انتهت سنة 2015 بالمغرب نهايتين: الأولى مأسوية، والثانية كوميدية. المأساة نراها في ردّ وزيرتين في الحكومة الحالية، قالت الأولى إن ما يتقاضاه البرلمانيون إذا تقاعدوا هو فرنكان فقط (يتقاضى البرلماني ساعة تقاعده 8000 درهم أي نحو 800 دولار أميركي)، والفرنك في الذاكرة المغربية لا قيمة له، والأخرى ادعت أنها تشتغل مدة اثنتين وعشرين ساعة بالتمام والكمال، وفي هذا مبالغة. أما الكوميدية، فهي أن يجد المواطن المغربي موضوعين للتندر والتفكه والسخرية، يعجنهما ويخبزهما ثم يطهوهما على صفيح ساخن. السخرية صارت ملاذاً وخلاصاً مما يُحدثه الواقع من أزمات.
قراءة المشهد السياسي المغربي تكشف عن تخاذل المكون السياسي بالمفهوم الحزبي. فإذا كانت الأحزاب الوطنية وهي تتقاسم السلطة في الحكومة والبرلمان قد تبادلت الأدوار في ما بينها في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته وثمانينياته، فإن المكونات الأخرى التي اتخذت العلمانية أو الدين مبدأً لممارسة النقد والتحليل والحكم في نهاية الأمر لم تستطع أن تجد بديلاً من مفهوم المعارضة الموروث. المعارضة بالمفهوم السياسي الذي يسعى إلى الإسهام في تثبيت دعائم السلم الاجتماعي، لا تعني في أغلب الأحيان إلا أن نعارض من يحكم. فالأحزاب اليمينية وهي متنوعة ومختلفة الاتجاهات، وإن كانت دائماً تصدر عن تصور بورجوازي، أو تصور لطبقة اجتماعية جديدة بمفهوم جديد لممارسة العمل، ونحن هنا نتحدث عن فئات مختلفة ولكنها تشكل أحزاباً عديدة لا تؤسس إلا منطلقاً واحداً؛ هي أحزاب تمثل رجال أعمال ومحامين وأطباء ومثقفين من النخبة الذين عارضوا النظام ولكنهم دخلوا بطريقة من الطرق بيت السلطة فصاروا من أشدّ المدافعين عنه في محافل حقوق الإنسان بخاصة، وبعض رجال السلطة الذين يحشرون أنفسهم في السياسة لخلق توازن في الرؤى والتصورات المستقبلية للبلاد وفق أجندات. أما الأحزاب اليسارية أو المحسوبة على اليسار فهي لم تصل بعد إلى أن تشكل ثقلاً في المجتمع، لعوامل كثيرة، هي في الحقيقة متشابكة ومعقدة جداً. وقد نستثني هنا حزب الاتحاد الاشتراكي الذي طلب منه أن يشكل الحكومة مع تداول مفهوم التناوب على السلطة نهاية تسعينيات القرن الماضي، ولكن بدا في تركيبته الدلالية أنه لا يختلف عن أي حزب دخل مجالي السلطة التنفيذية والتشريعية. والحزب الأخير المدعو بالعدالة والتنمية الذي يمارس مهماته اليوم بحكم أنه حصل على الأغلبية لا يكاد يختلف عمّا سبقه، وإن كان مغلفّاً بالدلالة الدينية. يبدو لمعشر سكّان المواقع الاجتماعية مجرد دمية تحركها أيادٍ خفية. استطاع أن يتجاسر على البث في ملفات ساخنة، كسن التقاعد ورفع الدعم عن المواد الأساسية، والزيادة في الأسعار، والمراوغة السياسية، والتلاعب بالألفاظ، وقد يصل الأمر حد التلفظ بكلام ناب.
لا نسعى إلى تحليل الوضع السياسي في المغرب، بل نسعى إلى الكشف عن اهتمام شعبي واسع (لتوافر تكنولوجيا الفيسبوك وتويتر...) بحزب معارضة لا يتطلب انخراطا حزبياً، ولا حضور ندوات سياسية تعبوية، ولا مشاركة في انتخابات. الأمر هنا يتعلق بحزب افتراضي، معنوي، متخيل، ولكنه يقرع أبواب الواقع وقد يحدث فيه شرخاً أو ثقباً إن شئنا. حزب السخرية هو الحزب المعارض الوحيد الذي لا يزال يترك بواباته مشرعة ليلاً ونهاراً.

السخرية صارت ملاذاً
وخلاصاً ممّا يُحدثه
الواقع من أزمات
لا يغلقها كما تفعل الأحزاب الواقعية عندما تخمد نار التنافس في الانتخابات، بل إنه يجعلك تسرق وتأكل من خيراته وقد تبكي وأنت تضحك، ساعياً إلى فهم أوضاع بطريقة مقلوبة، مستهترة، تجعل منك السيد ورجل الغد والمؤثر (على الأقل، هذا ما تتوهمه) والزعيم. وقد تمرض أو تدعي أنك مريض فتنهال عليك أدعية الشفاء، وقد تصير فيه شاعراً أو قاصّاً أو ناقداً. عالم بشري يحيا بالإعجاب والتمنيات والمجاملات، ولكنه قاسٍ قد يفقد صوابه فيوجه الطعنات لمن لا يحكم بالعدل والقسطاس. المعارضة المتخيلة من خلال السخرية صارت تؤسس واقعاً سياسياً وثقافياً بامتياز، ونحن هنا لا ننكر الدور الذي يمثله هذا الحزب في الأوساط الشعبية. فهل كان مصادفة أن تقع زلتا لسان في الشهر عينه؟ وهو شهر ديسمبر/ كانون الأول الذي نتمثل فيه انتقالاً زمنياً من مرحلة إلى أخرى، وتقويماً سنوياً جديداً يمتلك كل مقومات القداسة المادية والروحية. الخطأ أو الزلة أو انكشاف المستور في اللاوعي هي أن تتمثل وزيرتان في الحكومة المغربية تصوراً باعثاً على التأمل والضحك في الوقت ذاته. بالنسبة إلى التأمل، فأن تعتبر الأولى أن ما مقداره ثمانية آلاف درهم لا يساوي إلا فرنكين، وهذا في الواقع مدعاة للتأمل في نظرة طبقة من رجال السلطة إلى المحكوم. فإن كان الفرنك بالعملة الجديدة في تصور الوزيرة يعادل ما مقداره أربعة آلاف درهم، فهذا يعني أن سلوكاً جديداً صار متواتراً في الحياة لا يجيده إلا علية القوم، وقد ينصرف هذا التصور على باقي مكونات المجتمع، من أفراد ومؤسسات وبنى فكرية. وهو مثير للضحك بحكم أنه أثار بالفعل موجة من السخرية المرة في مواقع التواصل الاجتماعية بخاصة، فهي الوسيلة المتوافرة الأقرب للتعبير عن الهموم الواقعية. هذه السخرية تركت انطباعاً في النفس تفيد بأنها صارت تشكل حزب المعارضة الحق الذي يعارض وينتقد ويقدم الحلول. والزلة الأخرى التي صادفت اشتداد اختراع أشكال من السخرية، من خلال اللغة أو الفيديوات أو التعليقات، ودمج الصور بعضها ببعض لتكوين مادة عينية مضحكة، هي الصادرة عن الوزيرة الأخرى (ولا شك أن هذه الزلات لن تقف عند هذا الحد) التي ادعت أنها تشتغل مدة اثنين وعشرين ساعة بالتمام والكمال.
هل كان مصادفة أن يتجاور عددان؟ يكون منفرداً ثم مكرراً، وفي الإفراد والتكرار تحضر المفاجأة ، فتكون بمثابة شر البلية ما يضحك. يكون الضحك في الواقع على مفهومين يشكلان ثقافة الحديث اليومي للعامة والخاصة على حد سواء. هذا يجرنا لاستلهام مفهومي الوحدة والتعدد أو الاختلاف. لم يأت هذا الضحك على الذقون (بتعبير ثقافة التواصل الاجتماعي). بالنسبة إلى العامة ونخبة المجتمع من المثقفين والكتّاب الذين أسالوا المداد ليحللوا ظاهرة الوحدة والاختلاف من خلال زلتي لسانين يتحدثان عن نخبة خاصة تنظر للديموقراطية الجديدة في عالم المال والأعمال؛ في مجال السلطة البرلمانية التي صارت عبئاً على الدولة، بحكم أنها تستهلك قدراً لا يستهان به من الأموال. التفكه بالطرق التكنولوجية حل محل ورق الجرائد التي مثلت في ما مضى مفهوم المعارضة، بل إنه تفوق عليه لأنه صار يمتلك وسائل جديدة مُبهِرة وصادمة، قد لا تخطر على البال؛ من مثل الفوتوشوب، والكاريكاتور الحاسوبي، والدبلجة ودمج الصورة بأخرى، واستبدال الحقيقي بالمزيف، حتى إن هناك من تداول فيلما قصيرا كَلَّمَ فيه برلمانياً بكلام ساقط ذكرنا بالكلام البذيء الذي ينتشر غالباً في الأحياء الشعبية. الورق لم يعد قادراً على التأثير في الواقع الاجتماعي، إذا نظرنا إلى تراجع مؤشر نسبة القراءة. مع العلم أن المقاهي استحدثت طريقة جديدة لجلب الزبائن من خلال تداول تصفح الجرائد. هذا التطور في وسائل التعبير استطاع أن يكون صوت من لا صوت له، وأن يكون بيت من لا بيت له، وأن يكون حزب من لا حزب له. فهل نستطيع القول دون مجاملات سياسية أو ثقافية إن مواقع التواصل الاجتماعي صارت تمثل الحزب الذي حلمت به الملايين من المقهورين عبر التاريخ؟ وهل تكون السخرية هي الحزب المعارض الوحيد الذي لو اجتمعت الأحزاب كلها لما حصلت على العدد الهائل لمنخرطيه؟
* كاتب مغربي