من الأمور الملفتة في جيل الحزبيين العرب الذين هيمنوا على الساحة السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين، ناصريين وبعثيين وشيوعيين، انّهم، على الرغم من تبايناتهم وصراعاتهم، لم يكونوا يحملون برامج وشعارات حكم تختلف جذرياً عن بعضها البعض. وصول أي من هذه المجموعات الى السلطة كان سيعني أجندات متشابهة، رغم اختلاف المنطلقات: اشتراكية، اصلاح زراعي، تغيير اجتماعي لصالح الطبقات الفقيرة، الخ...


على الرغم من ذلك، اختارت هذه الفرق، بدلاً من التعاون أو المهادنة، الصراع والاستئثار والعداء المفتوح، حتى كانت جولات العنف والاقصاء بينها من أكثر الصراعات الايديولوجية عنفاً على أرض سوريا والعراق ومصر (وبغض النظر عن الروايات الحزبية الداخلية، لم يكن هناك ضحايا خالصون، الكلّ شارك وكان لديه استعدادٌ لقمع غريمه وقتله). ولعلّ هذا التصادم، والأنظمة التي أفرزها، كان من أهم أسباب فشل تجربة الأحزاب «الحداثية» في بلادنا.
من جهة أخرى، فإنّ النّقد الذي تمّ توجيهه الى الأنظمة الايديولوجية بعد أفولها، كحالة الناصرية، لم يكن نقداً تقدمياً بقدر ما كان «ردّةً» رعتها الملكيات المتخلّفة والوريث الساداتي، لا لكي تطرح نموذجاً وطنياً بحق، وعادلاً بحقّ، يتجاوز ما سبق، بل لكي تزيل الشرعية عن أي خيارٍ تغييري في المنطقة، ولتجعل من شعارات الاستقلال والاشتراكية والوحدة مادّةً للسخرية.
تمّ اختلاق سردية حنين رومانسية حول المرحلة «الليبرالية» المفترضة التي سبقت مجيء هذه الأنظمة، أي أيام الملكية في مصر والعراق، التي صار الاعلام يقدّمها كـ «زمنٍ جميل» أضعناه – أي حين كانت أحياء بعض المدن المصرية ممنوعة على المصريين، وكان الفلاح العراقي يعيش في نظام اقطاع قروسطي، وصل معه معدّل حياته الى ما دون الأربعين عاماً – وصارت شعارات التحرّر، من أي نوع، مرادفاً للقمع والأنظمة البوليسية؛ مع أنّ النظام السعودي في الستينيات كان يسجن آلاف المعارضين، وكان عدد المعتقلين في سجون مبارك – الموالي للأميركان – أكبر من مثيله أيام عبد الناصر.
اضافة الى تشريع الموجود، تدثّر هذا الخطاب، الذي يدعي النقدية، بالمفاهيم التي طرحها الغرب المهيمن طريقاً وحيداً لشعوب الجنوب: نيوليبرالية اقتصادية دمّرت مجتمعات بأسرها، ترفدها فكرة هيولية ساذجة، بلا محتوى ومعالم، عن «الديمقراطية»؛ لم تكن مطروحةٌ في الستينيات من أحد، ولا هي خيارٌ وارد في بلادنا على المدى المنظور. يكفي للدلالة على آثار هذه الردة أن نراقب نتاج عصرها، الذي يحيط بنا اليوم، من طائفيات وتبعية ورجعيات نفطية، أو أن نراقب، حتّى، مصائر من كانوا ناصريين وبعثيين وشيوعيين واندمجوا في «الزمن الجديد»، فصاروا اليوم فلولاً ودواعش و14 آذار.