أما وقد خفّ صوت طبول المعركة وانتهت الاحتفالات بالنصر، وصار الاستماع لصوت العقل ممكناً، أجد من الأهمية بمكان تحديد ما هو النصر بعيداً من الشعارات الطنانة الرنانة، وبعيداً من الاستغلال السياسي الرخيص لتسجيل نقاط لصالح هذا الفريق الفلسطيني أو ذاك. وهذه المقالة محاولة لأخذ العبرة من جهة وللفت النظر الى ضرورة توضيح مفهوم النصر من جهة أخرى.
الرسم البياني للإنجازات الفلسطينية على الصعيد السياسي يشير إلى انحدار متواصل مع بعض الاستثناءات.

كان الهدف تحرير فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني، ثم انحدرنا نحو الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع كهدف مرحلي، الذي تحوّل ليصبح هدفاً نهائياً و«الثابت الوطني» الرئيس. وبعد «أوسلو» صارت شبه الدولة شبه المستقلة هي الهدف. أما اليوم فكل شيء يخصّ الفلسطيني قابل للتفاوض وإعادة التفاوض، وقد أصبحنا بدون هدفٍ رئيسي واضح مكتفين بأهداف جزئية لا تتعدّى تلبية الاحتياجات الحياتية الرئيسية وهذا ما شهدناه في الجولة الأخيرة بطلب فتح المعابر. ولو كانت هناك انتصارات فعلية لانعكست في إنجاز سياسي ولما شهدنا تراجعاً تلو الآخر. ومع ذلك كانت شارة النصر تُرفع في كل هذه المحطّات. ولا نُغالي إن قلنا أن ظاهرة تغليف «الهزيمة» بالنصر باتت عادةً أدمنت عليها التنظيمات الفلسطينية، قديمها وجديدها.
رفعنا شارات النصر عند الخروج من بيروت على الرغم من أننا كنّا ذاهبين نحو الهاوية، ونفخر بانتفاضة الحجارة ونعتبرها نصراً في مسيرة النضال الفلسطيني مع أن القيادة الفلسطينية توّجتها باتفاق أوسلو الذي لم يعد يحظى برضى حتى معظم الذين كانوا متحمّسين له، هذا عدا أن غالبية الشعب الفلسطيني كانت رافضة له. لقد ابدع شعبنا في الانتفاضة، وبخاصة الأطفال الذين استحقوا بجدارة تسميتها باسمهم، أما القيادة، وعكس ما كان يطمح إليه الشعب فقد قامت بتوقيع اتفاق أوسلو الذي أُعدّ له في الخفاء، فصنعت من التضحيات العظيمة هزيمة نكراء.
وتكرّرت التجربة في انتفاضة الأقصى التي كان من نتائجها خطة تينيت وخريطة الطريق وما تلا ذلك من جدار عازل وطرق التفافية، وزيادة خيالية في الاستيطان، وتعميق التنسيق الأمني بين السلطة وقوات الاحتلال... ومع ذلك فهي بنظر التنظيمات نصرٌ لا شكّ فيه.

اليوم كل شيء
يخصّ الفلسطيني قابل للتفاوض وإعادة التفاوض

«الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى»، والهدف السياسي هو المُبتغى من أية عملية نضالية/ حرب، والنتائج السياسية هي مقياس النجاح أو الفشل. لنعد الى العدوان الصهيوني الأخير على غزة الذي للغرابة احتفلت حماس بنهايته وأقامت مسيرات ومهرجانات «النصر الكبير». فهل حقاً انتصر الشعب الفلسطيني؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة الى ما قبل عملية «العصف المأكول».
تقول حماس إنها مناهضة لاتفاقية أوسلو وأن خيارها يتعارض كليّاً مع نهج المفاوضات الذي سلكته القيادة الفلسطينية. لهذا فإن أهداف المقاومة تقع، بالضرورة، خارج منظومة أوسلو. لكن حماس سرعان ما خرجت عن الخط الذي رسمته لنفسها عندما أقدمت على المشاركة الرسمية في الانتخابات التشريعية بهدف الوصول الى السلطة. وبعد وصولها الى السلطة سعت لأن تحكم فعليّاً، وهذا حقٌ لها بناءً على الاسس الديمقراطية، لكن هل يتوافق هذا مع أسس المقاومة؟
السلطة وليدة أوسلو وركائزها مستمدة من مبادئ التسوية التي عُقدَت بين القيادة الفلسطينية وإسرائيل، وهي فاقدة للاستقلالية أمس واليوم وغداً. يكفي أن نذكر أن رواتب موظفي السلطة مموّلة من الخارج (الاتحاد الأوروبي)، بالإضافة الى أن جزءاً مهماً من الضرائب التي تُجبى لصالح السلطة هي بيد إسرائيل. ما تقدّم يشير بوضوح إلى أن تغيير وظيفة هذه السلطة من داخلها مستحيل. وما يزيد المستحيل استحالة أن الظروف المحيطة، وبخاصة التزام مصر والأردن باتفاقيات مع إسرائيل، غير مناسبة لبناء اقتصاد وسياسية تتوافر فيهما شروط الحد الأدنى للاستقلالية. أما التذرُّع «بتآمر» فتح وبعض الأنظمة العربية والأجنبية فما هو إلا عذرٌ أقبح من ذنب.
هل كانت حماس تتوقّع أن تُسلّم لها فتح السلطة بكل رحابة صدر علماً أن الجميع يعرفون أن فتح لا تقبل إلا أن تكون في الصدارة ولقد أجادت لعبة السلطة والمال؟ وهل كانت تراهن على أن الأنظمة العربية ستسارع لاقتطاع جزء من دخلها القومي لدعم السلطة «المقاومة»؟ وهل كانت كانت تحلم بأن يستمر الاتحاد الأوروبي بتمويل سلطتها؟ هذا هو المستحيل بعينه، وإذا كانت حماس ترى غير ذلك فهذا دليل على أنها لم تبلغ بعد النضج السياسي وبالتالي غير مؤهلة بعد لقيادة الشعب الفلسطيني.
أين النصر في إتفاقية وقف إطلاق النار التي لم تنص سوى على بعض ما أقرّته إتفاقيّات أوسلو المنبوذة من غالبية الشعب الفلسطيني وبالذات قواه «المقاومة»؟ قد يُقال، ألا يستحق فتح بعض المعابر وتأمين سبل عيش أهلنا في غزة النضال والتضحيات؟ بلا، يستحق الأمر وأكثر، شرط أن يتم ذلك بانتزاع هذا الحق من العدو وفرضه واقعاً وليس تطبيقاً لإتفاقية تعارضُها.
هذا من ناحية، اما من ناحية أخرى تتعلق بالثمن، هل يستحق فتح المعبر أن ندفع أكثر من ألفين شهيد وأكثر من 10 آلاف جريح وعشرات ألوف البيوت والمباني السكنية وغير السكنية، علماً أن الضمانات الحقيقية لالتزام الطرف الإسرائيلي بالاتفاقيات غير متوافرة أصلاً وقد تعيد تكرار عدوانها في أي فرصة أخرى؟ وكم سيكّلفنا فتح الميناء أو المطار في المعركة المقبلة؟
هُيِّئ لمن سمع خطاب مشعل في مهرجان «النصر» أن التحرير قاب قوسين أو أدنى، وأن هذا النصر قد جَبَّ ما قبله من «انتصارات». نعم، لقد ابلى ثوارنا، على اختلاف انتماءاتهم، بلاءً حسناً، ولقد انتصروا. انتصروا لأنهم أعطوا كلَّ ما كان يُنتظرَ منهم فصمدوا، وأبدوا تطوّراً نوعيّاً في قدراتهم وتكتيكاتهم القتالية، وقاموا بعمليات فاجأت العدو واربكته، وكانوا على استعداد لمزيد. أما القيادة فكانت حساباتها مختلفة. قيادة السلطة كانت لا ترغب في اي نصر لأن المفاوضات خيارها الاستراتيجي ولأنها لا تريد أن يتم هذا على يد منافسها الوطني. أما قيادة المقاومة فيبدو أنها كانت تبحث عن «نصر وهمي» تغطي فيه فشلها في مواءمة السلطة والمقاومة، فذهب ما يمكن أن يكون نصراً، أو مقدمة له، أدراج الرياح. وتبرهن اليوم حماس ما برهنته فتح سابقاً أن التنظيمات الفلسطينية القائمة ليست بمستوى طموحات الشعب الفلسطيني الذي يُصِرُّ على متابعة نضاله من أجل النصر الحقيقي.
* كاتب وباحث فلسطيني