كانت مفاجئة مشاركة الإمارات (مع مصر) في قصف العاصمة الليبية، طرابلس، سراً، في أغسطس (آب) الماضي، بحسب ما أعلنت حينها مصادر أميركية.
التدخل الإماراتي الفاقع في شؤون دولة أخرى، عسكرياً هذه المرة، وبدون ضوء أخضر من مجلس الأمن، وتدّعي واشنطن أنه فاجأها، يعكس نوع التورط الخليجي في الشأن العربي ومداه، على نحو ليس من السهل تفسيره.

ويعتقد بعض الخليجيين، العُمانيين على الأقل، أنّ الإمارات حين قرّرت الانخراط المتزايد في الشأن الإقليمي، فإنها اختارت مساراً خاطئاً، مليئاً بالأشواك، يزيد من الأضرار على المنطقة والإمارات، ويعد انحرافاً عن السياسة المسالمة التي تبناها زايد بن سلطان آل نهيان (1918 - 2004)، الرئيس المؤسس للدولة الاتحادية المكونة من سبع إمارات: أبو ظبي، دبي، الشارقة، رأس الخيمة، عجمان، أم القيوين والفجيرة.
لكن الإمارات ليست وحدها التي تبدو موغلة في قضايا المنطقة المتفجرة، وتكاد الدول الخليجية الصغيرة التي كانت وادعة ومنكفئة على ذاتها، تتصدر المشهد العربي، وقد تغوّلت بهدف فرض رؤى ماضوية، بطريقة بدائية ودموية، وليس فقط عبر الميديا والبترودولار، والتأثير «الناعم».
في هذا العصر، الذي يسميه البعض خليجياً، اختارت بعض الدول النفطية سياسات لا تمت للسلام بمكان، في داخل بلدانها في حالات كثيرة، وفي سياسياتها الإقليمية على نحو مشهود، للتعاطي مع المستجدات التي فرضها، وخصوصاً، «الربيع العربي»، لكن قبله أيضاً، خصوصاً في عراق ما بعد صدام حسين. وكأن «العصر الخليجي» المفترض ارتبط بدمار غير مسبوق طاول الدول العربية، إلى درجة تجعل المراقب يحسب وجود علاقة طرديّة بين حجم النفوذ الخليجي وحجم التدهور العربي.
وجاءت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جو بايدن عن مساهمة الإمارات والسعودية وتركيا (لم يذكر قطر!)، في تمويل التنظيمات المسلحة التي تدير حرباً طاحنة ضد الحكومتين المركزيتين في كل من بغداد ودمشق، كي لا تدع مجالاً للشك في مدى سفور السياسات الرعناء التي تورطت فيها الإمارات.
قبل سنوات خلت، وخصوصاً خلال عهد الراحل زايد بن سلطان، لم يكن ينظر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، إلا كإمارة هادئة، تركز على شؤونها الخاصة، ورفاه مواطنيها، وتقدم الدعم المالي للآخرين، وتفتح علاقات واسعة النطاق مع مختلف دول العالم، حتى مع الجارة إيران، التي تدّعي أبوظبي أنها تحتل جزراً إماراتية.

تعدّ الإمارات رابع
أكبر مستورد للأسلحة
في العالم

لكن بعد نحو عشر سنوات على رحيل زايد (أعلنت وفاته في 2004)، باتت الإمارات مختلفة عما سبق، وبدل أن يكون مضي أكثر من أربعة عقود على استقلالها (1971) مؤشراً على امتلاكها النضج والبصيرة، في إقليم تغيب عنه الحكمة، يبدو أن العدوى السعودية العنيفة انتقلت إلى الإمارات، في وقت تمنى فيه كثيرون أن تختار أبوظبي النموذج العُماني في رسم العلاقات الإقليمية والدولية، حيث الانخراط الإيجابي في الساحة العالمية، وتبني سياسة التفاوض في حل النزاعات الحدودية، والبعد عن المحاور، وتجنب تغذية الصراعات المذهبية.
حالياً، الحاكم الفعلي في الإمارات هو ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، وهو أمر ليس بغريب على الحالة الإماراتية، إذ ظل حاكم دبي ورئيس الوزراء في الإمارات محمد بن راشد آل مكتوم صاحب النفوذ الفعلي في إمارة دبي في ظل حكم أخيه مكتوم (1943 - 2006).
وقد استثمر محمد بن زايد، الأخ غير الشقيق لرئيس دولة الإمارات، خليفة بن زايد، ظروفاً عدة في محاولة دؤوبة من أجل لعب أدوار إقليمية، لعلّي أشير إلى بعضها:

القوة المالية

تحاول أبوظبي استثمار قدراتها المالية الهائلة لخلق تأثير سياسي. ويُصنّف جهاز أبوظبي للاستثمار ثاني أكبر الصناديق السيادية العالمية من حيث قيمة الموجودات التي تقدر بنحو 773 مليار دولار (يعد الصندوق السيادي النروجي الأكبر في العالم بموجودات حجمها نحو 893 مليار دولار).
وتنتج الإمارات نحو 3 ملايين برميل يومياً، وتسعى إلى رفع إنتاجها اليومي إلى 3.5 ملايين برميل يومياً، بحسب ما نقل عن وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي في ابريل (نيسان) الماضي.
ويأتي معظم البترول الإماراتي من أبوظبي، التي تشكل نحو 86% من أراضي الدولة، وتحتضن نحو 94% من المخزون النفطي، وهذا ما يجعلها صاحبة السلطة الأعلى في الدولة السباعية. كما تضم العاصمة الإماراتية أبوظبي نحو 90% من احتياطات الغاز، الذي باتت الإمارات تستورده من قطر وإيران.
وبلغت عوائد النفط الإماراتية في عام 2012 نحو 458 مليار درهم إماراتي، وهو رقم قياسي، ولا يتوقع تصاعد العوائد هذا العام في ظل الاحتمالات السائدة بانخفاض أسعار النفط.

الاستثمارات والأسلحة

تعد الإمارات «الأكثر شراء للسلاح في الدول العربية، ورابع أكبر مستورد للأسلحة في العالم، حيث أنفقت أكثر من 19 مليار دولار على المعدات العسكرية في 2012»، بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
ويُصنف هذا النهج، في دولة يبلغ عدد مواطنيها أقل من مليون نسمة، ولا تمتلك جيشاً جراراً، بأنه هدر مالي، ورشوة علنية للولايات المتحدة والدول الأخرى المصدرة للسلاح.
وتقدر حجم الاستثمارات الخليجية في بريطانيا بنحو 120 مليار جنيه استرليني في العام الماضي (2013)، نصفها تعود إلى السعودية، الشريك الفعلي للإمارات في الثورة المضادة، التي تتخذ طابعاً عنيفاً في مصر وليبيا والبحرين واليمن ودول أخرى.
ويمتد تأثير هذه الثورة إلى الغرب، حيث يلعب المال الخليجي دوراً استثنائياً في لجم أو الحد من الأصوات البريطانية (المحدودة أصلاً) الراغبة في أن تلعب المملكة المتحدة دوراً أكثر وضوحاً في ترشيد الحكومات الخليجية الحليفة، ونصحها باتخاذ إجراءات إيجابية نحو شعوبها، تفادياً للأسوأ. وينطبق ذلك على الإمارات التي تعتقل العشرات من الناشطين من الإخوان المسلمين الإماراتيين، بسبب آرائهم السياسية.
الشفافية والمعلومات غائبة عن حجم الاستثمارات الإماراتية في الغرب، لكن بعض المصادر الصحافية تقدرها بأكثر من 5 مليارات جنيه إسترليني في لندن مثلاً، ويتم الإشارة كأمثلة على هذه الاستثمارات إلى جهاز أبوظبي للاستثمار الذي يمتلك حصة من مطار غاتويك الواقع في إحدى ضواحي العاصمة البريطانية، كما تستثمر شركة أبوظبي الوطنية للطاقة في بحر الشمال، وتدير شركة دبي العالمية مشروع ميناء لندن باستثمارات تقدر بنحو 1.5 مليار استرليني، إضافة إلى الاستثمارات في منطقة إكسل لندن، وغيرها الكثير.
وأعفت بريطانيا مواطني الإمارات من تأشيرة الدخوال إلى أراضيها مطلع العام الجاري. وتقدر عوائد السياح الخليجيين إلى الخزينة البريطانية بنحو 1.2 مليار جنيه إسترليني، بحسب أرقام 2012، حيث زارها أكثر 530 ألفاً من الخليج. وهذا بند آخر تأخذه السلطات البريطانية في الاعتبار، كما تأخذ بالاعتبار أيضاً عشرات الآلاف من البريطانيين الذين يعملون في دبي وأبوظبي، ويحظون بمعاملة مميزة، فضلاً عن الشركات البريطاينة التي تجد في الخليج فرصاً واعدة في المشاريع الحكومية وفي القطاع الخاص، وهو أمر يحظى بأهمية بالغة في مجتمع الأعمال البريطاني الوثيق الصلة بالنخبة الحاكمة في لندن.
وهذا لا يفترض أن يفهم منه أن الغرب يتجه نحو دمقرطة المنطقة، بقدر ما أود الإشارة إلى أن المال الإماراتي والخليجي يعزز القبضة الداخلية للأنظمة وتحالفاتها الدولية. (مصر لا تمتلك فوائض مالية ضخمة، لكن المال الخليجي يساند عسكرها، والجيوبوليتيك يخدم نظامها الحاكم راهناً).

الانهيار المالي لدبي

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، فاجأت دبي العالم بإعلان عدم قدرتها على تسديد ديون قدرت بنحو 26 مليار دولار مستحقة على شركة دبي العالمية، وأن حكومة الإمارة ستكون مضطرة إلى إعلان إفلاس الشركة الحكومية إذا لم يقبل الدائنون عرضاً بإعادة هيكلة الدين.
وقد تدخلت الإمارة الأكبر، أبوظبي، لمنح دبي معونة عاجلة بلغت 10 مليارات دولار، لمساعدة الإمارة التي كانت ولا تزال مقصداً استثمارياً عالمياً، على تخطي صعوباتها المالية الخانقة، وجاءت المعونة مفاجئة، لكن بعد عدة أسابيع من إعلان دبي خبراً أضر كثيراً بسمعتها.
ويقدّر أن الدعم المذكور لم يكن مجاناً، ولعله كان مقابل منح صلاحيات أكبر للحكومة المزكرية في أبوظبي للسيطرة على القرار السياسي في الدولة الاتحادية، التي تتداخل فيها صلاحيات الحكومات المحلية مع السلطة الاتحادية في أبوظبي. ويرجح أن أبوظبي نجحت في مساومة شقيقتها دبي على تولي سلطة أوسع في السياسة الأمنية والسياسات الخارجية، وأيضاً في السياسة الاقتصادية.
وفي مارس الماضي (2014)، وافقت أبوظبي على إعادة تمويل قروض وسندات بـ 20 مليار دولار التي كانت دبي قد حصلت عليها لمواجهة أزمتها المالية في 2009. وفي منطقة تعيش على فوائض النفط، تظل دبي الناجحة في تنويع اقتصادها، بحاجة إلى الأموال الضخمة التي تملكها أبوظبي، كي يستمر انتعاشها، بل كي لا ينهار اقتصادها.
وتقدر ديون دبي بنحو 235 مليار دولار، وإنها ستكون مُلزمة بسداد 60 مليار دولار من ديونها حتى عام2017 ، وذلك بحسب مجلة الإيكونوميست الرصينة.
وطالما نظر إلى دبي على أنها قد تشكل منافسة لأبوظبي في إطار الدولة الاتحادية، لكن ذلك لم يعد كذلك منذ 2009.

الدرس القطري

كما شجّع نموذج دبي الجاذب للسياح وقطاع الأعمال على مضيّ آل نهيان في تحويل أبوظبي إلى دبي أخرى، مدعوماً بالفوائض النفطية الهائلة، فقد شجّع ما بدا أنه نجاح قطري في خلق تأثير لها في الساحة الإقليمية، الإمارات من أجل لعب دور شبيه.
واستثمرت أبوظبي في بعض المؤسسات الإعلامية بما في ذلك سكاي نيوز العربية، في محاولة لم تحقق نجاحاً لمنافسة الجزيرة القطرية، لكن الجموح الإماراتي اتخذ منحى سافراً في الحالة المصرية، والبحرينية، حيث غذت أبوظبي المؤسستين العسكريتين في البلدين اللذين واجها ثورة عارمة في 2011.
ولم يؤدِّ تنازل أمير قطر السابق حمد بن خليفة عن الحكم إلى ابنه تميم، في ظل تغييرات إقليمية بالغة الخطورة، إلى أن تُعيد الإمارات النظر في سياساتها المتجهة نحو تكريس وجودها لاعباً عنيفاً، متحالفاً مع السعودية التي تؤمن بمقولة: «املكها أو احرقها» في تعاملها مع المحيط العربي (العراق، سوريا، اليمن، البحرين، ليبيا...).

النموذج الإماراتي

لا يوجد في الإمارات برلمان منتخب، أو مؤسسات مجتمع مدني، أو صحافة حرة، قادرة على ترشيد القرار الرسمي. وحين تسأل الإماراتيين عن سبب سلوك مسار عنيف، لا تجد تفسيرات واضحة عن الأهداف النهائية لهذا المنحى الذي يصب النار على الزيت، ويهدد مستقبل الإقليم.
لقد باتت الإمارات جزءاً من مشهد الحلف الخليجي المدمر للجسد العربي، المثخن أصلاًً بكل أنواع الجراحات، ومن حق الناس الترحم على أيام زايد الذي لم يورط الإمارات، في حروب كما هي حالها الآن. ولعلّ على الإمارات أن تسأل نفسها من جديد عن صورتها التي تود أن تكون عليها، والنموذج الذي تسعى إلى بلوغه، ولا أتمنى لها أن تختار نموذج الانخراط الدموي في إقليم هش. نعم يمكنها الانخراط إيجابياً في العالم، ولعل نموذج بعض الدول الاسكندنافية يستحق أن يحتذى، حيث الرفاه الداخلي والسلام مع الخارج.
* صحافي بحريني ــ لندن