يتزايد الحديث اليوم عن قضايا دولية بدت وكأنها في بداية القرن الواحد والعشرين من المسائل التي باتت منسية. فاليوم يشهد العالم تطورات وتغيّرات على صعيد العلاقات الدولية ببروز عناوين جديدة تدعو الى الفوضى العالمية. أما العنوان المضاد فهو كيفية وقف العنف ومقاومة صعود التيارات الإرهابية التكفيرية. المغرب العربي يشهد بدوره على ساحاته رذاذات هذا الصف الإرهابي في عدد من الدول التي تشكله. ومن المسائل المهمة التي هي إحدى عناصر النزاع في تلك المنطقة التي يستفيد منها الإرهاب ويتّكأ عليها، مسألة تمدده في المناطق الصحراوية، وهذا ما دفع بفرنسا بأن تتدخل عسكريّاً في شمال مالي. أمام هذه الظاهرة المستجدة ومنعاً لخلط الاوراق لا بد من إلقاء الضوء على قضية تحتل حيّزاً مهماً من النضال المسلح المشروع.

إن مسألة النزاع حول الصحراء الغربية عادت الى الواجهة من جديد بعد أربعين عاماً، حين وقّعت السلطات الإسبانية على التخلّي عن مسؤولياتها الاستعمارية تجاه تلك المنطقة، تاركة للمملكة المغربية وموريتانيا لعب دور كانت تقوم به مدريد، تجاه الصحراء الغربية وشعبها ما منح الأولى إمكانية أن تكون شريكة لإسبانيا في الاحتلال ومحاولات التصفية الجسدية والإبادة الجماعية لهذا الشعب الصامد.

مسألة الصحراء الغربية
عادت الى الواجهة من جديد
بعد أربعين عاماً

هذا المسعى المغربي، كما المشاركة، شكّلا جرحاً مفتوحاً للدولة الإسبانية، حان وقت التئامه، لتزيح عن كاهل الشعب الإسباني عبء اتفاقية التخلي المشؤومة التي وقعتها عام 1975 وإلغائها، استكمالاً لواجبها القانوني والأخلاقي بتنظيم استفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي.

في السياق ذاته، بدأت المسألة الصحراوية تطل من جديد، بعدما قررت محكمة العدل الدولية في 11 كانون الأول 2015، بإلغاء إتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية نتيجة دعوى أقامتها الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) في شأن هذا الاتفاق الذي قد يشمل منتجات زراعية من أراضي الصحراء الغربية، وذلك بسبب الوضع "غير القانوني" لهذه المنطقة المتنازع عليها.
هنا لا بد من العودة الى تاريخ النزاع المسلح الذي نشب بين المغرب وجبهة البولساريو التي ذهب ضحيته أناس أبرياء من هذا الشعب الصحراوي، حيث استعملت المملكة المغربية طائراتها وأسلحة ممنوعة في القانون الدولي. ان العقود الأربعة التي خاضت فيها البوليساريو بدعم من عدد من الدول الأفريقية وعلى رأسها الجزائر، كفاحها من أجل تحرير كامل التراب الصحراوي العربي الذي يبلغ مساحته 266000 كيلومتر مربع، أسفرت عن وقف لإطلاق النار بين الطرفين المتنازعين وإعلان هدنة بقرار من الأمم المتحدة، حيث نشرت قوة مراقبة لها.
في زمن اختلطت فيه الأوراق الجيوسياسية ببروز العناوين التي ذكرناها وصعود ملف الإرهاب والحركات العناوين التي ذكرناها وصعود ملف الإرهاب والحركات الإسلامية المتطرفة، بما يتضمن من حروب ونزاعات، لا سيما ما حصل في تونس ومصر وليبيا ومحاولة انفصال شمال مالي، بدأت الأمم المتحدة لمحاولة طرح الحلول بين الأطراف اللاعبة على الساحات المغاربية، ففي عام 2015 قدم المبعوث الشخصي للأمين العام في مسألة الصحراء الغربية كريستوفر فرروس تقريره الى مجلس الأمن، أقرّ فيه بفشله في حل النزاع وتقريب وجهات النظر حوله، محملاً المغرب مسؤولية هذا الفشل عبر رفضه لاستئناف المفاوضات المباشرة، واكتفائه بمعالجة تفاصيل الحكم الذاتي، هذا في حين أصرّت جبهة البوليساريو على ضرورة إجراء استفتاء لتقرير المصير وإلا فإن الأمور ستعود الى نقطة البداية وإمكانية القتال من جديد.

إن هذه العوامل الجديدة من الناحية الجيو-استراتيجية في الصراع القائم وبعد بروز تداعيات قوة الحركات الإسلامية المتطرفة والإرهاب الذي بدأ يشكل خطراً حقيقيّاً على الأمن الأوروبي، أصبح يفرض على المجتمع الدولي إيجاد حل يضمن للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير وتصفية المسألة العالقة من القرن العشرين العائدة لمرحلة إنهاء الاستعمار. إن الاستقرار الحقيقي والدائم، مع صعود هذه العوامل المستجدة، يقوم على احترام القانون الدولي والديمقراطية وحقوق الإنسان لاستعادة الشعب الصحراوي حقه بتقرير مصيره، ذلك هو السبيل الوحيد لإقرار السلام العادل بين أبناء المنطقة، لما قد يفتح الباب لإيجاد اتحاد مغاربي عربي تتعاون جميع هذه الدول فيه لصد هجمات القوى الإرهابية والتطرف الديني وتأمين تطور اجتماعي واقتصادي منشود مع حل دائم للنزاعات الحدودية بين الجزائر والمغرب.
يبقى القول إن جهود الأمم المتحدة لا تزال تواجه طريقاً مسدوداً، كما أن عدم قيام مجلس الأمن بدراسة الواقع الجديد في المنطقة، يتضارب هذا الأمر الاستراتيجيات الخاصة بالدول الكبرى، بما يضر بمصالح الشعوب الصغيرة التي تحاول حماية حقوقها وثرواتها الطبيعية من مطامع أهلها وأشقائها؛ كل ذلك يؤشر الى الدعوة لبت الأمور بسرعة.
وإقرار الحقوق المشروعة وفي مقدمها قضية الشعب الصحراوي. علماً أن حكومة هذا الشعب كانت في عداد مؤسسي الاتحاد الأفريقي وهناك أكثر من 86 دولة اعترفت بها عالمياً في إطار الأمم المتحدة. وما على هذه المنظمة الدولية إلا أن تتحمل مسؤولياتها بإنهاء حالة آخر تصفية استعمار ووصاية في أفريقيا.

* أمين سر اللجنة اللبنانية للتضامن مع الشعب الصحراوي