صدور حكم لجنة الأمم المتحدة لمراقبة التزام الدول الأعضاء بميثاق حقوق الإنسان العالمي (The United Nations Working Group on Arbitrary Detention - NWGAD)، الذي برأ جوليان آسانج، صاحب موقع "ويكيليكس"، من التهمة التي وجهتها له مدعٍ عام سويدية، دفع بالقضية مجدداً إلى الواجهة. فالسيد أسانج تحاصره الشرطة البريطانية في سفارة الإكوادور منذ 19 حزيران 2012.
للتذكير، موقع "وكيليكس" نشر مئات آلاف الوثائق الرسمية العائدة لمختلف حكومات الغرب الأطلسي وكل من يدور في فلكها، تفضح سياساتها ومؤامراتها وجرائمها ضد الإنسانية، بل تجسسها أيضاً حتى على الحيوات الخاصة للقادة الحلفاء!
آسانج وأصدقاؤه ومحبوه، يقولون: إن مطالبة السويد بتسليمه ذات أبعاد سياسية ثأرية، وأن الادعاء بأنه اغتصب فتاتين هدفه التشهير به والتشكيك في أخلاقه الشخصية، وبالتالي في دوافع نشره وثائق "وكيليكس"، التي يقول إنها أخلاقية أولاً وأخيراً.
في الطرف المقابل، كارهو آسانج يقولون: ليس ثمة من شك في نزاهة القضاء السويدي الذي وجّه له تهمة الاغتصاب في عام 2010، وإنه ليس هناك من يشك في أن السويد تعد مثالاً عالمياً لليبرالية الشفافة، أي إنها جنة الرأسمالية على الأرض!
الحكومة السويدية، يضيف كارهو آسانج، دفاعاً عن مراميها من مطالبة بريطانية بتسليمه إليها: إنها لم تتحرك لمنع الصحف المحلية من فضح تصرفات ملكها "المراهِقة"، ونشر أخبار مغامراته الجنسية الأخيرة وصور المشاركين والمشاركات في ذلك "المجون الملوكي"، وهو ما سبب إحراجاً للدولة، والبعض يقول: بل أيضاً صفعة لها ولصورتها في العالم، وأيضاً لزوجه صاحبة الجلالة الملكة سيلفيا، التي كانت تعمل سابقاً مُعَزِّبة أو مضيفة (hostess). ولأن الأمر بالأمر يذكر، يُقال أيضاً: إن جلالة ملك السويد كان معروفاً حتى عندما كان ولياً للعهد، بـ"عربداته" الجنسية.
فإذا كانت حكومة السويد لم تتحرك لمنع نشر أخبار تدين ملكها وحيواته "الخفية"، والتي يضر انتشارها بسمعة البلاد وامتنعت عن توفير حماية له، فليس ثمة من مسوغ لحماية شخص "أجنبي" عادي من سيف القانون المتهم بارتكاب جريمة أخلاقية!؟ فالسويد، يقال، دولة القانون وليست من جمهوريات الموز الأميركية اللاتينية!
المشككون الكثر، بدورهم يجهدون لإفساد رتابة حيوات المدافعين عن "القيم العالية" سيادة القانون التي "يتميز" بها الغرب عموماً، والسويد على وجه التخصيص.
سوف لن نرفع الصوت عالياً وندعي بأن ما يجري ضد السيد جوليان آسانج مؤامرة تحيكها السويد مع بقية الدول الأطلسية، واخترنا بدلاً من ذلك عرض وجهتي النظر في القضية إضافة إلى ذكر بعض خفاياها غير المعروفة لمعظم القراء ونترك للقارئ الحكم على طبيعة القضية؛ أهي مسألة قانونية أم ملاحقة سياسية كيدية؟
المدافعون عن جوليان آسانج المشككون دوماً في صدق الغرب والتزامه القانون الدولي يقولون: إذا كانت الحكومة السويدية، تتحرك حقاً وفق الواجبات التي يمليهما القانون والدستور عليها، فما سبب غياب هكذا حماس قانوني بالعلاقة مع قضية أخطر بما لا يُقاس، أي تَعرُّف هوية قتلة رئيس وزرائها المغدور أولوف بالمه، يوم 28 شباط 1986؟ وما سبب إغلاقها الملف بالادعاء على مجهول!
لكن قائل يضيف: إن صمت حكومات السويد عن جريمة اغتيال أولوف بالمه وجهلها بهوية المجرم، ليس بالأمر غير العادي فقد سبق لها، ومعها الأمم المتحدة، الصمت عن جريمة اغتيال العصابات الصهيونية مندوبها إلى فلسطين الكونت فولك برنادوت؛ وحكومات فرنسة تجهل [!] إلى الآن هوية المجرمين الذين اغتالوا المعارض الوطني المغربي المهدي بن بركة، وحكومات بريطانية أيضاً، ومعها حكومات السويد تجهل هوية قتلة أمين عام الأمم المتحدة الكونت داغ همرشلد، وحكومات تونس تجهل إلى اليوم قتلة القائد الوطني التونسي الكبير المغدور صالح بن يوسف وقتلة شكري بلعيد وغيره من القادة التونسيين الكبار، وحكومات إيطالية تجهل إلى يومنا هذا هوية قتلة رئيس وزرائها آلدو مورو، وإسبانية تجهل إلى يومنا هذا هوية قاتل الأمير ألفونسو، أي شقيق ملك الأسبق خوان كارلوس في عام 1956. بل إن حتى قتلة الفنانة المغربية ذكرى، صاحبة أغنية «مين يجرا يقول هذا مش معقول» وزوجها ورجل أعمالها مازلوا مجهولين، وكذلك الأمر ذاته مع الإدارات الأميركية المتعاقبة التي تجهل إلى يومنا هذا هوية قتلة الرئيس جون كندي وابنه، وهوية قتلة شقيقه روبرت كندي، وقتلة قائد الحراك السلمي الأفرو ــ أميركي مارتن لوثر كنغ، وقتلة قائد المسلمين الأفرو ــ أميركيين والمدافع عن حقوق البشر السود في أميركا مالكولم إكس المعروف باسم الحاج مالك تلشباز، والأمر ذاته يسري على جهل حكومات جنوب إفريقية العنصرية بهوية قاتل القائد الطلابي الأسود البشرة ستيف بيكو.
القائمة تطول وتطول وتطول لتنال حكومات في مختلف البلاد والقارات. فكيف يمكن لوم حكومة السويد!
لنعد إلى تفاصيل الاتهام الموجه لجوليان آسانج، أي اغتصاب فتاتين سويديتين والخفايا المسكوت عنها في "الصحارة"، أي في الصحافة الداعرة.
آسانج، مثل زميله الأميركي إدوارد سنودن، يطلق عليهما، بالإنكليزية، صفة whistleblowers، والتي أترجمها إلى العربية على نحو "صفارات الإنذار"، الرئيس الأميركي باراك أوباما، أستاذ القانون الدستوري، وصفهم في حملته الانتخابية عام 2008 بأنهم «جزء صحي من الديمقراطية... ووجب حمايتهم من الأعمال الانتقامية أو الثأرية». لكن «كلام الليل يمحوه النهار» فما أن انتخب حتى عاد ليتباهى في حملته الانتخابية الثانية في عام 2012 بأن إدارته لاحقت، منذ انتخابه قبل أربعة أعوام، "صفارات الإنذار"، ليتجاوز عددهم كل من لاحقته الإدارات السابقة مجتمعة.
لنتذكر أيضاً أن أوباما نفسه، دان تشلسي مانينغ الذي نشر أكثر من ربع مليون وثيقة رسمية سرية عن جرائم الإدارات الأميركية وفضح كثيراً من حكومات العالم، قبل أن تدينه المحكمة الأميركية وتحكم عليه بالسجن 35 عاماً اعتماداً على اعترافات انتزعت منه عبر التعذيب.
بالعودة إلى الاتهام الأخلاقي الموجه لجوليان آسانج، نود تأكيد حقيقة أن القانون الأوروبي الروتيني يفرض على الادعاء العام استجواب المتهم قبل توجيه التهمة. لكن المدعي العام السويدي السيدة ماريان ناي، ترفض بإصرار مثير للتساؤل على تجنب مواجهة المتهم ووضع أوراق القضية أمامه، علماً بأنها هي من قرر فتح القضية مجدداً بعدما رفضت الادعاء العام الأعلى السابق السيدة إفا فِنّْ، فتح تحقيقاً
ًقضائياً بحق جوليان آسانج «نظراً لعدم وجود قضية أصلاً».
صحافيون متعاطفون مع قضية الالتزام بالقوانين والأعراف المعمول بها، على قلتهم، كثيراً ما استجوبوا السيدة ماريان ناي عن أسباب رفضها مواجهة المتهم والتحقيق معه، لكنها رفضت تقديم إجابة.
إضافة إلى ذلك، فإن حكومات السويد المتعاقبة ترفض شرح أسباب رفضها منح جوليان آسانج ضمانات بعدم تسليمه للسلطات الأميركية حيث يواجهه تهماً عقوبتها القتل. لعلنا نعثر على إجابة وافية كافية في حقيقة نشرتها صحيفة "اندبندنت" البريطانية في شهر كانون الأول 2010 يؤكد أن حكومة السويد بحثت مع الإدارة الأميركية تفاصيل تسليمه لواشنطن.
إضافة لرفض المدعي العام السويدية السيدة ماريان ناي التوجه إلى لندن لمواجهة جوليان آسانج، فإنها رفضت السماح للمحاكم السويدية الإفراج عن مئات الرسائل القصيرة (SMS) التي استعادتها الشرطة السويدية من جوالي الفتاتين المتورطتين في السلوك المشين، المزعوم، لآسانج! وفي معرض ردها عن أسباب ذلك الرفض، قالت: إنها غير ملزمة قانونياً بذلك قبل توجيه التهمة رسمياً واستجواب المتهم. وهذا يقودنا مرة أخرى لمسألة تجنب السيدة ماريان المضي قدماً في ملاحقة القضية التي بادرت هي بكل حماسة على فتحها الذهاب إلى لندن واستجواب آسانج الذي أعلن مراراً استعداده للقائها والإجابة على أسئلتها.
المدعي العام السيدة ناي لم تجب على هذا السؤال!
المحاكم السويدية قضت بقانونية حجب المدعي العام السيدة ماريان الرسائل القصيرة عن محامي المتهم ما اضطرهم للتوجه إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. مع ذلك، فإن رفض السيدة ماريانا الإفراج عن محتوى الرسائل سببه احتواؤها رسائل من إحدى الفتاتين ترفض فيها الادعاء على جوليان آسانج.
تهمة الاغتصاب، وفق قوانين السويد، تسري أيضاً على من "يجبر" فتاة على مضاجعته من دون استخدام واقٍ. هذه الفتاة، المُوَرَّطَة في القضية، أصرت في أقوالها المسجلة لدى الشرطة، على أنها لم ترغب في اتهامه بالاغتصاب وكل ما فعلته هو طلبها منه الخضوع لفحص وباء الإيدز (السيدا). كما أوضحت أنها فجعت بسبب إصرار الشرطة على إجبارها توجيه تهمة له. المعلومات المتوافرة تؤكد أن الشرطة السويدية هي التي دفعتها، عبر التضليل، إلى اتهام السيد جوليان بمحاولة "اغتصابها".
بالنظر في رسائل التويتر (التغريد) لكلتا الفتاتين، وفق المحامي، يقرأ المرء نفيهما تعرضهما للاغتصاب. الشرطة السويدية هي من تلاعب بالقضية وجعل منها قضية اغتصاب.
من الأمور الأخرى ذات العلاقة أن القوانين والأعراف السارية تحظر نشر أسماء ضحايا الاغتصاب أو أي معلومات عنهن، كما يحظر نشر أي معلومات عن المتهم قبل إدانته على نحو كامل. هذان الأمران لم يسريا بالعلاقة مع التهم الموجهة لجوليان آسانج، إضافة إلى ربط القضية-اللاقضية بتسريب وثائق وكيليكس، يؤكدان تسييس المسألة على نحو وثيق.
في 20 آب 2010 فتحت الشرطة السويدية تحقيقاً في قضية اغتصاب، وأبلغت الصحافة الصفراء المحلية، خلافاً للقانون، بتوفر مذكرة إلقاء القبض على جوليان آسانج بتهمة اغتصاب فتاتين. المدعي العام السويدي الرئيسة، السيدة إيفا فِن، ألغت مذكرة الاعتقال، بعد مرور أقل من 24 ساعة على إصدارها قائلة: ليس ثمة من أسباب للشك في أنه ارتكب جريمة الاغتصاب. بعد ذلك بأيام رفضت القضية بمجملها وأقفلت الملف.
لم تمر سوى أيام قليلة حتى بادر سياسي بارز من الحزب الاجتماعي الديمقراطي اسمه كليس بورغشتروم، الذي كان يستعد لخوض الانتخابات البرلمانية، لإعلان أنه يمثل الفتاتين المتورطتين في القضية، وأنه سيرفع القضية أمام مدعي عام مدينة غوثنبرغ، هي السيدة ماريانا ناي، التي تربطه بها علاقات شخصية وسياسية وثيقة.
السيد جوليان آسانغ توجه طوعياً يوم 30 آب إلى مركز الشرطة وأجاب على كل الأسئلة التي وجهت إليه، ليبلغ بعدها بأنه حر طليق وأن ملف القضية أغلق. لكن السيدة ماريانا ناي أعلنت يوم 2 أيلول أنها أعادت فتح القضية.
في اليوم ذاته الذي أعلنت فيه المدعي العام السيدة ماريانا ناي إعادة فتح الملف، نشر رئيس الاستخبارات العسكرية السويدية المعروفة باسمها المختصر (MUST /مُست) مقالاً عنوانه «وكيليكس تشكل تهديداً لحياة جنودنا». جوليان آسانج صرح بدوره بأن رئيس الاستخبارات السويدية المعروف باسم (SAPO/ سافو) بأن رديفها الأميركي أخبرها بأنها ستلغي ترتيبات التعاون الاستخباراتي بينهما في حال منحته السويد حق اللجوء.
المتهم انتظر خمسة أسابيع في السويد بانتظار تحرك في القضية المرفوعة ضده، وعندما استفهم محاميه من المدعي العام السيدة ماريانا ناي إن بإمكان آسانج مغادرة السويد فردت بالإيجاب. في ذلك الوقت كانت صحيفة غارديان البريطانية تستعد لنشر بعض وثائق وكيليكس الخاصة بالعراق (War Logs)، بإشرافه، ما يشرح سبب توجهه إلى لندن.
لم تكد وثائق وكيليكس تنتشر في ذلك الوقت بسرعة الضوء في مختلف بقاع المعمورة، حتى أصدرت المدعي العام السيدة ماريان ناي أمراً أوروبياً صارماً (Red Alert) المخصص للإرهابيين وكبار المجرمين المعروف باسم (European Warrant Arrest - EWA)، أي (أمر اعتقال أوروبي)، بإلقاء القبض على السيد جوليان آسانج. بعدها توجه جوليان إلى مركز شرطة في العاصمة البريطانية لندن حيث احتجز بموجب أمر التبادل الأوروبي (European Extradition Warrant - EEW) وزج به في سجن انفرداي لمدة عشرة أيام، ليطلق بعدها سراحه مقابل كفالة مقدارها 340000 جنيه استرليني، لكنه تم تقييد تحركاته عبر حلقة رقمية، وفرض عليه مراجعة مركز الشرطة يومياً. جوليان آسانج فرضت عليه عملياً الإقامة الجبرية في منزله، حيث انتظر حكم المحكمة البريطانية العليا.
لننظر في أمر الاتهام للسيد جوليان آسانج من منظور آخر. المرء فأي متابع للقضية لا بد أن يفترض أن هيئات المجتمع المدني العالمية المعنية بقضايا اغتصاب النساء، ستكون الأكثر حماسة وسرعة لإدانة المتهم الأسترالي، لكن أشهرها واسمها (Women Against Rape -WAR)، أي: نساء ضد الاغتصاب، وموقعها على الإنترنت womenagainstrape.net/، أكدت «أن المزاعم ضد جوليان آسانج ما هي إلا غطاء تحاول حكومات عديدة الاختباء خلفه لقمع ويكيليكس لأنها فضحت على نحو جريء تخطيطاتها السرية للحروب والاحتلال وما يصاحبها من اغتصابات وقتل وتدمير. إن السلطات لا تكترث بالعنف الموجه ضد النساء لدرجة أنهم يتلاعبون بقضايا الاغتصاب وفق رغباتهم. إن السيد آسانج أوضح استعداده للإجابة على أسئلة السلطات السويدية المختصة، وجهاً لوجه، في بريطانية أو منها عبر برنامج سكايب، لكنهم يرفضون السير الخطوة الأولى في التحقيق [أي مواجهة جوليان آسانج بالتهم الموجهة إليه – ز م]».
لجوء المدعي العام السويدية السيدة ماريانا لاستخدام أمر اعتقال أوروبي، المخصص للإرهابيين وأعضاء عصابات الجريمة المنظمة وقياداتها الأكثر خطورة، واضح لأنه لا يفرض على الجهة المدعية تقديم أي إثباتات، والذي قاد، ضمن أمور أخرى، إلى اعتقالات كيفية ما دفع قضاة بريطانيين لتوجيه انتقادات شديدة للقانون وللممارسات التي تتم في ظله.
المحكمة العليا البريطانية أصدرت قراراً في أيار عام 2012 يؤكد بغالبية 2:5 صحة أمر الاعتقال الأوربي، مع أن مجلس العموم البريطاني كان أقرَّ القانون بشرط خضوعه للإشراف القانوني، لكن حكومة أنطني بلير خدعت البرلمان ومررت القانون من دون الضمانات الحقوقية الضرورية، والذي فقد فاعليته أخيراً بسبب الممارسات التعسفية.
العالمون بجوهر القوانين ذات العلاقة، أوضحوا أن قاضي المحكمة العليا البريطانية، اللورد فِليب، ارتكب خطأً عبر استعانته بمعاهدة فيينا الخاصة بتفسير الاتفاقيات التي تسمح لممارسات الدولة بإلغاء حَرْفية القانون. المحكمة العليا البريطانية اكتشفت هذا الخطأ لاحقاً في قضية أخرى رفعت في تشرين الثاني عام 2013 ضد أمر الاعتقال الأوروبي، لكن لم يعد بإمكان المحكمة إبطال حكمها اللاقانوني بحق جوليان آسانج والقاضي بتسليمه للسويد.
بالمناسبة، وجب تذكر حقيقة أن جوليان آسانج كان قد توجه إلى السويد للحديث عن موضوع العدوان على أفغانستان، وفق وثائق وكيليكس، التي شاركت فيها بقوات تحت القيادة الأميركية. لكن السويد، التي كثيراً ما يشار إليها على أنها دولة محايدة وقلعة من قلاع الحرية والليبرالية والشفافية، كانت سمحت لوكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) بالتحقيق مع معتقلين وترحيل لاجئين على نحو سري. كما أن تعذيب لاجئين مصريين اثنين في عام 2001 قاد إلى إدانة العمل حيث ثبت، أيضاً من خلال وثائق ويكيليكس، تورط الدولة السويدية في تلك الأعمال الإجرامية.
وقد يسأل سائل: هل ثمة ما يخشاه جوليان آسانج في حالة وقوعه في يد الإدارة الأميركية – دولة القانون وظل الله على الأرض؟!. المشككون في نزاهة القضاء الأطلسي يجيبون: إن إقدام السلطات الفرنسية على إجبار طائرة الرئيس البوليفي الرسمية على الهبوط في فرنسة وتفتيشها، بحثاً عن اللاجئ الأميركي إدوارد سنودن، ضاربة بعرض الحائط كل القوانين والأعراف الدولية، بل إنها بالت عليه أيضًا، من دون أن يرف جفن لأي من قادتها، مؤشر على المصير الذي ينتظره.
المشككون في جدوى أخذ كلام الأطلسيين بخصوص حقوق الإنسان وسيادة القانون وما إلى ذلك من اللغو المعروف، يقولون: إن اتهام نائب الرئيس الأميركي جو بايدن جوليان آسانج بأنه إرهابي رقمي (Cyber Terrorist) يوضح مسار القضية حتى قبل أن يمثل المتهم أمام المحكمة أو أن توجه له أي تهمة، لدليل مهم على صحة شكوكهم. كما أن وثائق إدوارد سنودن فضحت مدى إصرار السلطات الأسترالية على ملاحقة جوليان آسانج وتواطئها مع واشنطن وبقية الشلة الأطلسية، علمًا بأنه لم يرتكب أي جريمة مخالفة لقوانين بلاده، وواجبها القانوني الدفاع عنه وتوفير الحماية له حتى تثبت إدانته وفق قوانين بلاده.
لنذهب أبعد من ذلك ونذكر القارئ بأن لجنة المحلفين السرية، التي شكلتها السلطات الأميركية للنظر في قضية ويكيليكس، استغرقت خمس سنوات لإعداد وتلفيق لائحة تهم بحق جوليان آسانج لأن الدستور الأميركي يحمي الناشرين والصحافيين وصفارات الإنذار. إزاء هذا الواقع القانوني، وزارة العدل الأميركية لفقت تهماً منها التجسس والتآمر للتجسس وسرقة وثائق حكومية والتجسس الرقمي واختراق حواسيب والتآمر، وهي تهم عقوبتها تصل إلى القتل "الإعدام".
إضافة إلى ما سبق، يقول قائل: ربما كان بإمكان جوليان آسانج الدفاع عن نفسه أمام المحاكم الأميركية، لولا أن الإدارة الأميركية أعلنت أن قضيته سر من أسرار الدولة، تماماً وفق مسار محاكم العدو الصهيوني. كما منعت محكمة اتحادية نشر أي معلومة عن مسار قضية وكيليكس بذريعة حماية الأمن القومي!

السويد سمحت لـ CIA بالتحقيق مع معتقلين وترحيل لاجئين

أخيراً، لنمر سريعاً على تقرير لجنة الأم المتحدة الأخير، والمعروف باسم مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة الخاصة بالاعتقال الكيفي أو الاستبدادي (The United Nations Working Group On Arbitrary Detention - UNWGAD). لقد تم إنشاء هذه المحكمة الدولية لمراقبة مدى التزام حكومات الدول الموقعة عليها بالتزاماتها بحقوق الإنسان، وهي التي أصدرت في الأيام القليلة الماضية حكماً يدين السويد وبريطانية على احتجازهما حرية السيد جوليان آسانج من دون أي سند قانوني. للعلم، السويد وبريطانيا شاركتا في مداولات (مجموعة العمل) هذه التي احتاجت إلى 16 شهراً لتقويم القضية، وقدمتا مرافعتهما أمامها، لكنهما تحاولان الآن التملص من الحكم ضدهما.
من المفيد الآن التذكير بأن هذه المجموعة دانت من قبل كل من دولة منيمار بتهمة حجز حرية المعارضة البورمية، ودانت حكومة ماليزيا بتهمة سجن المعارض أنور إبراهيم، وأدانت إيران بتهمة احتجاز مراسل صحيفة "واشنطن بوست" جاسن رضايان.
إن تصرفات الإدارات السويدية والأميركية والبريطانية وكل من ذكرناها هنا يوضح، في ظني، أننا نراقب مشهداً سوريالياً. الغرب كثير ما أطلق على الدول التي لا تلتزم بأي قوانين أو معايير إنسانية نعت جمهوريات الموز، في إشارة مهينة لدول أميركا اللاتينية. لكن حيثيات قضية السيد جوليان آسانج، وأسلوب تعامل الدول الأطلسية، أي الناتوية، معها، يوضح أن هذا النعت ينالها أيضاً.
إزاء رفض السويد التعهد بعدم تسليمه للولايات المتحدة الأميركية، وحقيقة تخلي حكومته الأسترالية عن مواطنها جوليان آسانج، بل وحتى تهديدها بسحب جواز سفره، قررت دول أميركية لاتينية عدة دعم عرض جمهورية الإكوادور، الشجاعة، منحه اللجوء السياسي حيث يقيم في سفارتها بلندن منذ ذلك الحين.
من الواضح تماماً أن جوليان آسانج لم يتركب أي جريمة. بل إننا مدينون له لأنه فضح جرائم الحكام الأطلسيين في مختلف أنحاء العالم وكشف مؤامراتهم المستمرة على شعوب العالم الساعية للحرية، والتي أدت إلى مقتل ملايين البشر وجرح وتشريد ملايين أخرى وتدمير دول والقضاء على مجتمعات وتدمير حضارات الشرق التي ازدهرت عندما كانت قبائل الغرب آكلة لحوم البشر كانت لا تزال تعيش على الأشجار.
جوليان آسانج لم يحقق أي كسب مادي من نشر وثائق وكيليكس، بل إن كل من وقف ضده ودانه، قد حقق أرباحاً هائلة، سواء من الأفلام المقيتة بحقه أو المؤلفات الصفراء عنه.
من الضروري التضامن المستمر مع جوليان آسانج، بهدف حمايته من براثن "عدالة" جمهوريات الموز الأطلسية وقضائها اللامحايد ومخالبها الطائشة وأنيابها المسمومة، ومنع تسليم هذا الإنسان الشجاع إلى واشنطن والسماح له بالتوجه إلى الإكوادور.