يلاحظ مراقبون أن الجمهورية الاسلامية الإيرانية حازت على مدى السنين الاخيرة اهتماماً واسعاً من وسائل الإعلام والخبراء والمحللين في منطقة غرب آسيا والعالم على حدّ السواء، ولا سيما في ما خصّ سياساتها الخارجية والأسس التي تقوم عليها، فكما نعرف تحوّلت «إيران ما بعد الثورة الإسلامية» التي قادها الإمام الخميني الراحل عنصراً أساسياً ومؤثراً وفعّالاً على الساحتين الإقليمية والدولية.
أحد الشواهد الكثيرة على ذلك، تمثّل في «الاتفاق النووي التاريخي» الذي أبرمته إيران مع السداسية الدولية، والذي تضمّن إقراراً صريحاً وللمرة الأولى بعد نحو عقد من التعنّت والرفض بحق الشعب الإيراني بالاستفادة من الطاقة النووية السلمية والاستحصال على أحدث العلوم والتكنولوجيا اللازمة في هذا المجال.
هذا الاتفاق «الزلزال» بآثاره ونتائجه كما وصفه البعض لا يزال صداه يتردّد في الأروقة الديبلوماسية والإعلامية العالمية. فقد رفع مكانة ايران من دولة في العالم الثالث إلى مصافي الدول المتقدمة والمتحضّرة. وهي إذ أثبتت بعد سنوات من مواجهتها للضغوط الخارجية سلمية برنامجها النووي، تمكنت من الإستفادة من هذا المصدر المهم للطاقة في سدّ إحتياجاتها وتطوير صناعاتها ومتابعة مسيرها في الإستحصال على المعرفة والعلوم ذات الصلة.
الحديث عن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية لا يستوي من دون التطرّق إلى القضية الفلسطينية المؤلمة ومآلاتها، فالجمهورية الاسلامية الإيرانية تولي هذه القضية المفصلية اهتماماً خاصاً، بحيث تتعامل مع مختلف التطورات الجارية في المنطقة وتتخذ مواقف إزاءها إنطلاقاً من مدى تأثيراتها وتداعياتها على القضية «المركزية»، أعني بذلك القضية الفلسطينية. وفق قاعدة أن «لا شرعية لثورة، فلسطين ليست شعارها».
ولا ننسى أن إيران تُعدّ في يومنا هذا على الرغم من كل الضغوط والمؤامرات التي تتعرّض لها وكل المحفزات والمغريات التي تعرض عليها لثنيها عن ذلك، الداعم الأول ساسياً ومالياً وتسليحيّاً لقوى المقاومة في المنطقة، والراعي الأول والوحيد لفصائل المقاومة العسكرية الفلسطينية.
«فلسطين هي البوصلة» ليست بالنسبة إلى الإيرانيين شعاراً للمزايدة، بل قناعة ونهج جدّي أثبتهما تاريخهم الحديث، فمنذ الساعات الأولى التي أعقبت ولادة الثورة الاسلامية في ايران عام 1979، كان القرار بإغلاق سفارة الكيان الصهيوني في طهران، وإستبدالها بالسفارة الفلسطينية، كما أعلن الإمام الراحل رحمه الله يوم الجمعة الاخير من شهر رمضان ليكون يوماً مخصصاً لفلسطين ولنصرة المستضعفين في كل العالم تحت مسمى يوم القدس العالمي.
كما أدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دوراً هاماً على صعيد مكافحة الارهاب بكافة أوجهه ولا سيما التكفيرية منها، فكما هو معلوم وقفت الدولة الايرانية على نحو واضح وصريح إلى جانب الجيشين السوري والعراقي في مواجهة الإرهاب «الداعشي» والمجموعات التكفيرية الأخرى كـ«جبهة النصرة» وأخواتها، وكان إصرار دولي عبّر عنه المبعوث الأممي إلى سوريا لإشراكها في مؤتمر جنيف السوري الرامي لإيجاد حل للأزمة السورية.
لقد أثبتت التطورات الماضية أن الجمهورية الاسلامية تدافع بصلابة عن مواقفها المبدئية، وأنها على إستعداد لأن تتحمل من أجل ذلك كل أصناف المؤامرات والضغوط، وهي تؤمن حقيقة بأن تحوّلها إلى إحدى أهم دول المنطقة والعالم انما هو نتيجة لعنفوانها وصمودها.
من المعروف أن الدول المتحضّرة عادة ما تنتهج سياسة خارجية قائمة على مبادئ واسس محددة تتطابق مع مصالحها وتوجّهاتها. وانطلاقاً من هذه القواعد تحدد أولويتها وتراتبية اهتماماتها. وعلى هذا النحو حدّد الامام الخميني الراحل منذ اليوم الاول للثورة الهدف الأسمى للدولة الإسلامية بالعمل وفق أسس ومبادئ وتعاليم الدين الإسلامي المحمدي الأصيل. وقد نصّ دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية على ذلك بوضوح.

«فلسطين هي البوصلة» ليس بالنسبة إلى الإيرانيين شعاراً للمزايدة

وفي نظرة مقتضبة على القسم المتعلق بالسياسة الخارجية في الدستور الإيراني، يمكننا أن نلاحظ أن التعاليم القرآنية والاسلامية هي الأطر الكبرى التي تحدد وترسم طريقة مقاربة ايران لشتى الملفات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية المطروحة. ولهذا السبب فان اختلاف الحكومات ورؤساء الجمهورية على مدى العقود الثلاثة المنصرمة لم يغير من توجهات السياسة الخارجية الايرانية، التي يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
ــ رفض الهيمنة: وهو أحد أهم مبادئ السياسة الخارجية الايرانية، إذ تعتقد إيران أن العلاقات بين الدول يجب ان تخلو من أي هيمنة وتسلط لطرف على الآخر، وعليه فإن ايران ترفض الخضوع لأي هيمنة من أي دولة أتت، كما ترفض بدورها الهيمنة على أي دولة في المنطقة. وفي هذا الإطار يقول الامام الخميني (قدس سره) إن «من المبادئ الهامة للجمهورية الإسلامية عدم خضوع المسلمين لهيمنة الكفار، والله سبحانه وتعالى لم يرضَ بأي سلطة لكافر على مسلم ولا يجوز للمسلمين ان يخضعوا انفسهم لهذه الهيمنة».
ــ طلب الحق ورفض الظلم والغطرسة: وتحت هذا العنوان يندرج التصدي لمخططات الاستكبار العالمي والظلم الذي يطاول الشعوب المسلمة وغير المسلمة في أنحاء العالم.
ــ الدفاع عن المستضعفين: وذلك يكون من خلال اسلوبين، عبر المواجهة المباشرة مع المستكبرين الذين تسببوا باستضعاف الشعوب، أو عبر الدفاع عن المستضعفين في الأروقة السياسية والديبلوماسية. وفي هذا الخصوص قال الامام (قدس سره) «يجب علينا أن ندافع عن مستضعفي العالم...»، مردفاً إن «الاسلام هو المدافع الاول عن المستضعفين في العالم».
ــ الدفاع عن المسلمين ودعمهم: فسياسة إيران الخارجية التي تعتمد على الاصول الاسلامية ملزمة بالإهتمام بشؤون مسلمي العالم والدفاع عن حقوقهم. ويشير الامام الخميني الى هذا الأمر على نحو صريح من خلال قوله: «نحن وجميع المسلمين اخوة، وهذا مبدأ اسلامي يلزم أي مسلم بمساعدة أخيه المسلم».
ــ التعايش السلمي: لقد بنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياساتها الخارجية على مبدأ السلام والتعايش مع الدول المجاورة إنطلاقاً من المبادئ الاسلامية، حيث ان الاسلام يرى أن الحرب حالة الحرب غير طبيعية، ويحرم الاعتداء على الاخرين وشنّ الحروب من دون وازع.
ــ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وإرساء العلاقات الثنائية على اساس الإحترام المتبادل: فالجمهورية الإسلامية تعتقد بأن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى يتسبب بحالة من التوتر قد تؤدي لاحقاً الى حروب بين الدول. والدستور الإيراني ينص صراحة على إلتزام الدولة «الامتناع الكامل عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى ...».
ــ الإلتزام بالمعاهدات والقوانين الدولية: فالجمهورية الاسلامية الإيرانية عضو فعال وأساسي في المجتمع الدولي يلتزم القوانين والمعاهدات والإتفاقيات الدولية. وقد اكد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي أن إيران دولة إسلامية تحترم كل المعاهدات التي وقعتها سابقاً.
* إعلامي لبناني