بعيداً عن الموقف من ايران، الذي يتراوح عند العرب اليوم بين التماهي المطلق والاصرار على حربٍ وجودية مع امّة من ثمانين مليونا، أكثر ما يلفت النظر هو الغياب المقصود للحقائق والمنطق في هذا النقاش. على سبيل المثال، هناك مفارقة ساطعة في التأييد غير المشروط الذي نالته «الحركة الخضراء» ومختلف صنوف المعارضة الايرانية من كارهي «نظام ولاية الفقيه» العرب، مع كون المعارضين الايرانيين الجذريين يقاربون الصورة النمطية عن الفارسي «المجوسي» المعادي للعرب والاسلام، أكثر بكثير من الحكومة.


بدايةً، يجدر إيضاح أنّ «الحركة الخضراء»، في خطابها الرسمي، لم تحاول التشكيك في شرعية «الولي الفقيه» أو النظام الدستوري الذي أرسته الثورة، بل كانت تعتبر نفسها تحت مظلتهما، وكان احتجاجها منصبّاً على نقطة محددة: انتخابات عام 2009 الرئاسية والولاية الثانية لأحمدي نجاد. امّا الايرانيون الذين يعارضون النظام من أساسه وجلّهم في الخارج، فإنّ خطابهم السياسي يقوم على القومية الفارسية، ويحتقر العرب، ويعتبر دخول الاسلام الى ايران مذلّة أدّت الى تعريب الحضارة الساسانية؛ ثم يزيدون أنّ ايران تُحكم، منذ الثورة، عبر مجموعةٍ من «العرب» (أي المتحدرين من البيت النبوي)، الذين يسوقون مؤامرة لطمس التراث الزرادشتي و«الآري» للأمّة. هل هذه هي ايران التي تحبّون؟
المثير في الموضوع هو أنّ الاتهامات أعلاه ليست واهية بالكامل. بل إنّ ايران بالفعل لن تتمكّن يوماً من الارتكاز على نظرية قوميّة بحتة، أو تحويل العنصرية الاجتماعية ضدّ العرب الى ايديولوجيا، الّا اذا اعتمد الحكم علمانية متطرّفة. فليس بامكانك أن ترى العرب متخلّفين وأعداء بينما كلّ رموزك وائمتك عرب.
امّا النقاش حول الانتخابات الرئاسية عام 2009، فإنّ مجرّد استمراره دليلٌ على سيادة البروباغاندا في أيّ موضوع يتعلّق بجيراننا؛ ليس بمعنى انّه لم يثبت تزوير الانتخابات، بل بمعنى أنّ ادعاءات التزوير ثبت بطلانها، وقد أجرى «المعهد الدولي للسلام» استطلاعاً للرأي عام 2010 كانت خلاصته الحاسمة أن اتجاهات الرأي العام تتطابق مع نتيجة الاقتراع.
بالمعنى نفسه، لا ضرورة لمن يتكلّم بثقة عن «نظام الولي الفقيه» أن يعرف انّ اختياره يتمّ عبر مؤسسة منتخبة شعبياً، مجلس الخبراء، وانها، لا شخص المرشد، تمثّل أعلى سلطة دستورية في البلاد؛ فهي تعيّنه، وتراقب عمله، وتقدر على عزله. المشكلة هنا ليست في الموقف السياسي، بل في إعلام مهيمن يريد أن يربّينا على ثقافةٍ كاملة من النسيان والجهل.