"براقش" هنا لا علاقة لها بالقصة العربية القديمة عن كلبةٍ أودى تهوّرها بها وبقومها، فذهبت مثلاً. براقش هو ايضاً اسم لمدينة تاريخية تقع شمال مأرب في اليمن، هي من الكنوز الحضارية المدهشة التي يزخر بها هذا البلد القديم. على عتبة صحراء الجوف، وفي موقع شكّل "عقدة مواصلات دولية"، تجتمع فيه القوافل التي تنطلق من حضرموت ومعين وأقاليم "العربية السعيدة"، محمّلة بالتوابل والبخور والسيوف للتجارة مع افريقيا ومصر وبلاد الرافدين، نشأت احدى أقدم المدن في العالم وآخر المدن التاريخية المسوّرة في اليمن. يقول علماء الآثار إنّ السور المهيب الذي ما زال يحيط بـ "براقش" (اسمها التاريخي "يثِل") كان يرتفع لأكثر من 14 متراً، وكان مزنّراً بخمسين برجاً شاهقاً. تعرض المدينة الأثرية تاريخ اليمن في طبقات: قبةً جميلة بقيت من جامعٍ قديم، عمارات بنيت وأضيف اليها على مدى قرون؛ تحتها، وجد المنقّبون معابد لآلهة عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام، تعود الى أزمنةٍ كانت براقش فيها عاصمة لمملكة "معين"، ومركزاً روحياً يعجّ بالكهنة والمتعبّدين.

في براقش معبدٌ للاله "عتّار"، يشهد على التواصل القديم بين اليمنيين وأهل الرافدين والشام، اذ كانوا يتشاركون حتى في الأساطير والآلهة؛ فـ "عتّار" مثلاً هو نسخة مذكّرة عن "عشتار" البابلية، التي هي "اينانا" السومرية، و"فينوس" ــــ نجمة الصّباح ــــ آلهة المطر والخصوبة. "عتّار"، اله الرعد والمطر، كان ايضاً سيّد الحرب لدى أسلاف اليمنيين، وهو الذي يجعل مياه السماء تسيل في أودية اليمن بين الصحارى القاحلة، فترويها وتخضرها وتعمّرها. الطيران السعودي قام خلال هذه الحرب، بالطبع، بقصف "براقش"، ودمّر معابدها وخرّب أسوارها. "براقش" ليست الضحية الوحيدة، فقد قصف السعوديون قلعة تعز وهدّموا صعدة القديمة واستهدفوا بعض أهمّ آثار اليمن (كأنه لم يكفِهم ما فعلوه بمكّة والمدينة، وما ارتكبه أبناء سعود في حقّ أثمن وأقدس ما نملك من تاريخ).
عام 2000، حين وقّع اليمن، راضخاً، على اتّفاقٍ لترسيم الحدود مع السعودية، ثمناً لتطبيع العلاقات وايقاف المقاطعة السعودية لليمن، كانت قلّة من اليمنيين راضية عن مضمون الاتّفاق، وتخلّي البلد عن حقوقٍ تاريخية وأراضٍ انتزعت منه غصباً، ولكنّ الأكثرية قبلت بتمريره لأنّهم ــــ بحسب التعبير الذي كان يتكرّر يومها ــــ "تعبوا" من عداوة السعودية ومن كلفة حربها غير المعلنة. لم يتوقّف الأمر عند طرد ما يقارب المليون يمني من السعودية، وتحطيم اقتصاد البلد، ووضع فيتو على استثمارات شركات الطاقة والتنقيب، بل إنّ الرياض أفهمت اليمنيين أنهم، ما استمرّ الغضب السعودي، لن يرتاحوا من الدسائس التي تمولها الرياض، والتفجيرات والمشاكل الأمنية، ولن يعرفوا الاستقرار يوما. سياسة "الاستنزاف" هذه ــــ واضعاف الخصم عن بعد ــــ قد تكون أفعل من الحرب المباشرة، وقد اعتمدها الحكام السابقون للمملكة، بلا ريب، لمعرفتهم بطبيعة البلد وتاريخه. هم لم يخبروا اليمن عبر الحرب في الستينيات فحسب، بل انّ عدّة أبناء للملك عبد العزيز (بينهم سعود وفيصل) قد شاركوا في الحرب اليمنية ــــ السعودية الأولى، وفهموا الفارق بين طبيعة اليمن وبين حروب الصحراء، وصعوبة اختراق عمق البلد ومرتفعاته. العلامة الفارقة في عهد سلمان (وابنه) هي في التخلّي عن سياسة الحذر والاستنزاف "من جانب واحد"، والرهان على حلّ عسكري يمرّ عبر غزو اليمن واخضاعه بالقوة.
هنا، من البديهي للمرء أن يتساءل عما ان كان السعوديون يفهمون معنى ما يفعلونه، وكلفة الحرب المفتوحة وأبعادها، وهل لديهم خطّة، أم أنهم راهنوا على أن العنف والحصار سيدفع بأعدائهم في اليمن الى الاستسلام سريعاً. اذا ما اعتمدنا، كمؤشر، لقاءً أخيراً أجراه الجنرال السعودي أحمد العسيري مع نخبةٍ من السياسيين والباحثين في واشنطن، فإن الأمور لا تبدو مطمئنة بالنسبة الى آل سعود. تقول صحيفة "هافينغتون بوست" إن اللقاء (عبر "سكايب") كان يهدف الى "بيع" الحرب السعودية ضد اليمن في واشنطن، وطمأنة صانعي القرار بعد تصاعد التشكيك والاعتراضات. الّا أن مجريات "الاستجواب"، كما نقلتها الصحيفة الأميركية، كان لها الأثر المعاكس: عسيري لا يملك خطة واضحة للحرب، ولا يمكنه شرح أهدافها بشكل عملي، أو كيفية تحقيقها (حين سئل عن قدرة الجيش السعودي وحلفائه على احتلال مدينة بحجم صنعاء، أجاب العسيري بأن "أنصار الله" سيستسلمون، ببساطة، ويسلمون العاصمة بأنفسهم). وحين طُلب منه أن يذكر غارةً واحدة وجّهها السعوديون ضد "القاعدة" أو "داعش"، لم يتمكّن الجنرال من استحضار أي مثال، ولكنه قال إن السعودية قد أعانت اميركا في ضربة أخيرة قامت بها طائرات بلا طيار في اليمن ــــ فخرق هكذا، يقول مراسل "هافينغتون بوست"، قراراً اميركياً صارماً بعدم الاعتراف بغارات الطائرات المسيرة، وفضح ايضاً أن حكومته (كما يعرف الجميع) هي شريك لواشنطن في اغتيالاتها وحروبها السرية في المنطقة.
لن تعرف مسار الحرب اليوم من الإعلام الخليجي وتوابعه، فالسعودية تخفي أرقام قتلاها، واذا ما احتلت قواتها موقعاً، بعد سلسلة هزائم في كل مكان، تمتلىء صحف الخليج بعناوين توحي بأن صنعاء صارت تحت الحصار. بالمقابل، لن تقرأ في هذا الإعلام أن الأمانة العامة للأمم المتحدة قد طلبت من مزودي السعودية بالسلاح التوقف عن مدها بالعتاد، لأنها ترتكب به جرائم ضد الانسانية وتجوّع بلداً بكامله حدّ الموت؛ ولن تقرأ أن الرياض قد قصفت منذ أيام مدينة للألعاب في صنعاء ومدرسة، ولن تعرف أن الخطاب السعودي التبريري عن "محاربة ايران في اليمن" (يا له من تبرير!) لا تلاقيه الصحافة الغربية الّا بالسخرية والتشكيك وغياب الأدلة.
اليمنيون، على أيّة حال، يحضّرون لحربٍ طويلة، ومن يعرف وضع الجيش السعودي على الحدود يستنتج بسهولة الى اين تتجه الحرب، وأنّ حكام الرياض الجدد، حين فتحوا باباً للاستنزاف لا يملكون اقفاله، قد جنوا ــــ بالفعل ــــ على أنفسهم. في القرن الأول قبل الميلاد، قرّر الامبراطور الروماني أغسطس أن يغزو اليمن طمعاً بموارده وموقعه، فطلب من الحاكم الروماني في مصر أن يجرّد حملةً قيل إنّها ضمّت عشرة آلاف جندي روماني نظامي وخمسة عشر ألفاً من المرتزقة. لم تصلنا كلّ أحداث الغزو ومعاركه بالتفصيل، ولكن ما نعرفه هو أنّ جلّ أعضاء الحملة لم يعودوا الى ديارهم، ولم يتبقَّ من أثرٍ لها في اليمن الا قبر لخيّالٍ روماني، اكتُشف في مدينة "براقش".