في زمن الفتنة المذهبية، يرجّع العديد من الناس أصل المذاهب وصراعاتها الى أحداث الاسلام الأوّل، كالتنافس على خلافة الرسول، وحرب علي ومعاوية، ومقتل الحسين. هذا الخطأ الشائع يرتكبه احياناً باحثون ومختصون، كوالي نصر وغيره؛ وهو ليس خطأً بريئاً، بل انّه يستنسخ خطاباً يرمي الى «تشريع» المذهبية عبر اخراجها من تاريخيتها، وتقديمها على انّها من أصل الاسلام، كأنها نشأت مع نشوئه.


في بحثٍ رائع عن «الظاهرة الطائفية» كتبه هادي العلوي مع علاء اللامي (نُشر عام 1996)، يذكّرنا الكاتبان بأنّنا لو نظرنا الى العالم الاسلامي في مطلع القرن الرابع الهجري، لوجدنا أن الغالبية الساحقة من الناس لم يكونوا سنّة ولا شيعة. من تونس الى مصر الى الشام، كانت أهواء المسلمين تتوزع بين مشايخ الصوفية ومدارس الكلام والباطنية وغيرها، اضافة الى قسم كبير من المؤمنين لم يعتبر اصلاً انّه بحاجة الى اتباع مذهب أو مدرسة حتى يكون مسلماً.
التسنن والتشيّع، بمعنى الطائفة التي تنطوي على تقليد فقهي خاص وممارسة شعائر تميز أتباعها، تشكّلا في حقبة تاريخية معروفة ومحددة، القرن الرابع الهجري، وفي اطار جغرافي محدد ايضاً، هو بغداد العباسية ـــ وذلك بعد قرونٍ على أحداث الخلافة وحروب الصحابة وكربلاء. إنّ أوّل استعمالٍ لتعبير «السنّة»، بمعنى الطائفة الدينية والجماعة، جاء على لسان شاعر المتوكّل. واحياء شعائر كربلاء ضمن طقوس شعبية هو تقليد ابتدأ في العصر البويهي. ولم يسد المذهبان في العالم الاسلامي خارج العراق الا بعد أكثر من ثلاثة قرون على هذه المرحلة.
الرسالة التي أراد العلوي واللامي ايصالها لنا هي أن المذاهب ليست كلّ الاسلام، وأنّ فهم المسألة الطائفية يبدأ عبر وضع الطوائف في سياقها التاريخي، وأن نفهم انها قد تكوّنت في اطار دينامية وصراع فقهي واجتماعي وسياسي (لا بمعنى الظروف السياسية في مكة ايّام الرسول، بل السياسة في العصر العباسي الأول). المشكلة ليست في أن يُفهم الدين حصراً على انّه علم الحديث والمدارس المتفرّعة عنه، ولكن ان كانت غاية المتصارعين هي عزّة الاسلام، فإن لا شيء يحدّ دين محمّد أكثر من أن يختزل الاسلام في مذاهب، وأن تتحوّل المذاهب الى فرق، كلّ يرى نفسه ديناً.