المواقف «المدروسة» للقوى السياسية اللبنانية، التي تُشهر فيما المعارك جارية في شمال البلاد، تخفي خلف ضجيجها الجذور الفعلية للجنون الذي يكتنف طرابلس اليوم. المسألة ليست في كون المسلحين بالمئات أو بالآلاف، أو إذا كانت تنظيماتهم مشرذمة ومنقسمة أم موحّدة وفعالة (وهذه كلها عوامل قابلة للتغيّر)؛ السؤال البديهي الذي يبتدىء به النقاش هو كيف وصلنا إلى هنا، وبهذا الشكل وهذا الخطاب الذي لا يقوم على شيءٍ الا العداء الطائفي؟


الإجابة تبدأ عند الحاضنة السياسية والإعلامية التي لم ترسم، منذ عام 2005، الحد الأخلاقي الفاصل بين الخطاب المقبول و«المسموح به»، وذاك الذي يجب رفضه وحصاره والذي يخرجك من الجماعة الوطنية - كما يفعل أي مجتمع يريد حماية نفسه من التدمير الذاتي. هذا تمييز لا يجب أن يحتاج إلى قوانين ومنع، بل إلى حدّ أدنى من المسؤولية الأخلاقية والوطنية. بغيابه، أصبح الخطاب الطائفي الكاره حجّة مقبولة في السياسة اللبنانية، وصارت شخصيات مثل أحمد الأسير وداعي الإسلام الشهال «محترمة» ومرحّبٌ بها في الإعلام، الذي ينقل رسالتها بوقار وحيادية.
هكذا، بدلاً من أن يشكّل لبنان، الذي عرف قبل غيره معنى الاقتتال على الهوية، نموذجاً مضاداً للإعلام العربي المنغمس في حروبه الدينية، صار امتداداً له، يستورد تعابيره ولغته، ويحضّر لبنان لمستقبل مشابه. من هنا أصبح طبيعياً أن يتم الكلام على طرابلس وغيرها كأنها جمهوريات مستقلة عن البلد، «قرارها» لا علاقة لباقي اللبنانيين به، وتسري فيها قوانينها الخاصة؛ حتى صارت مسرحاً لأحداث لم نشهد مثيلاً لها منذ أيام الحرب الأهلية، كاستهداف المواطنين بناء على هويتهم، وهي جرت بلا همّة اعتراض.
الوجه الآخر للقضية يتعلّق بأهل الأحياء الفقيرة الذين يدفعون، قبل أي طرف آخر، ثمن المواجهات. المفارقة هي أن طرابلس ومحيطها، التي ظلّت بعيدة نسبياً عن أغلب مراحل الحرب الأهلية المدمّرة، انتهى بها الأمر إلى أن تصير المنطقة الأقل حظاً في لبنان: لا هي نالت تنمية واستثماراً، ولا فتحت لأبنائها أبواب هجرةٍ مربحة؛ فكانت النتيجة مئات آلاف الشباب الذين يعيشون خارج أية «منظومة رعاية» أو أمل في المستقبل، وهم لن يختفوا ببساطة في أعماق التبانة والقبة، ولن يذوبوا في أرياف عكار. هذا ليس سؤالاً اقتصادياً، بل هو سياسيّ بامتياز، خاصة انّه يتعلّق بمنطقة من لبنان يتنافس على زعامتها و«تبنّيها» أربعة بليونيرات على الأقل.