف التي قررتها زعيمة الحلف الجديد، الولايات المتحدة الأميركية، لنفسها. إسرائيل عن طريق النووي والتفوق التكنولوجي والعسكري، و«داعش» عبر التكفير والذبح. ومثلما كانت «إسرائيل» حاجة وظيفية للغرب «الهمجي» و«الطيب»، «داعش» هي كذلك. مع فارق أنّ دولة الخلافة يمكن التخلص منها ساعة ينتهي مفعولها ودورها المرصود لها، لأنها دولة صفقة، وإيجادها أشبه ما يكون بعملية «تبديل عملات»، عملة قديمة بعملة جديدة، أي نظام بائد بخلافة على طريق الزوال، بينما دولة «الكيان» خُلقت لتبقى لارتباطها العضوي مع الرأسمالية العالمية.
لقد تغيّر شكل اللعبة وتغيرت قواعدها وأصبح ميدان الصراع أكثر ازدحاماً وتعقيداً. حلف «جدّة» لم يحدث محبة بدول الخليج أو السعوية تحديداً التي هالها ما يجري حولها، ولكن حساباً لموازين أخرى على ساحة الصراعات الدولية. ذلك أنّ أميركا تؤمن إيماناً مطلقاً بقاعدة: «من لا يتقدم هو في الحقيقة يتراجع»!
«داعش» حالة مناسبة جداً لأميركا، وفرصة تاريخية واستراتيجية مؤاتية تؤمّن لها هذا التقدم، أما «داعش» فستكون ضحية «واضع السيناريو» الذي وحده مَن يحدد نهاية الوحوش والأشرار، وسوف يجد الداعشيون سريعاً أنّه «لا ينفع حذر من قدر»!
* كاتب وأستاذ جامعي