لا يبدو اليوم كلُّ ذلك صحيحاً على الإطلاق. هو أقرب إلى الهذر والمبالغة والكذب والتضليل. هو نوع من الأخطاء الجسيمة القاتلة التي يفضّل السياسي أن ينساها أو أن لا تسجّل في سجله مطلقاً. ربما استطاع تدفق الأحداث القاسية الغزير أن يلقي على ما قيل ثوباً واسعاً من النسيان.


إن ما ردّدته طويلاً القيادات الغربية وتوابعها الكثر في المنطقة ولاكته نخبُ المعارضة السورية من بعدهم في وصف الرواية السورية وتوقعات دمشق لقادم مستقبل منطقة الشرق الأوسط ومخاطره، عندما حذرت من العواقب الوخيمة التي سيواجهها الإقليم والعالم إذا ما جرى التساهل والعمل بعدم المسؤولية في التعاطي مع تلك المخيلات الواهمة التي قامرت باللعب في التوازن الكوني عندما أُريد اقتياد سوريا من رقبتها وتدويرها بزاوية أفقية لجهة معاكسة وضمها إلى الحلف الأميركي الآفل وذيوله وتوابعه في المنطقة.

للا بد أن يبقى الثمن الذي
دفعته سوريا حقاً محتفظاً به
لجماهير شعبها
كان تكرارُ الوصف أن القيادة السورية نرجسيةٌ بعيدةٌ عن الواقع وتعيش منفصلةً عنه، يصلح لأن يكون الرادفة اللازمة التي رافقت كل التمنيات والنصائح والرغبات والإملاءات والطلبات العاجلة الفورية الغربية والعربية الكثيرة جداً التي وجّهت إلى القيادة السورية وطالبتها بالتنحي والتخلي عن الحكم، والسماح بتحقيق شعار شعبوي وارد مُضلّل لا تستقيم كلماته على سطر منطقي واحد [الشعب يريد إسقاط النظام].
راحت وسائل الإعلام المنخرطة في المشاريع الجديدة تستجلب كلَّ الشواهد والأدلة لتثبت رأيها الذي أصبح روايةً شائعةً طاغيةً لم يقف في وجهها إلا أصواتٌ خافتةٌ أريد كتمها بسرعة. اختصر هذا الإعلام سوريا المتنوعة الأطياف بنظام طائفي، وراح يراقب كل هذا النظام وحالته المعنوية وقدراته اللوجستية الكبيرة من خلال التقاط ذلك من تعابير الرئيس السوري وحركاته وانفعالاته وعدد المرات التي ابتسم فيها أو قطّب حاجبيه. وبلغ الهوس مبلغه بذلك التدقيق في ألبسته وأحذيته وحركات جسده وطريقة وقوفه أو جلسته بما يشكل طريقة ساذجة لا تصح إلا في العقول البسيطة المسطحة.
وشاعت الأكاذيب المشكلة لهذه الرواية، وادُّعيَ أن الرئيس يعيش في غواصة روسية راسية في عرض البحر معزولاً بعيداً عن كل مجريات الأحداث في بلده، ونقلته الشائعات من بلد إلى آخر وقيل الكثير عن هروب عائلته. وشيطنت الدولة بكل مؤسساتها وخاصة الجيش وقدّست الثورة السورية بما يخالف جوهرها وقلبها المليء بكل المتناقضات والقابل للانفجار منذ بداية انطلاقها. بات الكلام الذي كان يصدر من دمشق أشبه بالعبث والصراخ في الصحارى القاحلة لا صدى ولا مجيب له. اصطدم بحائط متين لا يمكن اختراقه بسهولة، كانت الرواية المضللة المقابلة كتيمةً وحيدةً لم تسمح الجهات المصنّعة لها بروايةٍ أخرى موازية أو بديلة. إن المراجعة الشاملة الدقيقة لسيل الأحداث الكثيرة والمكثفة الرهيبة التي اجتاحت المنطقة خلال السنوات الثلاث والنصف الأخيرة بعد محاولة إسقاط الدولة السورية، وإعادة قياسها إلى نتائجها الحاضرة تجعل كثيراً من ساسة العالم يكررون متأخرين جداً الرواية السورية بذاتها وحذافيرها وما بقيت دمشق تحذر منه طوال سنوات الأزمة ومنذ الأشهر الأولى لدخول أصحاب الأحلام في مغامرة الحرب لامتلاك سوريا والهيمنة عليها ضمن سياق ما دعي «الربيع العربي» وأجواء «الفوضى الخلاقة»، والتي وعِدت بها المنطقةُ قبل ذلك بسنوات عدة. فها هو العالم اليوم يستنفرُ مستدركاً تهاوناً وتواطؤاً، بعد فترة طويلة من التآمر والسماح لمغامرات خطرة لتغيير التوازن الدولي الدقيق وبناء معادلات جديدة، قام بها وكلاء إقليميون تنافسيون حالمون بمشاريع سلطوية جديدة للفوز بوكالات حصرية من مراكز القوى العالمية في المنطقة استخدموا فيها كل المحرمات والمباحات، وكسرت قواعد الأعراف والتقاليد والقوانين الدولية. وتخطت السياسات القطرية والسعودية والتركية كل المعقول وراحت ترمي بكل المواد الانفجارية والانفجاريين وعوائد النفط والغاز إلى داخل الساحة السورية، وكأن عيون العالم قد أصابها العمى أو أن قوانين عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية أدخلت الغيبوبة أو وضعت في ثلاجة الأموات.
لا تكاد تحصى تلك التقارير التي سجلت الأدوار لكثير من الدول المنخرطة في تصدير الإرهاب إلى الأراضي السورية، وصارت هذه الدول مثل تركيا وقطر والسعودية والأردن والكويت والإمارات ومن خلفها دول الاستعمار القديم والجديد غير قادرة على الاستمرار بلعبة التغابي وغض الطرف عن الصورة الخطيرة المذهلة ورواية الواقع التي حذرت منها دمشق وجمعت آلاف الوثائق وقدمتها لمجلس الأمن والأمم المتحدة.
إن الواقع القاسي والمجريات الرهيبة ودماء الأبرياء ومعاناتهم فقط هي التي أطاحت تلال الأكاذيب والأضاليل التي صدرت عن الوضع في سوريا والعراق، فانتهكت الحرمات والسيادة الوطنية للدول وتغيّرت الجغرافية وسالت دماء أهل المنطقة أو هجروا من بيوتهم وخلفوا أرزاقهم وأصبحوا لاجئين يطلبون الأمن والأمان في المخيمات الغريبة.
أين هذا كله من ذريعتي ثورات المنطقة، وهما الحرية أو تطبيق الشرع الديني!
سقطت ذرائع الثورات المصنعة وانكشفت الصورة للجميع حتى لأولئك الذين فضلوا إغماض أعينهم ليسوقوا مصالحهم ويغامروا بهم إلى حافة الهاوية، أو لأولئك الذين ساقهم وهمُ الشعارات الجديدة (الديموقراطية وحقوق الإنسان) وانخرطوا في قاطرات المشروع الأميركي في المنطقة.
تمظهرت الصورة الكارثية لعواقب ما دعي بالثورات العربية وانجلت بشكلها الدموي الفاقع عن خراب وتقسيم وإرهاب لم يعد بقدرة أحد إنكارها. تأتي الوقائع اليومية الصادمة من ذبح الرهائن والمخطوفين المدنيين في العالم بجنسياتهم المختلفة (أميركيين وإنكليز وفرنسيين ولبنانيين وسوريين وعراقيين وغيرهم) ومجازر بأحجام كبيرة بما فيها مذبحة سبايكر والإيزيدين والأكراد لتشغل العالم بموجات إرهاب غير مسبوقة في العصر الحديث.
وهنا يمكن طرحُ سؤالٍ ليس بريئاً مطلقاً: هل كان باستطاعة الدول في العالم والمنظمات الدولية أن تستمر بتجاهل الإرهاب المنتشر والتغاضي وغض الطرف عنه وقد أصبح له دولة وموارد وتمويل وبلغ من الجرأة أن يتجاسر على مصالح أسياده وداعميه؟
أم هل تحققَ المطلوب، وها هي أميركا تبدأ استثماراتها في الحروب المشتعلة وهي تزود جميع الأطراف ببضاعتها المكدسة من الأسلحة لتحلّ بها أزمتها الاقتصادية الرهيبة الوشيكة؟
اليوم تندفع الدول التي طالما انتقدت التصاريح السورية لتنقذ نفسها في لحظات حرجة يهددها الإرهاب وهو يتسلل وينقضّ على حدودها ويبدأ التجهيز لهجمات قاسية ستعاني منها شعوب المنطقة والعالم.
تحاول الكثير من الدول التي دعمت جموع المسلحين واستجلبتهم إلى داخل سوريا، ودفعت لذلك مليارات الدولارات، أو تلك التي استضافتهم وأمنت لهم معاقل التجمع والدعم والتدريب في معسكرات أو غرف سوداء مغلقة لطيّ هذه الصفحة ولتبييض سيرتها المشبوهة في هذا الحشد الدولي المدعو لمحاربة الإرهاب والقضاء عليه. سيضطر الكثير منهم للتضحية بأذرع إرهابية عمل على اصطناعها وتقويتها منذ سنوات، وقد يكون محظوظاً إذا تم الاكتفاء بتقليم أظفارها وتحديد حجمها فقط. يصح هذا في كل الخليط المصطنع من الإرهاب الموجود في سوريا والعراق ويصح بأذيته التي ستلحق بكل الداعمين للتحالف المحارب له. يحقُّ لسوريا التي تصحُّ روايتُها أخيراً في عيون أعدائها وخصومها ومعارضيها في كون أن محاربة الإرهابِ صارت أولويةً لكل العالم وليس بنداً مطلوباً كأولوية لمحادثات مؤتمر جينيف 2 الذي بلغ الجهد بسوريا لتضعه على رأس التفاوض. يحق لها اليوم ولو بعد أكلافٍ باهظةٍ أن تدّعي كما عِبرُ التاريخ أن: سيلاً من الأكاذيب والأضاليل لا يصمد أمام حقيقة واحدة.
لقد وضحت النتائجُ اليومَ طبخاً شيطانياً اجتمعت على إعداده كلُّ الأيادي القذرة، وبات لزاماً على الأفواه التي طالما روّجت له أن تأكل منه حتى الشبع. الواضح أن العالم ينبني على معادلات جديدة وأن تغيرات مذهلة تهزُّ العالم وأن هذا المخاض العسير لأزمات المنطقة يمرُّ مركزه في قلب العالم (سوريا والعراق)، لكن لا بد أن تظهر آثاره سريعاً في امتداداته وتشعّباته وفوالقه ليعاد إرساء استقرار جديد للعالم يستمر لقرون قادمة. لا بد أن يبقى الثمن الذي دفعته سوريا من شعبها وبنيتها التحتية وثرواتها حقاً محتفظاً به لجماهير شعبها بكل اختلافاته السياسية والإيديولوجية، ويجب أن يكون دافعاً جديداً ومحفزاً قوياً لدور مهمّ في الإقليم والعالم يعيدُ ما أثبته التاريخ لسوريا من أهمية يقع فيها محور الكون. سيظل ذلك تجربة قاسية مؤلمة لكثير من أبنائها الذين وقفوا في متاريس متقابلة متقاتلة، وصار الحوار بينهم بالدوشكا وراجمات الصواريخ ليحققوا أجندة الآخرين وينخرطوا كجنود ومرتزقة في حروب قذرة على أرضهم. لا بد أن يصلوا إلى خلاصاتهم المفيدة ليسجلوها ندماً وحسرة وعبراً من تضحية ودماء للأجيال القادمة.
ختاماً، في أحيان كثيرة ليس المهم أن تقوم بالصحيح، لكن الأهم أن تقوم به في وقته المناسب الصحيح.
إليكم خلاصة ما قالته دمشق وشكل أساس الراوية السورية، وها هو العالم يضطر إلى تكراره بعد وقت طويل: سوريا ليست تونس أو ليبيا أو مصر، إنها قلب العالم ومركزه، ومن الخطورة العبث باستقرارها.
ــ سوريا تواجه مسلحين متطرفين مدعومين من دول إقليمية مشبوهة بمشاريع مشبوهة.
ـ الإرهاب لن يبقى في سوريا طويلاً. سيمتد إلى الجوار والإقليم ولن يتوقف عند حدود في العالم.
ــ لا يمكن أن نستخدم الوحش أو العقرب الإرهابي وإخفاؤه وتربيته في جيب المشغل سرعان ما سينقض و يلسعه.
ــ اللعب في بنية سوريا السكانية أو الجغرافية سيخلق فوالق زلزالية ضخمة تشمل بنية الإقليم ذاته.
ــ تبدأ مكافحة الإرهاب عندما تتوقف الدول الداعمة عن التمويل والتسليح وإغلاق حدودها أمام أفواج الإرهابيين.
ــ الحكم في سوريا سوري تقرره الإرادة الحرة ورغبة السوريين وتحاورهم.
* كاتب سوري