ما الذي يحصل؟ رفع وزير الحرب الصهيوني يعلون من صوته وتوجّه إلى ليفني: أنتم من يشجع أولئك على التمادي. جدعون ليفي يجب إيقافه عن تلك المقالات التي تصفنا بالمتوحشين... إنهم يقوضون الأمن هل نقابلهم بالورود؟ والتفت إلى رئيس وزرائه الذي صعد منصة الوعيد ليحسم ضجيج الأصوات بكلمات انتظرها وزير الأمن الداخلي اسحاق اهرونفيتش: «لكل أولئك الذين يتظاهرون ويطلقون الهتافات تنديداً بدولة إسرائيل وتأييداً للدولة الفلسطينية أقول لهم أمراً بسيطاً: أنتم مدعوون للانتقال إلى هناك. إلى السلطة الفلسطينية أو إلى غزة».


النار في عقر الكنيست

«لم يعد فتيل البرميل المتأهب للانفجار على بعد أمتار إنه في قلب الكنيست»، كما وصف وزير الاقتصاد نفتالي بينت. والأخير إن لدغه عسيس النار فإنه يتحسس تردي الوضع الاقتصادي المفتوح على تظاهرات قد تعيد تلك الصورة التي شكلت رعباً حين غاصت شوارع «تل أبيب» بالمتظاهرين، إلا أن مكابرة نتنياهو وتناقضاته في تصريحات شبه يوميه وخصوصاً بعد اجتماعه السري مع الملك الأردني عبد الله (الذي «أبدى انزعاجه» من التطورات في القدس) تغطي على أي شيء آخر. «لا حجيج إلى القدس»، «لا تقاسم مكانياً وزمانياً في الحرم»، مجرد كلمات تعصف بها التطورات المتلاحقة المزنرة بغضب امتد إلى الجليل لتفتتح «كفر كنا» الثائرة مشهداً يوازي ما يحصل في القدس وإن بدا متقطعاً.
صاحب الإرث المثقل بالخسائر والانفلاشات التحالفية يبدو كمن دخل في زجاجة، فتصريحات وزير إسكانه الصهيوني اوري ارئيل (أطلب من رئيس الوزراء أن يطلق أيدي قوات الأمن المكبلة كي تحطم رأس الأفعى) دفعت سيل الأصوات لتحاصره، فبدا كمن يطفئ الحرائق لكن من دون مطفأة تسعفه. فعمير بيرتس ينتقده على القناة الثانية الصهيونية ويهدد باستقالته، لينتقل إلى قيادة حزب جديد أو رئاسة تحوم فوق رأسه لذكريات خلت...
وزير المالية يائير لبيد وكمن يتحسس رأسه، مال إلى زميله ليبرمان وقذف بكلماته: «قد يكون للحماسة مكسب سياسي ولكن الثمن سندفعه جميعنا».
اللهيب الذي يراه نتنياهو يحاصر حكومته استشعر به الحارس الليلي ليبرمان الذي لم يعد مكان ثقة عند المهاجرين الذين صدقوا وعوده الانتخابية وبهدوء ينعمون به، فتحسس رأسه وبيته الحزبي الذي غدا بلا أثاث يؤهله ليقفز مرة أخرى للأحزاب المنافسة. وبدهاء العارف مدّ نتنياهو يده مرة أخرى لليبرمان كي يهدئا الأجواء، ما جعل صحافيين في «هآرتس» يتحدثون عن تحالفات الضرورة بين رأسي أفعى. لكن هل يستطيع نتنياهو أن يعيد ما انفلت من بين يديه وقطاره الخفيف في القدس لم يعد ينعم السواح فيه باستراحة مع فنجان قهوة صباحي؟ على يمينه يعلون وتصريحاته بمنع الفلسطينيين في الضفة من الصعود في الحافلات الصهيونية، وعلى يساره كتل حزبية تجاهر بتدنيس الحرم الشريف والبناء المتواصل في القدس، وقد قذف بكل أوراق التسوية في وجه «أبو مازن»، فعلى أيّة أريكة سيستريح؟ يبدو أن ما يدور في رأسه لا تعرفه إلا قلة كان قد انتقاهم في حربه على غزة.

كش ملك... احترقت الرقعة

بعد فوز الجمهوريين في أغلب المقاعد شيوخاً ونواباً، لم يتنفس الصعداء، وهو أمام مشهد يقلقه من أن تصل واشنطن إلى اتفاق مع إيران حول ملفها «النووي» وعينه على ضغوطات قد تمارس عليه للعودة إلى طاولة المفاوضات مع السلطة،

القدس المحتلة في انتفاضتها
اليوم قلبت كل الحسابات

التي أعلن رئيسها في ذكرى استشهاد مؤسس الثورة الفلسطينية أبو عمار «أننا ذاهبون للأمم المتحدة... وسنُفعل الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاق روما».
وغزة لم يحسم أمرها بعدها، ومصر في حالة حرب على الإرهاب في سيناء والمشهد الإقليمي تتفاعل فيه اصطفافات المحاور، وسورية لم تخرج من المشهد بل غدت لاعباً رئيساً وانتصاراتها تتواصل.
كل هذا التشابك قد يدفع إلى سياسة الحافة التي تأخذ المشهد إلى مزيد من إشعال الحرائق للهروب من انتخابات المقصلة، كما يراها المقربون من نتنياهو.
رهانات الأخير على أن تهدأ الأوضاع في القدس لم تكن موضع تقدير صائب، كما أشعره وزير أمنه الداخلي اهرونوفيتش. ولم يجلب الرصاص المصوب إلى الفلسطينيين في القدس إلا المزيد من الحرائق، وتصريحاته اليومية بدت كمن يعزف على أكثر من آلة في وقت واحد، فهل يذهب للتصعيد؟ لكنه مطمئن للضفة فالتنسيق الأمني لم تنقطع حباله مع الشرطة الفلسطينية والقوى الأمنية، ولاخوف على الأوضاع فيها رغم تصريحات رئيس السلطة. لكن في المقلب الآخر ما انكفأ يفتش عن حبال جذب وتقليب الدفاتر القديمة ليعيد الأنظار إليه وسط الدخان والحرائق والجنازات اليومية في القدس التي ثارت عن بكرة أبيها، وغزة التي غابت وسط تصريحات وأخرى وانفلاش المصالحة وحكومة الوفاق التي اعتبرها حكومة «التطرف» وغير مؤهلة إلا للحرب. وسط هذا والغياب العربي والإسلامي عما يحصل من حرب على الشعب الفلسطيني، تطل المبادرة التي أطلقها وزير العلوم الصهيوني يعقوب بيري بتكليف من نتنياهو لجس النبض بعد تصريحات أخرى كثيرة لليبرمان حول إعادة تفعيل المبادرة السعودية. ففي مشاركته في المؤتمر الدولي «اكوبس – أصدقاء الكرة الأرضية» لترميم نهر الأردن الجنوبي، تناول التصعيد، داعياً حكومته إلى تبني المبادرة السعودية وفتح أفق سياسي جديد في «الشرق الأوسط». وقال بيري إنه «حان الوقت لقبول التحدي، والقيام بخطوات اختراقية وتبني مبادرة الجامعة العربية كإطار مبدئي للمفاوضات لحل إقليمي شامل يؤدي أيضاً إلى تسوية بين دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية. على دول المنطقة المعتدلة أن تعمل على عقد مؤتمر إقليمي شامل».
مبادرة بيري ينظر إليها من مأزق حكومة نتنياهو التي أصبحت تفتش عن سياقات موازية لحربها على المقدسات وعلى الشعب الفلسطيني، والمناخات العربية الرسمية تشجع على ذلك بعد أن عبّر أكثر من مسؤول صهيوني عن حجم التعاون مع دول عربية صمتت في العدوان على غزة، بل هناك من ساعد في منع وصول السلاح للمقاومة الفلسطينية، ما يشير إلى التواطؤ في إطار توافق سياسي على أن المطلوب رأس المقاومة وخياراتها وإفراغ القدس من عوامل صمودها.
ليست قبة الكنيست الصهيونية هي التي تقرر الحرب، أنا وحدي قادر على ذلك، هذا التصريح الذي تناقلته صحف صهيونية أخيراً ابتلعه نتنياهو حتى لا يفتح باب السجالات مرة أخرى مع الإدارة الأميركية الجريحة بعد خسارات الانتخابات النصفية. وحتى أقرب حلفائه في واشنطن نصحه ألا يسعر من تصريحاته، وعليه أن يطفئ الحرائق بدلاً من أن يؤجج ألسنتها. لا يملك نتنياهو إلا أن يواصل حرب تصريحاته، فهو صاحب الخطب الرنانة في حملته الانتخابية أنه سيرفع من سقف الاستيطان، والقدس في انتفاضتها اليوم قلبت كل الحسابات، وهي المتروكة من السلطة الفلسطينية - العاجزة عن تقديم روافع الصمود لها إلا بخطابات في مهرجانات ولقاءات أحياناً مع فعاليات وطنية.
إنها الحرب... قالها يعالون لرئيس وزرائه، وأثنى عليها وزير إسكانه. السلطة في حرب مع حماس، والعرب مشغلون في حروب يديرونها بالوكالة عن أميركا، والقدس اليوم في مرمى النار. أسئلة يطرحها نتنياهو على حليفه الأميركي الذي يدير جولات حاسمة مع إيران.
يبدو أن الصورة غاية في الوضوح، لكن هناك من يصر على عدم قراءتها. وهي تقول: إن الحرب التي يديرها نتنياهو غلافها استقطابات سياسية بين الكتل الحزبية وجوهرها توافق على ضم القدس بشطريها وإعادة احتلال الضفة الغربية في مشروع أُعد سابقاً في إدراج نتنياهو. وغزة تحاصر عربياً وتُهدد بالمال السياسي، والسلطة الفلسطينية الحلقة الأضعف في كل ما يجري، لا تملك إلا التنسيق الأمني الذي يقدمها كمن يقدم الخدمات اللوجستية، وشعبها يواجه بصدوره العارية الحرب المتواصلة من 66 سنة.
هل سنشهد تحولات تقلب الطاولة على كل الحسابات التي أسقطت ثورة الشعب الفلسطيني من حساباتها، وسنشهد انتفاضة فلسطينية تعم كل فلسطين. الواقع يقول إننا أمام تحولات مفصلية و«كفركنا» ستنتفض كما القدس العصية على الغزاة، والضفة ستشتعل. بوابات القدس مفتوحة على كل الاحتمالات.
* إعلامي وكاتب فلسطيني