ظهرت في الأيام الماضية تقارير تزعم بأن مصر تسلّمت أنظمة «أس ــ 300» للدفاع الجوي من روسيا، ثم حصل نفيٌ للخبر. العنصر الذي لم يجرِ التركيز عليه هو أن التدريبات المصرية الأخيرة أثبتت أن روسيا أجرت بالفعل تحديثات مهمة على أنظمة مصرية مختلفة؛ فظهرت بطاريات الـ»تور» ـــ وهو نظام حديث للدفاع الجوي القريب ــ والـ»البوك»، المتوسط المدى، برادارات جديدة متقدّمة، تدلّ على أنها صارت بمستوى النسخ الروسية الأحدث.


الدّفاع الجوي هو من المجالات القليلة التي شهدت استمراراً للتعاون العسكري بين روسيا ومصر، بعد الاستدارة الساداتية في السبعينيات؛ وكان ذلك اضطراراً، فالبديل هو أن تظلّ سماء مصر بلا حماية. استعان الجيش المصري بروسيا لتحديث انظمته السوفياتية القديمة، ثم اشترى منها أسلحة جديدة (كالـ»بوك» والـ»تور») في السنوات الماضية، لأن الموازي الاميركي باهظ الثمن وتعرقله عوائق سياسية، وهو لا يوافق حاجات بلد كمصر ـــ الأنظمة الاميركية، مثلاً، غير متحرّكة، وأكثرها صمّم في الأصل حتى يوضع على قطعٍ بحرية، فالعقيدة الاميركية ترتكز على التفوق الجوي لا المضادات الأرضية.
دخول مصر تحت المظلة العسكرية الأميركية كان في عمقه قرارا سياسياً واعياً بالخروج من سباق التسلح في المنطقة والكفّ عن محاولة بناء جيشٍ فاعل يمكن أن ينافس ويحمي مشروعاً وطنياً. والمخططون الاميركيون ضغطوا على العسكريين المصريين باستمرار لمزيد من تقليص العديد، ووضع دبابات وطائرات أكثر في التقاعد، واتمام تحويل القوات المسلحة المصرية الى «جيش غربي رشيق» ـــ ولا يمثل اي قلقٍ لاسرائيل.
يكفي كمثالٍ على التسليح الغربي المدروس، بدقة، للحفاظ على الدونية العربية، مراقبة القوة الجوية المصرية التي بنتها اميركا. الى اليوم، طائرات الـ»اف-16» المصرية تسلّحها صواريخ «سبارو»، وممنوع عليها الجيل الجديد، «امرام» (وهو يجهّز حلفاء اميركا منذ التسعينيات، وقد صار في نسخته الرابعة). والجيل الجديد يصمّم تحديداً لاقصاء تكنولوجيا الجيل الذي سبقه من المنافسة. مع الـ»سبارو»، مثلاً، يضطر الطيار لابقاء الرادار موجها على عدوه طوال فترة الاشتباك، وهو عين الانتحار في وجه من يملك الـ»امرام».
الهم الأول للداعم الأميركي من خلال «تغريب» الجيش لم يكن بناء قوة محاربة فاعلة، بل تأمين اختراق غربي للمؤسسة العسكرية ورتبها العليا، وتحويلها الى عامل ضامنٍ في المعادلة السياسية المصرية. من غير المستغرب هنا أن يواجه جيش بلا عقيدة قتالية واضحة صعوبات جمّة في مواجهة تنظيمات جهادية صغيرة، ولكنها تملك تدريبا وعقيدة وتسليحا مناسباً. ولا حاجة هنا لعقد مقارنات مع المحيط الاقليمي (الذي يفترض به أن يكون الهم الأساس لدولة بحجم مصر)، فبينما ما زال المصريون يتفاوضون على الـ»امرام»، ستتضمن دفعة الانتاج التالية لمقاتلة الجيل الرابع، «اف ــ 35» الخفيّة، أوّل نموذجين لاسرائيل.