ما تشهده المنطقة اليوم ليس حملة عسكرية مؤقتة ومحددة الاهداف، ترمي الى هزيمة تنظيم «الدولة»، بل بداية لنمط معهود من الحكم الخارجي يُمارس عبر القصف والطائرات. ومن يراقب البنية العسكرية التي ترسى دعائمها في الاقليم، وعملية بناء التحالفات واستدخال شركاء محليين واوروبيين، خارج اطار مجلس الأمن والقانون الدولي طبعاً، يستنتج بسهولة أن هذه المنظومة قد أوجدت حتّى تبقى وتستمر.

هذه هي المرة الثانية خلال قرن التي تحاول فيها قوة استعمارية أن «تحكم العراق من الجو»، وهو التوصيف الذي أعطاه الباحث توبي دودج للسياسة البريطانية في عراق العشرينيات، حين كانت ثورة العشائر تستعر في أرياف العراق.

كانت النظرية آنذاك أن الامبراطورية لا تريد أن تتورط في حكم عسكري مباشر لنواحي العراق، ولا هي ترغب في تحمّل كلفة حملة برية ضخمة، غير انها تقدر عبر الطيران (السلاح الذي شهد تطوراً كبيراً بسبب الحرب العظمى) أن تحتوي أي تمرّد عسكري وأن تمنعه من التكتل والحشد، أو شنّ هجمات كبيرة وتهديد المدن والقواعد.
هكذا حكمت بريطانيا العراق عبر قصفه. وقد جرّبت فرنسا، في بعض المناطق السورية، امراً مشابهاً. اليوم يذكّر العديد من المعلقين، مع صعود النزعات التقسيمية وتأثيرها، بأن العراق وسوريا دول «اصطناعية» لا قدسية لها، رسم حدودها الاستعمار منذ أقل من قرن. هذا، في المطلق، صحيح، بل أن بلداً كالعراق قد تمّت «صناعته» واعادة تركيبه أكثر من مرة على يد الاحتلال الخارجي منذ «سايكس بيكو».
ولكن الوجه الآخر من المعادلة، الذي قد لا يراه الناظر من فوق، هو أن الاستعمار لا يرسم على «صفحة بيضاء»، وأن كلّ غزو يكتنف نقيضه. «ثورة العشرين»، مثلاً، لم تأت من فراغ، بل كانت استمراراً لتراث مقاومة عراقي، عسكري وثقافي وديني، جابه البريطانين خلال غزوهم للبلد في الحرب العالمية الأولى وألحق بهم، في الكوت، أكبر الخسائر التي تكبّدوها في الشرق. اذ استسلمت الحملة البريطانية المحاصرة، مع أكثر من عشرة آلاف جندي، وأسر قائدها الجنرال تاونشيند. والحركات المؤسسة للوطنية العراقية بنت سرديتها، كما في سوريا، على تاريخ المقاومة هذا (أو على نسختها منه). الغزو ومقاومته يشكّلان، سوية، تاريخنا وماضينا، السؤال هو: على أي جانب من التاريخ نكون؟