سوء التفاهم بين رجل الاستخبارات ورجل الفكر نجده نفسه تقريباً بين عالِم النفس وعالِم الاجتماع. الأول مجاله الأفراد والثاني مجاله الجماعات.
لدى رجل الاستخبارات فراسةٌ لافتة في فهم الفرد عند التفاعل معه: هل هو صادق؟ هل يُخفي أمراً ما؟ هل يمكن ابتزازه؟ رجل الفكر يَستخدم الفرد كعينة تدلّ على الجماعة التي يَنتمي إليها: ما هو الخطاب الذي يستفزّ هذه الجماعة؟ مَنْ هي الجماعة المنافسة لها؟ هل من إمكانية لخلق هوية تشتّت وحدتها؟

هكذا يؤمن رجل الاستخبارات بنظرية الاغتيال (تصفية قادة الخصم بما هم أفراد مؤثرون)؛ بينما يرى رجل الفكر أن اغتيال الأفراد/ القادة لا يُجدي، على اعتبار أن مؤسسة الجماعة تُعوِّض غيابَهم سريعاً. اغتيال وعي الخصوم الجمعي هو المعركة الأكثر فعاليةً بنظره.
هناك فارق إضافي مهم: التعامل مع الفرد يمكن أن يتمّ في الخفاء، أما التفاعل مع الجماعات فلا يكون إلا في العلن؛ الهوية هي تشكيل علني بطبيعته. ليست هناك دراسةٌ اجتماعية تصف الواقع بدقة؛ تَكمن أهمية الدراسة في أنها حين تُنشَر يمكنها خلق ردود فعل محددة؛ إنها تولِّد الظواهر بقدر ما تصفها.
مثال على صراعات الخفاء والعلانية: مجموعاتٌ شيعية مرتبطة بإيران مباشرة (ليست منظمة بدر ولا جيش المهدي) هي التي أَجبرت الجيش الأميركي على الانسحاب من العراق، ولكن الصيت هو للقاعدة والفلوجة، وسيُكتَب تاريخ المنطقة على هذا الأساس.
الاستخبارات كما نَعرفها اليوم هي ابتكار سوفياتي. فِرَق التجسُّس والعمليات السرية كانت موجودةً دائماً، ولكن في القرن العشرين طرأ متغير أساسي: أَصبح العملاء السريون للمرة الأولى نافذين في تحديد سياسات الدولة وليس مجرد موظفين، ويتمتّعون بميزانيات ضخمة. هناك تصريحات كثيرة لقادة أميركيين وفرنسيين في النصف الأول من القرن العشرين تحقّر عمل الاستخبارات؛ ولكن كان من الضروري أن تصبح أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة مركزيةً لتتمكّن من مواجهة الاستخبارات السوفياتية؛ انتهى بهما المطاف متشابهَين منهجياً.
جون هوفر، مؤسِّس الأف بي آي، بقي 48 عاماً حاكماً مهاباً في الولايات المتحدة يهدِّد الرؤساء ويبتزهم؛ تبقى فترته غائبة عن النقد التاريخي. ليس صدفة أنه على مدى تسعين عاماً منذ جون هوفر لم يتوفر خلالها جوليان أسانج ولا ادوارد سنودن. ظهورهما اليوم بالتحديد هو جزء من عصر الاستخبارات، أو بالأحرى إعلان ولادة نظام «ما بعد الاستخبارات»، نظامٌ يَتمحور حول برمجيات تُراقب الأفراد وتتعامل معهم.
قبل الابتكار السوفياتي لمركزية جهاز الاستخبارات، كان الاستعمار قد صاغ جهازاً متعددَ المهمات، أكثر مرونةً وفعالية: رجل الفكر غير الإيديولوجي؛ مهمته هي «هندسة الإثنيات». المقصود بقوى الاستعمار هنا بريطانيا وفرنسا، ولاحقاً الولايات المتحدة الأميركية، وألمانيا بعد أن استُتبعت بالنظام الأميركي. إسبانيا والبرتغال يمكن اعتبارهما قوى استعمارية بدائية «prototype».

قلّما تَركت بريطانيا مستعمرةً إلا وخلّفت وراءها مشاكل حدودية

في حين انصبّ جهد المؤسسات الفكرية السوفياتية على الترويج لإيديولوجيا معينة حول العالم، كانت مؤسسات الفكر الاستعماري تقدِّم تقارير (علمية/ أمنية) حول الهياكل الاجتماعية للشعوب ومكامن التوتر فيها وتضع لها أسماء وعناوين موجهة. بهذا المعنى فإن «هندسة الإثنيات» هي إنتاج بُنى تتوالد الانشقاقات والصراع وتشكِّل حقلاً شبه مستقرّ يَصلح للاستثمار الدائم؛ لا يتعلق الأمر بتحالف مع إثنية ضد أخرى.
هناك بالتالي عمادتان أساسيتان للتجربة الاستعمارية: «هندسة الإثنيات»، و«اللا-إقليمية»، أي تجاوز الإقليم في وعي الذات وفتح جبهات وراء البحار. لم تعد المعادلة التقليدية صالحة: السيطرة على الإقليم، ثم الدائرة الإقليمية المجاورة ومن ثم العالم.
فرنسا مَأسستْ الهويات المذهبية في لبنان، بحيث بات صعباً التخلُّص من هذا النظام. في رواندا وَضعت فرنسا نظريات «علمية» حول تفوّق عرقي لقبيلة على أخرى ما أدّى إلى المجازر المعروفة. أما بريطانيا فقلّما تَركت مستعمرةً إلا وخلّفت وراءها مشاكل حدودية مع كل جوارها، على أن تصبح بريطانيا هي مرجع حلّ النزاعات فيها.
بعد انتهاء حقبة الاستعمار البريطاني والفرنسي، تُنهِك واشنطن خصومَها (وحتى حلفاءَها) بسلسلة من حروب الهويات العرقية والدينية. لاستنزاف روسيا هناك أوكرانيا وجورجيا والشيشان وصولاً إلى جماعات سياسية داخل روسيا نفسها. لاستنزاف الصين هناك هونغ كونغ، الجزر المتنازَع عليها مع اليابان وفييتنام والفيليبين إقليم تشينغيانغ والتيبت حتى وإنْ كانت الصين الشريك الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، يُفضَّل لها أن تكون قابلةً للابتزاز باستقرارها. أما إيران فلا تكاد تَخرج صامدةً من معركة حتى تُفتَح لها جبهة جديدة داخل هلالها الذي استقرّ لمدة وجيزة وصولاً إلى تحريك بعض المنظمات الانفصالية البلوشية والكردية والأذرية. حتى حلفاء الولايات المتحدة الأكثر إخلاصاً كالسعودية، فإنها تَحتفظ لها بتوترات مع قطر وتركيا ولائحة طويلة من الانشقاقات العقائدية. في كل هذه الملفات لا تُريد واشنطن حلاً ولا حسماً؛ الاستثمار في استدامة الحروب وتنميتها فحسب.
في المقابل، فإن القوى الثلاث روسيا وإيران والصين (والتي لا يوجد بينها رابط)، تَجهد للصمود في هذه التحديات. لسبب ثقافي لا تتمكّن هذه القوى من تصوُّر إمكان أن تَنقل مواجهتها إلى الأراضي الأميركية نفسها. لا يتعدّى الأمر تصوُّرات بدائية لا أفق لها، مثل إعادة إحياء القاعدة العسكرية الروسية في كوبا.
لا يتعلّق الأمر بفارق قدرات كما يَعتقد البعض. اختَرقت الاستخبارات السوفياتية النظامَ الفرنسي على نطاق واسع خلال الحرب الباردة (وكانت تَملك ناصية أوروبا النفطية)، ولكن موسكو لم تُدرِك أن بإمكانها استغلال التوترات التاريخية داخل المجتمع الفرنسي لإشعال حرب أهلية، أو على الأقل خلق حساسيات يمكن تفعيلها عند الحاجة.
مثلاً، جنوب فرنسا وشمالها منطقتان مختلفتان تاريخياً وحضارياً، مذهبياً وحتى لغوياً (الحديث هنا عن منطقة أوكسيتانيا بالذات). كان طموح السوفيات إيصال الشيوعيين إلى الحكم في باريس.
في الحرب العالمية الأولى اقترح الألمان على المكسيك فتح حرب مع الولايات المتحدة لاستعادة أراضيها المحتلة في تكساس ونيومكسيكو وأريزونا، بحيث تَنشغل الولايات المتحدة عن التدخل في حرب أوروبا. ولكن المكسيك تهيّبت الأمر ورَفضت المقترَح الألماني بتزويدها بالمال والسلاح؛ كان مسار العالم ليكون مختلفاً لو قَبلت المكسيك العرض. بالمناسبة، الإمبراطورية الألمانية لم تكن فاشية، بل كانت ديموقراطية إلى حد بعيد. كانت الحرب الأولى بحت حرب إمبراطوريات، ولم تكن حرب قيم وإيديولوجيات كما هي حال الحرب العالمية الثانية (الليبرالية، الفاشية، الشيوعية).
أما اليوم، فإن روسيا التي يتراجع الروبل فيها إلى أدنى مستوياته بسبب العقوبات، وروسيا التي تَدفع ثمن تشغيل الأوكرانيين الروس المهجرين إلى أراضيها، لا تُدرك أهميةَ نقل المعركة إلى أراضي الخصم وجعله يُستنزَف بصراعاته الداخلية أو على الأقل وضع رؤية أنثربولوجية للتفاعل مع نسيج كل منطقة من العالم. لا يَكفي للسفير الروسي في بيروت مثلاً أن يتكلم العربية لنَعتبر ذلك رؤية للعالم؛ الأمر نفسه مع السفارة الصينية في بيروت حيث تتمثّل الاستراتيجية في اتخاذ موظفيها أسماءَ عربية.
رودريغ خوري هو شخصية سياسية تَملك مؤهلات قيادية وثقافية رفيعة قلما نجدها لدى سياسي لبناني آخَر، أَسّس حزب المشرق. وإذْ يَعتبره البعض متطرفاً أرثوذكسياً إلا أنه لا غبار على موهبته وقدرته على قيادة تيار واسع جديد في المنطقة. تحتاج روسيا إلى حليف قوي كخوري، ولكنها لم تؤمِّن له سوى الدعم المعنوي ومِنح جامعية. الدعم المادي الذي تَمتنع روسيا عن إرساله لخوري ستَدفعه لاحقاً أضعافاً ثمن حروب أميركية على أرضها وعند حدودها.

«الصدمة الإنثربولوجية»

شَكّل رَفْعُ خالد مشعل راية المعارضة السورية «صدمة إنثربولوجية» لحزب الله وإيران. وانطلقت عبارة ستشكِّل مفصلاً في التأريخ للشرق الأوسط: لم نَفهم العالم السني. تلك كانت اللحظة التي جَعلت حزب الله يولي أهمية للإنثربولوجيا، بمعنى أن الإحساس بالتاريخ في ما يَحدث اليوم بدأ يجد طريقه إلى مركز التخطيط في حزب الله وإيران.
موقف حركة حماس، وليس تطرُّف القاعدة، هو الذي جعل الجهاز الأمني في حزب الله وإيران يَشعر أن وراء الحركة اليومية للمعلومات مسارات تاريخية وهناك خصائص اجتماعية يجب أن تُدرَس، وأنها ليست هامشية كما كان يُعتقَد. هناك ضباط في الحرس الثوري اليوم يثابرون على محاضرات عنوانها «كيف نَفهم الآخَر؟». لا يتعلق الأمر بدراسات وصفية عن فِرَق السلفية، بل قراءات تأويلية تأريخية.
بعد أن دُشِّن سؤال التاريخ في عقل حزب الله وإيران، فإن الأمر لن يتوقف عند نظريات تطوّر المجتمعات السنية. ستتّسع تلقائياً دائرة الرؤية الأنثربولوجية لتَشمل كل المجتمعات، والأهم مجتمعات الحكومات التي تتآمر علينا، بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
يُضاف إلى إرادة تأويل الآخَر، عنصر حاسم: السمة التوسعية المستجدة. في سوريا بات حزب الله يَخوض معارك على أراضٍ ليست له فيها بيئة حاضنة. في الواقع، إن تأويل الآخَر والسيطرة الميدانية عليه ليسا منفصلَين.
اليوم وأكثر من أي وقت مضى يُدرك حزب الله أن الانتقام لعماد مغنية لا يكون باغتيال زعيم إسرائيلي مهما بلغ شأنه. خلقُ هويات إثنية جديدة داخل المجتمع الإسرائيلي، بواسطة العمل الأمني، وتحويل الحرب الأهلية فيه أمراً واقعاً سيكون انتقاماً لعقل عماد مغنية.
اليوم وأكثر من أي وقت مضى تُدرك إيران أن المليارات التي تبذلها اليوم في سوريا كانت لتُؤتي ثماراً مضاعفة لو استُثمرت في تعزيز التوترات داخل مجتمعات الخصوم.
الإعلام الأميركي مثلاً هو إعلام أمني؛ مدير قناة «سي بي أس»، وليام بايلي، هو أحد الآباء المؤسسين لوكالة الاستخبارات الأميركية. لا تزال التجربة البريطانية هي الرائدة في مجال الإعلام. لا تمكن مقارنة «بي بي سي» بقناة «سي أن أن» مهنياً. لذلك فإن الأميركيين يأخذون معهم البريطانيين في حروبهم كأدلاء إنثربولوجيين يُشيرون إليهم بكيفية تفكيك النسيج الاجتماعي للدول.
■ ■ ■
حرب أوكرانيا تشكِّل مدخلاً أمنياً ــ إنثربولوجياً إلى الاتحاد الأوروبي والتنوُّع الداخلي لدوله؛ إنها فرصة لكثير من المستثمرين. تتشكّل عناصر الهوية الجمعية في معترك حربي. وُلد الشعور الوطني في أوستراليا حين أَرسلت مع نيوزيلاند كتائب الآنزاك «ANZAC» إلى غاليبولي في الحرب العالمية الأولى.
اليوم، هناك بُنية سياسية (الاتحاد الأوروبي) لم تجد هوية تجمع أعضاءَها، وهي بحاجة إلى حرب لتشكيلها. حرب أوكرانيا هي اللحظة المؤسسة للوعي «القاري» الجمعي (القارة الأوروبية). قبل حرب أوكرانيا لم يكن هناك من مجال للحديث عن سرد مشترَك في الاتحاد الأوروبي. في الحرب الأميركية على العراق 2003، أَثبت الاتحاد هشاشة بالغة، فقد ذَهبت دول أوروبا الشرقية إلى الحرب على رغم اعتراض ألمانيا وفرنسا.
لقد أُسّس الاتحاد الأوروبي كي يَمنع حرباً ولن يَستقيم إلا بحرب. كانت نظرية وزير الخارجية الفرنسي آنذاك روبرت تشومان أن من شأن «الاتفاقية الأوروبية للصلب والفحم الحجري» أن تَجعل الصناعة العسكرية في ألمانيا وفرنسا مستحيلةً إلا بالتعاون بينهما، بالتالي تُصبح الحرب بين هاتَين الأمتَين مستحيلة.
ستتكرّر جولات العنف في أوكرانيا مع كل استحقاق. ورغم اتفاق الهدنة فإن المعارك حول مطار دونتسك لم تتوقف، وهناك قتلى بشكل شبه يومي معظمهم من المدنيين. بنود اتفاق مينسك لا تؤدي إلى دولة مستقرة، وقد أَعلن الثوار الروس أن المعركة طويلة لأن كييف تناور كي تَمتنع عن إعادة إعمار دونباس لإذلال الأقلية الروسية.
المهم أن الحرب التي أدّت إلى أكثر من 3000 قتيل وَضعت دول الاتحاد الأوروبي ومواطنيها للمرة الأولى أمام حرب يخوضونها سوياً. كُتب القليل عن كتيبة آزوف، وهي كتيبة من اليمين الأوكراني المتطرف تضمّ الكثير من المقاتلين الأوروبيين الذين حاربوا كمتطوعين إلى جانب القوات الحكومية الأوكرانية في منطقة دونباس الشرقية (المكوّنة من دونتسك ولوغانسك). كتيبة آزوف لا تَلتزم وقف إطلاق النار، بل هي تُطلق النار على مَنْ يَنسحب من المعركة.
يتحدث تقرير لـ«بي بي سي» عن المقاتلين الأجانب ضمن كتيبة آزوف: ضباط وقناصة سابقون في الجيشين السويدي والفرنسي، يمينيون من النروج وفرنسا وإيطاليا ورومانيا وتركيا والشيشان...
بمجيء المقاتلين «الأوروبيين» إلى أوكرانيا للقتال فإنهم يكرِّسون هوية الاتحاد الأوروبي باعتبارها هوية ضد روسية. باراك أوباما وفي كلمة في العاصمة الإستونية أبدى مخاوف من مدّ المشاعر الوطنية التي شَهدتها أوروبا مع بداية الحرب في شرق أوكرانيا «ونحن نَعلم أن جنوحاً أوروبياً كهذا كان خطراً تاريخياً».
أوكرانيا، وأوروبا الشرقية عموماً، هي البرزخ الذي تشكّل بين ثلاثة حواضر: برلين، موسكو، ووارسو. الاندفاع نحو الغرب هو سمة الروس منذ بيتر الأول على الأقل، والاندفاع نحو الشرق هو سمة الألمان منذ حملات التيوتونيين في بولندا والذي تشكّل لاحقاً بمفهوم قَدَري «Drang nach osten». وإنْ كان الدور المحوري لبرلين وموسكو معروفاً، فإن أثر وارسو في تشكيل أوروبا الشرقية يبقى مغموراً. إن تأسيس القوة العسكرية البولندية ــ الأوكرانية ــ الليتوانية (4500 جندي) الشهر الماضي إثر توقيع اتفاق الهدنة مع الأقلية الروسية يُعيد إلى المنطقة فكرة الكومونولث البولندي ــ الليتواني.
يَعتبر البعض أن أوكرانيا ليست أكثر من الجزء الروسي الذي خَضع يوماً لبولندا. ولكن بعد ذلك وعلى مدى ثلاثة قرون اختفت بولندا (بعد تقاسمها بين بروسيا والنمسا وروسيا)، وبقيت برلين وموسكو الفاعلَين الوحيدَين تقريباً في أوروبا الشرقية. كان لافتاً تحذيرُ الرئيس البولندي السابق ليش فاليسا من أن تسليح أوكرانيا سيؤدي إلى حرب نووية مع روسيا، ولكنه في المقابل (وهو الحائز نوبل للسلام) دعا الناتو إلى تزويد بولندا بالأسلحة النووية للحدّ من نفوذ روسيا في أوروبا الشرقية. تَنبش حرب أوكرانيا هويات وذاكرات أوروبية مندثرة، وتُعيد صياغتها وفق أجندات جديدة.
كان الاتجاه الطبيعي للبيئات المعادية لروسيا في أوروبا الشرقية هو برلين، حتى لو كانت برلين النازية. لذلك فإن اليمين المتطرف الأوكراني يَختلف جوهرياً عن اليمين المتطرف في أنحاء أوروبا. اليمين المتطرف الأوكراني ليس فاشياً بل هو نازي، لا يُعلي من شأن المحلي كما هي حال باقي الفاشيات بل يُظهِر ولاءه المطلق للغرب، ويتطرّف في الدعوة إلى تعميق الوحدة الأوروبية. باقي تنظيمات اليمين في القارة تُسيّر تظاهرات ضد الاتحاد الأوروبي «Euro-skepticism».
تَشهد هذه البيئات المعادية لروسيا تاريخياً انتشاراً واسعاً للتبشير الإنجيلي. الرئيس الأوكراني الانتقالي أولكسندر تورتشينوف هو راعي الكنيسة المعمدانية، والرئيس المقدوني الحالي بروتستانتي كذلك. نحن نتحدث عن قلاع أرثوذكسية تاريخياً. وحول العالم فإن المتحولين إلى الإنجيلية يتميّزون بتشدّدهم الديني. خلال معارك شرق أوكرانيا، أَوردت «رويترز» أن المسلحين الروس اختطفوا أربعة من الإنجيليين بعد خروجهم من الكنيسة وقتلوهم بعد تعذيبهم. كان لافتاً تصريح رئيس جمهورية دونتسك الشعبية ألكسندر زاخارتشنكو بأن الروس يُقاتلون دفاعاً عن لغتهم وعن حرية ممارسة شعائرهم الدينية.
هناك فيديو لأحد قياديي اليمين المتطرف الأوكراني يُقاتل في الشيشان ضد روسيا، ويَهتف الله أكبر. بالمناسبة، فإن الفاشية الكرواتية «Ustase» بدورها كانت متطرفة ضد روسيا والأرثوذكسية ولكنها قَبلت المسلمين في صفوفها. حين كان الغرب يُخيَّر بين الإسلام وروسيا، كان يفضّل الإسلام، بدءاً من حرب القرم وليس انتهاء بحروب البلقان.

خصي العقل الألماني

مقابل احتدام الأسئلة في جبهة أوكرانيا، هناك ضمور في الهوية في برلين.
بُعيد الحرب العالمية الثانية بدأت عملية طويلة يمكن تسميتها «خصي العقل الألماني». في أقسام الفلسفة الأميركية اتُّهم العقل الألماني بأنه فاشي بطبعه؛ شَمل هذا الاتهام كل القارة الأوروبية لاحقاً. باتت أوروبا تُسمى «القارة».
عام 1947 مَنعت سلطات الاحتلال الأميركية في ألمانيا مجلة أدبية «Der Ruf» من الصدور، رغم أن هدفها المعلَن كان «تعليم» الشعب الألماني قيم الديمقراطية. السبب الذي أَوردته سلطات الاحتلال لمنع طباعة المجلة كان لافتاً: إنها عدمية للغاية. كان الأميركيون يَعتبرون أن إرث نيتشه العدمي أَوصل إلى النازية. يُمكن لأي شخص في العالم الاحتفاء بنيتشه إلا الألمان. تم اختصار ألمانيا إلى مناقشة تاريخ النازية والخلافات حوله «Historikerstreit»؛ أو «الماضي الذي لا يَمضي»، بحسب تعبير آرنست نولته.
لقد بات كل ألماني مُهاجَساً بطبيعته الفاشية، ويَخشى دائماً عودتها. يورغن هابرماس كان واضحاً «علينا أن نَسير خلف الولايات المتحدة، حتى في مغامرة أسطورية كحرب النجوم». الضمانة الوحيدة للألماني كي لا يرتدّ إلى الفاشية هي ولاؤه للولايات المتحدة.
في وقت كانت الطبقة السياسية الألمانية تَرفض الحرب الأميركية على العراق 2003، كانت الاستخبارات الألمانية تُرسل المعلومات التي يريدها البنتاغون الأميركي؛ بمعنى أن ولاء الاستخبارات الألمانية هو لواشنطن وليس لبرلين.
تمكّنت ألمانيا من صناعة الرفاه الاقتصادي بفضل الغطاء العسكري والأمني الأميركي الذي وفّر عليها الإنفاق الجدي في هذين المجالَين. انعكس ذلك تقريراً لـ«دير شبيغل» صدر أخيراً: الطائرات الحربية الألمانية لا تَطير. تقول المجلة إن سلاح الجو الألماني أضعف مما كان يُعتقَد، وإن الأزمة المالية تَعني أن أسراباً من الطائرات لن تكون قابلة للتشغيل بسبب نقص في قطع الغيار.
هكذا، فإن استمرار الحرب في أوكرانيا يعزّز مكانتها في عقل القارة الأوروبية؛ وإذا امتدت الحرب جغرافياً فإن «قاطرة الاتحاد الاقتصادية» (ألمانيا) لن تَعمل في بيئة غير مستقرة، وستَفقد مركزيتها.
مما تقدّم نَعرف أن لدى أوكرانيا فرصة أن تَحتضن مراسم ولادة الهوية القارية (الأوروبية). لكن هذه الهوية تبقى احتمالاً معلقاً ما لم يَعمل طرفٌ فاعل على رسمها واقعاً.
يمكن لروسيا (وأيضاً لإيران) أن تشكِّل مجموعة يمينة أوكرانية متطرفة تبدأ بمحاربة الروس وتَنتهي بتصفية المختلفين عنها داخل الاتحاد الأوروبي. يمين يتطرّف في دعوته إلى الوحدة الأوروبية، بحيث تصبح عبئاً على مَنْ أَسّسوا الاتحاد. الأمر شبيه بابتكار بريطانيا للوهابية: حركة إسلامية متطرفة ضد «القيم الغربية»، باسم الإسلام تُنهِك المسلمين وتَجعلهم يَجدون في ما يُسمى الغرب خلاصاً لهم.
الأرضية الاجتماعية السياسية في أوكرانيا جاهزة لتوجه كهذا، خصوصاً مع وجود كتيبة آزوف.
بالمناسبة، اللعب في نسيج ألمانيا وفرنسا وبريطانيا هو لعبٌ في نسيج الولايات المتحدة الإثني، فالإثنيات الألمانية والبريطانية والآيرلندية هي الكبرى في الولايات المتحدة، إضافة إلى الشعور الوطني الفرنسي في منطقة كيبك الكندية؛ وبالتالي فإن العمل في أوروبا هو عملٌ في أميركا الشمالية.
■ ■ ■
بمعنى ما، كل الحروب هي حروب أهلية، وغير مشروعة في جوهرها. لذلك أنحاز إلى النظرية البريطانية عندما يتعلق الأمر بفلسفة الحرب وليس الألمانية. وحين نَكتب نقداً للاستعمار، فلكي نَحتفي بعبقريته، بالتقدم الحضاري الهائل الذي حقّقه الاستعمار خلال مدة وجيزة؛ ننقده لكي نَبتكر ما هو أكثر تطوراً لا لننسفه؛ تجربة الاستعمار تركّزت في النهاية في واشنطن: المدينة الأكثر مجداً في التاريخ، وستكون مدينتنا. إنها رؤية آلاريك ملك القوط الغربيين حين اجتاح روما بعيداً من رؤية هنيبعل السطحية.
* باحث لبناني