أفرطت الصحف العربية، خصوصاً اللبنانية ومنها «السفير» لسبب ما، في الثناء على الجامعة الأميركيّة وعلى دورها في عيدها الخمسين بعد المئة. لكن المزعج في كل الإشادات بالجامعة الأميركيّة في بيروت أنهم في كلّ مرّة يقحمون اسم جورج حبش في الأمر كأنه هو نتاج للجامعة، أو كأن للجامعة فضلاً على نضالات جورج حبش العظيم وعلى جهوده في تحرير فلسطين وفي تثوير الوضع العربي برمّته. هم يوحون أن الجامعة الأميركيّة في بيروت هي التي علّمت جورج حبش حب فلسطين. والتهليل للجامعة الأميركيّة في بيروت هو جزء من احتفال الجامعة بنفسها: وما فقدته الجامعة في الإنتاج العلمي والبريق في الصيت عوضّته في العلاقات العامّة والدعاية الذاتيّة الخالية المضمون. والجامعة عملت على مرّ السنوات على فرض سرديّة واحدة مُوحّدة عن نفسها، على أنها خليفة لأم الشرائع وأنها منارة الشرق وأنها عطيّة الرجل الأبيض لنا، من دون مقابل. لكن هذه الاحتفاليّة تحتاج إلى بعض من التمحيص.

الثناء على الجامعة الأميركيّة (التي تنفق مبالغ طائلة في الترويج لنفسها في العالم العربي وفي أميركا) من تقاليد الجامعة نفسها. هي في الشرق تقول عن نفسها إنها منارة وواحة تنوير ونقطة ضوء، وغير ذلك من كلام لا يعني شيئاً محدّداً، لكنها في أميركا (خصوصاً في جلسات الاستماع في الكونغرس) تقول شيئاً مختلفاً كليّاً. هاكم (وهاكن) رئيس الجامعة السابق، بيتر دورمان، يقول في شهادة له أمام الكونغرس عن دور الجامعة الأميركيّة: «نحن مصدر معلومات لصانعي القرار في واشنطن» (راجع النص الكامل للكلمة في مجلّة «مين غيت»، عدد الربيع ٢٠١٢). من المُستبعد أن تقوم الجامعة بالترويج لنفسها بهذه الطريقة باللغة العربيّة، وللجمهور العربي. لا، في اللغة العربيّة هم يقولون: نحن أنتجنا لكم جورج حبش، كأن الفلسطينيّين الذين تخرّجوا من جامعات لبنان الرسميّة أو من جامعات عربيّة، أو الفلسطينيّين الذين لم يتخرّجوا من جامعة، لم يكونوا متعلّقين بقضيّة فلسطين.

الكتابات عن
الجامعة في الإعلام
العربي كانت أشبه
بإعلانات

والكتابات عن الجامعة في الإعلام العربي كانت أشبه بإعلانات من قبل المكتب الإعلامي للجامعة. سمير عطالله في «النهار» (قي مقالة بعنوان «سيري فعيْن الله ترعاك»، أي ان الجامعة تحظى بالبركة الدينيّة) يُعدّد، كما هو مألوف في حالات كهذه، خرّيجي الجامعة المعروفين، وينوّه بصورة خاصّة بالخرّيجيْن ألبرت حوراني وجرجي زيدان. فات عطاالله أن ألبرت حوراني لم يدرس يوماً في الجامعة الأميركيّة في بيروت، بل هو درس في كليّة مجدولين في جامعة أوكسفورد (بالمناسبة، لم يحمل حوراني شهادة الدكتوراه، لكن هذا لم يكن عائقاً امام تفوّقه الأكاديمي، وأصبح أستاذاً في كليّة سانت أنتوني في أكسفورد بعد تخرّجه — لم تكن الشهادات بذات الأهميّة آنذاك، وكان المرء يستطيع ان يراكم المعرفة والعلوم من دون دَكْتَرة). أما جرجي زيدان، فكان المثال الخاطئ في تصنيف عطالله، فقد طُرد من الجامعة الأميركيّة الرجعيّة لأنه ناصر الأستاذ لويس في قضيّة داروين الشهيرة (التي كتب عنها شفيق جحا كتاب «داروين وأزمة ١٨٨٢»)، إذ أن القساوسة منعوا تدريس داروين واعتبروا نظريّاته من الكفريّات. قصّة جرجي زيدان وغيره من المطرودين في تاريخ الجامعة يُظهر الجانب الآخر من الجامعة التي قلّما يُتطرَّق إليه في الصحافة العربيّة. نجحت الجامعة الأميركيّة في جعل اسمها رمز للتنوير والحريّات الأكاديميّة، وهي لم تكن إلّا عكس ذلك.
لنرجع إلى الأصول. يذكر الكتّاب عن تاريخ الجامعة وعيدها أنها —لطيبة قلبها— تخلّت عن المهمّة التبشيريّة التنصيريّة. لكن التخلّي عن التبشير لم يكن إلا نتيجة الفشل الذريع فيه، ولأن المسلمين والمسلمات توجّسوا من الجامعة عندما كانت تجاهر بمحاولتها تنصير المسلمين. وعندما تنصّر مسلم من رأس بيروت (كامل عيتاني) في التاريخ المُبكّر للجامعة، روّج له المؤسّسون الأوائل، وكتب عنه هنري جيسيب (الذي له كتابات عنصريّة ضد العرب والمسلمين) كتاباً بعنوان «كامل: مُسلم تنصّر»، لكن الكتاب يوحي ان هؤلاء المُبشّرين تسبّبوا في قتله، عندما فرضوا عليه التبشير بالدين المسيحي في المقاهي الشعبيّة في شهر رمضان (يزعم جيسب انه مات مسموماً، لكنه لا يقدّم أي دليل، وليس هناك من معلومات عن مصيره). والتخلّي عن التبشير القسري كان نتيجة مباشرة لاحتجاجات طلابيّة على مدى سنوات من قبل الطلاّب اليهود والمسلمين فيها. وهذه كانت فحوى قضيّة العام ١٠٠٩ الشهيرة. حينها، كان عدد الطلاّب ٨٧٦، وبينهم ١٢٨ من المسلمين و٨٨ من اليهود. وتروي الزميلة بتي اندرسون (التي كتبت تاريخ الجامعة وقضت ساعات في مكتبتها تبحث في أرشيفها وفي مطبوعات الجامعة) أن الجامعة ردّت في بداية الفصل الدارسي على اعتراضات التلاميذ المسلمين واليهود على فروض المواد التنصيريّة بإعلان رسمي أنه من المستحيل «عزل تدريب الشخصيّة (التنشئة) من الإلهام الديني، وإيمان الكليّة بأن الدين المسيحي هو أفضل مَن ينمّي الشخصيّة، مع تأكيد المضي في تدريس الدين المسيحي في المنهج والإصرار على الحضور المُتوجّب في الكنيسة» (بتي أندرسون، «الجامعة الأميركيّة في بيروت: القوميّة العربيّة والتعليم الليبرالي»، ص. ٨٥). والطريف أنّ الجامعة التي تصرّ على ربط الدين بالتنشئة الأخلاقيّة رفضت طلباً من الطلاب المسلمين لإنشاء اتحاد طلابي إسلامي بحجّة رفض التنظيم ذي التوجّه الديني بوجود «جمعيّة الشبّان المسيحيّين» («واي. إم. سي. إي»)، والتي أُلقيَ على عاتقها مهمّة التبشير بالدين المسيحي بعد ثورة الطلاب غير المسيحيّين ضد فرض الدروس الدينيّة. ولقد ألحّ الطلاب المسلمون على إدارة الجامعة فقط من أجل ان يُسمح لهم بحضور صلاة في جامع قريب. لكن الأمور تعقّدت بعد إلقاء خطبة لقسّيس جاء فيها «نحن المسيحيّين محاطون بجدران عظيمة من الأعداء، المسلمون وغيرهم... هم يتربّصون بنا كي يلتهموننا». هذا ما أدّى إلى حملة اعتراض واحتجاج من قبل طلاب يهود ومسلمين متحدين ضد التعصّب الديني والتنصير الإجباري من قبل القيّمين على الجامعة. وهذه كانت بدايات التحوّل الذي أجبر الجامعة على التخلّي العلني المفروض عن سياسات ومناهج التنصير.
لكن النظرة التبشيريّة لم تكن منفصلة عن النظرة الاستشراقيّة الاستعماريّة التقليديّة. يقول المؤرّخ أسامة المقدسي في كتابه «مدافع الجنّة» إن «فكرة المُبشّرين (المسيحيّين) كرُوّاد تطلّبت النظرة إلى الإمبراطوريّة العثمانيّة كأسطورة التخوم الأميركيّة، كبلاد شبه بربريّة بحاجة إلى الاستعمار والتنوير على أيدي الفرديّة الأميركيّة الوعرة» (ص. ٢١٥). أما رئيس الجامعة، هوارد بلس (والذي لا يزال اسمه يزيّن شارعاً أساسياً في بيروت، كما لو أن إسم ونستن تشرشل سيزيّن شارعاً في القدس المُحرّرة)، فنقلت عنه بتي اندرسون كلامه في خطبة ألقاها في ١٩١٩عن الشعب «السوري»: إنهم أذكياء، قادرون، مضيافون، ومحبوبون لكنهم، بالإضافة إلى النواقص الحتميّة لعرق طال قمعه —مثل الخجل، وحب الإطراء، والمواربة، يعانون أيضاً من نواقص شعب يواجه نتائج الحضارة من دون المرور في مسيرة الحضارة. إنهم يفتقرون إلى التوازن، ويُثبَط عزمهم بسهولة، ويفتقرون إلى الإنصاف السياسي، ولا يتبيّن لهم بسهولة حدود حقوقهم. لهذا، يجب التعامل معهم بتعاطف، وحزم وصبر» (ص. ١٨-١٩).
الكتابات عن
الجامعة في الإعلام
العربي كانت أشبه
بإعلانات

لكن الإصرار على مهمّة التبشير كانت أساسيّة في مهمة الجامعة لسببيْن: الأوّل عقائديّ والثاني كان ماليّاً. كان المؤسّسون الأوائل يختلقون قصص تنصير ويرسلونها إلى إدارة جمعيّة المبشّرين في أميركا من أجل ان يستمر العون المادي. وهنري جسب كاد ان يزعم ان الشيخ المعروف يوسف الأسير، الذي يُطمس دوره في ترجمة «الإنجيل» وفي خبريّة «النهضة»، تأثّر بالتنصير («ثلاثة وخمسون سنة في سوريا»، ص. ١٤٥). وكان ستيفن بنروز يردّد حكايات مهينة عن المسلمين، وعندما سأله عمر فرّوخ عن مصدرها قال له إنه سمعها بالتواتر (عمر فرّوخ ومصطفى خالدي، «التبشير والاستعمار في البلاد العربيّة»، ص ١٠٤-١٠٥). لكن التنصير تغيّرت أطواره في الجامعة، ليس فقط عبر «جمعيّة المسيحيّين» بل أيضاً عبر أفراد في الهيئة التعليميّة. وكان شارل مالك يَحثّ المسلمين على التنصّر في صفوفه وخارجها (نجح في حالة الأب عفيف عسيران وأستاذ الفلسفة ماجد فخري)، ويُصرّ على أن الحقيقة هي واحدة، وأنها تتجلّى في الدين المسيحي. لو أن أستاذاً مُسلماً حثّ تلاميذه على اعتناق الإسلام في أي جامعة أميركيّة حول العالم، لتعرّض للفصل الفوري، وربّما -في هذه الأجواء المشحونة- وجد نفسه في غوانتنامو.
نحتاج إلى تأريخ جديد لدور الجامعة الأميركيّة في بيروت ولدورها في ما سُمي حنيناً بظاهرة رأس بيروت، أي تلك الواحة من التسامح والليبراليّة والحريّة في صحراء «التخلّف العربي». لكن القول إن الجامعة الأميركيّة هي التي أنتجت المحلّة المُنفتحة نسبيّاً هو مثل القول إن الجامعة أنتجت صنع الفول والحمّص في مطاعم شارع بلِس، أو انها ابتكرت سندويشات «مرّوش» في المنطقة. على العكس، إن بيئة الجامعة هي التي أثّرت عليها إيجاباً وحدّت من جشعها التبشيري والاستعماري. لم تضعف النوايا الاستعماريّة للجامعة عبر العقود، حتى (أو خصوصاً) بعد الحدّ من الدور التبشيري للجامعة نتيجة ثورة الطلاب غير المسيحيّين. والجامعة في حقبة الحرب الباردة كانت ناشطة في التبشير السياسي وفي فرض أجواء رجعيّة يمينيّة بين الطلاب. وكان العمل الطلابي مُعرّضاً دوماً للتدخّل المباشر من قبل إدارة الجامعة، وعاملت إدارة الجامعة شرطة مخفر حبيش على أنها خاصة بالجامعة لتأديب الطلاب (تعرّض الكثير منهم في السيتنيات والسبعينيات إلى التعذيب).
إن تجربة واحة رأس بيروت حدثت عرضاً في تاريخ الجامعة بسبب تجمّع عدد هائل من الطلاب العرب، ومن مختلف الأقطار العربيّة. تلاقح كل هؤلاء وتبادلوا الأفكار وتنظّموا وتجنّدوا على أطراف الجامعة، وليس في صفوفها. على العكس، كان هناك نفور بين الفكر التقدّمي الذي حمله عدد كبير من الطلاب وبين الفكر الرجعي الذي كان يُدرّس، ولا يزال في عدد من الأقسام في الجامعة. الفضل في تجربة الجو الليبرالي (غير الوهّابي) لمحلّة رأس بيروت يرجع لتجربة معيوشة من القوميّة العربيّة: إنها تجربة إقامة مخيّم شبه أكاديمي لطلاب عرب. إن تأريخ دور الجامعة الأميركيّة في بيروت في النصف الثاني من القرن العشرين يتضمّن دوماً تطرّقاً إلى دور مطعم «فيصل» في جذب التلاميذ وفي احتضان حلقات نقاش سياسي. وعليه، إن دور مطعم «فيصل» يفوق دور الجامعة من حيث ضخ روح قوميّة علمانيّة وحدويّة متسامحة في المنطقة التي وجدت فيها الجامعة صدفة. ويمكن هنا المقارنة بين الجامعة الأميركيّة في بيروت والجامعة اليسوعيّة فيها: الأولى كانت مؤسّسة تدريب النخب العربيّة، بينما كانت الثانية متخصّصة في تدريب النخب اللبنانيّة (المسيحيّة، حصراً مع بعض الاستثناءات). لكن منطقة الجامعة اليسوعيّة لم تتحوّل إلى ما تحوّلت عليه رأس بيروت، لأن الجامعة اليسوعيّة لم تستقطب طلاّباً عرباً من مختلف الأقطار كي يسبغوا على أجوائها ما كان يعتمر في رؤوسهم من فكر تقدّمي وتحرّري وعلماني متسامِح، ولم يكن في جسمها الطلابي قسم فلسطيني ناشط... لكن هناك عامل سياسي آخر لا علاقة للجامعة به.
يجب التنويه هنا بدور الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي نشط في الجامعة الأميركيّة مُبكِّراً ونادى بالوحدة (الشاميّة) والتحرّر، لكنه - بالأهميّة نفسها - نادى وكرّس الفكر والممارسة العلمانيّة في الحياة الجامعيّة والخاصّة لأعضائه، وأثّر على أجواء رأس بيروت. وكان عدد من الأستاذة والطلاب من الناشطين والناشطات في الحزب، كما ان الحزب تمتّع على مرّ العقود بنفوذ قويّ في منطقة رأس بيروت، ما حصّن المنطقة ضد تسرّب الفكر الطائفي الإسلامي أو المسيحي. أما منطقة الجامعة اليسوعيّة فقد كانت معقلاً لحزب الكتائب وباقي أفكار حركات اليمين الرجعي الطائفي، ما لم يضفِ إلى المنطقة الحاضنة للجامعة تلك المسحة التي طبعت منطقة رأس بيروت. لو أن الحزب السائد في منطقة رأس بيروت كان «النجّادة» أو «الكتائب» لكان طابع المنطقة مختلف تماماً. هذه هي أسباب طابع رأس بيروت الخاص: هو أثّر على أجواء الجامعة لا العكس.
وهناك عوامل أخرى ساهمت في إضفاء طابع مختلف وهادئ على رأس بيروت: إن التفاعل بين الطلاب العرب في مرحلة العلمانيّة، وضخ المنطقة بأفكار المرحلة السائدة، ساهم أيضاً في هذا المناخ المريح. لكن الفكر البروتستانتي غير المُرتبط بكنيسة رجعيّة أو سلطة دينيّة رجعيّة منع المنطقة من التحوّل إلى معقل رجعي ديني على غرار مناطق أخرى في لبنان. لكن الفكر البروتستانتي وحده لم يكن عاملاً فاعلاً في المناخ الليبرالي: لقد تأسست الجامعة كليّةً بروتستانتيّة رجعيّة ومعادية لفكر التنوير. وفضيحة الأستاذ لويس ونظريّة داروين شهدت نزاعاً بين طلاب عرب متنوّرين (مع كورنليوس فان دايك) وبين إدارة الكليّة الرجعيّة المعادية للتنوير. وأدّى النزاع إلى فصل جرجي زيدان وصحبه، وهجر الجامعة عدد من الطلاب الذين خاب ظنّهم في إمكانيّة التعايش بين التعليم في الجامعة واعتناق الفكر العلمي التنويري. ولم تكن تلك المرّة الوحيدة التي تلجأ فيها الجامعة إلى فصل طلاب بناء على معتقداتهم، هذه هي الجامعة التي تستفيض الصحف اللبنانيّة في الثناء على دورها في نشر حريّة الرأي والمعتقد فيما هي حاولت على مدى عقود فرض معتقد ديني واحد، ومنعت حريّة التعبير عن طلابها وعن أساتذتها (استمرّت الجامعة في معاقبة أساتذة على أفكارهم ومناصرتهم للمقاومة الفلسطينيّة حتى سنة الحرب الأهليّة، عندما فقدت الإدارة القدرة على القمع، وعندما غاب الناظر الأميركي الأبيض عن حرم الجامعة). والإشادات بتاريخ الجامعة ودورها تناست طرد أكثر من ١٠٣ طلّاب في عام ١٩٧٤ بسبب نشاطاتهم المناصرة للقضيّة الفلسطينيّة.
لكن نشر العلوم من خلال الجامعة ساهم في نشر فكر العلم المعادي للنظريّات الدينيّة. وهذا الفكر الذي يؤدّي إلى التشكيك الديني قلّل من إمكانيّة فرض أجندة دينيّة في مساحة صغيرة يكثر فيها أصحاب شهادات في العلوم (يزيد عدد الملاحدة بين العلماء - والعلماء هنا من العلوم وليس من «العلم الديني»). وفكر التشكيك حمله الطلاب العرب في الجامعة وأخذوه على محمل الجدّ، خلافاً من القساوسة الذين حاربوا الفكر التنويري. أي أنّ الفضل في التنوير يعود إلى الطلاب العرب وليس للقساوسة الأميركيّين الذين ما رضخوا لأجواء التنوير إلّا مرغمين.
ولا يمكن الكتابة عن تاريخ الجامعة وعن بيئة رأس بيروت من دون الإشادة والتنوير بدور الفلسطينيّين والفلسطينيّات داخل الجامعة وخارج أسوارها. هؤلاء هم الذين أدخلوا الفكر الثوري والتقدّمي إلى الحياة الجامعيّة فيها، وهم الذين أسهموا في بناء ثقافة في منطقة رأس بيروت من خلال المدارس والمتاجر. هذا إسهام فلسطيني آخر مجهول في الحياة الثقافيّة والسياسيّة في لبنان، أي أن جورج حبش هو الذي أثرى الجامعة الأميركيّة وأغنى جوّها الثقافي، وليس العكس.
ليس للجامعة فضل البتّة على جورج حبش، وليست ثوريّة الرجل وتفانيه في خدمة القضيّة الفلسطينيّة والثورة العربيّة نتاج سنوات دراسته في الجامعة. على العكس، تعرّض حبش للقمع في سنوات الدراسة من سلطة الدولة اللبنانيّة ومن إدارة الجامعة التي كانت ترصد تلاميذها كالأطفال. أصبح حبش ثوريّاً ليس بفضل الجامعة وإنما بالرغم منها. وحكاية إدراج اسم حبش في كل مقالة عن الجامعة فيها من الإطراء على دور الجامعة ما لا تستحقّه. مقابل كل حالة نادرة مثل جورج حبش، هناك حالات بالآلاف لأشخاص مثل فؤاد السنيورة ووليد جنبلاط وزلماي خليل زاد وغيرهم ممن يدخلون الجامعة بأفكار تقدميّة ويخرجون منها بأفكار رجعيّة. حبش كان الاستثناء، فيما كان السنيورة وجنبلاط وميقاتي وزلماي خليل زاد واشرف غاني هم القاعدة. الجامعة فقدت دور تخريج النخب لأن هذا الدور بات مملوكاً من جامعات خليجيّة وأميركيّة وبريطانيّة. خبا دور الجامعة وبات إنتاج الأساطير عن «الزمن الجميل» تعويضاً عن فقدان الدور المؤثّر.
يكتنف تاريخ الجامعة، وتأريخها، أساطير حاكتها إدارة الجامعة ومكتبها الإعلامي عبر العقود، بالإضافة إلى مساهمة جريدة «النهار» في خدمة دور الجامعة. ويساهم في نشر هذه الأساطير مجموعة كبيرة من المتطوّعين الذين بحكم موقعهم النخبوي الطبقي والاجتماعي يشعرون بامتنان لشهاداتهم، كأن الجامعة هي ضامنة للتقدّم الفردي على أساس من العدل الاجتماعي. إن النخبة تعيد تدوير نفسها، وهي تريد من الجامعة ان تبقى عاملة على إنتاج نخب جديدة. هذا يفسّر كيف ان رفيق الحريري وورثته ساهموا في تقديم تبرّعات سخيّة إلى الجامعة مع أن الحريري درس في (ولم يتخرّج من) الجامعة العربيّة في بيروت، التي أريدَ لها ان تكون فكرة رائعة وجامعة لكل العالم العربي، وبصرف النظر عن الخلفيّة الطبقيّة.
إن حكاية الجامعة الأميركيّة في بيروت هي حكاية محاولة استعماريّة تبشيريّة لقولبة وتغيير الإنسان العربي. كان المُراد تصدير التصنيع الأميركي للشباب من أجل نشر التعاليم والقيم الأميركيّة للأمبراطوريّة. لكن التجربة باءت بالفشل، إلا إذا ساوينا بين النخب وبين العامّة في الشرق العربي. وبعض الشباب العربي لا يحتاج لتنشئة من الجامعة الأميركيّة كي يلهج بحمد الإمبراطوريّة: الدين الخليجي الحاكم يفعل ذلك بلغة عربيّة. لكن الجامعة باتت مجرّد صدى لتاريخ من تدريب النخب العربيّة... فلتكتفِ بالحنين إلى ماضٍ أكثر استعماريّة وتبشيريّة... لكنه لن يعود.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)