لم يعد ممكناً التعامل مع الدور الروسي في المنطقة والعالم على ضوء الاصطفافات السياسية التي أفرزتها انتفاضات عام 2011. فمفاعيل هذه الأخيرة تكاد تنتهي وما تبقّى منها لا يقدر على تحديد معايير معيّنة في التعامل مع الدول ذات التأثير الكبير كروسيا أو الصين أو... الخ. ويمكن القول إنّ أحد أسباب «انتهاء الثورات» هو انعدام قدرتها على فصل المسارات المختلفة بحيث لا تعود «الثورة» هي المعيار الوحيد في العلاقة مع الدول.


أصلاً هي لم تعد قادرة على التأثير في غياب الجسم السياسي الذي يحملها ويفرض استمراريتها، وقد ترتّبت على هذا الغياب أشياء كثيرة من بينها اتضاح الفارق بين القول والفعل وعدم القدرة على صوغ رؤية كاملة للعلاقات مع العالم. وهذا ما لمسه السوريون خصوصاً مع تطوّر الأحداث وفقدان «الثورة» زخمها، إذ اتضحت لهم التعقيدات التي تكتنفها العلاقة مع روسيا، واكتشفوا محدودية ما يمكن عمله في غياب الروس «كمساهمين في لجم اندفاعة النظام».
المشكلة هنا لم تبدأ مع إدانة الموقف الروسي فهي كانت ضرورة في مرحلة معيّنة وإنما مع غياب القدرة على تلمّس الاحتياجات الموضوعية للناس. فهؤلاء لم يكونوا ضدّ روسيا بالمطلق ولا كانوا معها بالمطلق أيضاً، وبالتالي كان ممكناً توضيح الموقف لهم بعيداً من التنظير الذي «يفضح الدور الروسي»، ولكنه لا يقدّم بدائل عنه للناس.
في هذا السياق تحديداً ظهرت الطروحات التي تربط بين تسليح روسيا للنظام وتوسّعها الرأسمالي عالمياً، فأضحت موسكو وفقاً لهذا الطرح امبريالية بين امبرياليات، وانتفت بالتالي الإمكانية للتمييز بين دورها في سوريا وموقعها ضمن النظام الدولي. وهما كما أزعم منفصلان تماماً ويستحيل الربط بينهما ميكانيكياً كما يفعل الرفاق في اليسار الراديكالي.

التطوّر في الموقف الروسي

لم يعد الدور الروسي في سوريا كما كان من قبل، فإلى جانب استمراره في تقديم الدعم العسكري واللوجستي والسياسي للنظام بدأت علاقته بالأطراف الأخرى المساهمة في الحرب تتوضّح أكثر، وصار مضطرّاً بحكم مسؤوليته الكبيرة عن الأزمة إلى اتخاذ موقف أكثر وسطية وأقلّ انحيازاً للسلطة. هذا لا يعني أنّ روسيا قد غيّرت موقفها من النظام، ولكنها على الأقلّ لم تعد تتعامل معه وحده، وأصبحت تعتبره طرفاً من ضمن أطراف عديدة. وهو تطوّر لا بدّ من ملاقاته، لأننا إن لم نفعل فسندفع مجدّداً ثمن عدم فهم الواقع وتطوّراته وحدنا، ولن نجد إلى جانبنا أحداً ليعيننا على الخروج من مأزقنا الجديد. الواقع الآن يفرض على الجميع وليس على طرف بعينه فقط قراءة مختلفة للأزمة وتحوّلاتها،

المجتمع هنا فاض به الكيل،
ولم يعد يحتمل الأدوار التي تستفيد من إطالة أمد الحرب


فالموقف الروسي ليس المتغيّر الوحيد وإنما هو جزء من سياق عام يتغيّر باستمرار ولا يسمح موضوعياً ببقاء الحال كما هي عليه. هذا الجزء الذي تمثّله روسيا يلاقي قبولاً الآن من قطاعات شعبية ليست موالية بالضرورة، وبعضها كان يرفع السلاح في وجه النظام قبل فترة، وقبولها به ليس صوريّاً كما يبدو، ولا هو من ضمن التعليمات التي يمليها النظام وحلفاؤه أحياناً، فهذه البيئات لم تقبل بالاملاءات سابقاً حتى تفعل الآن. كلّ ما في الأمر أنّ الناس هناك يشعرون بحاجة إلى تطوير التسويات المحلّية التي بدأت في أماكن مختلفة من سوريا، وهي لن تكتمل بالطبع في غياب إرادة سياسية تنزع منها عوامل التفجير وتحوّلها إلى حالة شبه دائمة تحافظ على تماسك المجتمع المحلّي ولا تسمح للنظام أو للتكفيريين بمعاودة تحطيمه. لا دورَ مباشراً لروسيا هنا ولكن مساعيها لجمع النظام والمعارضة الوطنية على طاولة حوار تضع سياقاً عاماً لفكرة التسويات، وتسمح بإنضاجها أكثر وتوسيع رقعتها الاجتماعية. بالطبع هذا لن يتمّ في غياب القدرة على لجم الأطراف المتضرّرة من التسوية إذا ما حصلت وهي كثيرة تبدأ بمن يسمّيهم هيثم مناع المتطرّفين داخل النظام ولا تنتهي عند حدود وهابيي المعارضة وتكفيرييها. والمشكلة التي نواجهها هنا أنّ دينامية الحرب باتت تسمح لهؤلاء بالمزيد من السيطرة، وبالتالي لم يعد إيقافهم عند حدّهم ممكناً بسهولة.
وهذه بالمناسبة ليست المشكلة الوحيدة التي سيواجهها الروس في مسعاهم لجمع «الأطراف المحتربة»، فهنالك مشكلة المعارضة نفسها وفقدانها لمركز ثقل تمكن مخاطبته والتحاور معه، وخصوصاً بعد استبعاد «داعش» و»النصرة» من أيّ حوار مستقبلي واعتبارهما خصمين لجميع القوى المحلّية والإقليمية.

مشكلة التمثيل السياسي

تأتي بعد ذلك مشكلة التمثيل السياسي للمعارضة، وهي من الأمور الخلافية التي لطالما عقّدت الأزمة السورية ووسّعت نطاقها. ما يطرحه الروس في هذا الإطار هو حوار بين النظام والمعارضة الوطنية (متمثلة في هيئة التنسيق وجبهة التحرير والتغيير وتيار بناء الدولة و...الخ) إضافة إلى شخصيات كانت تنتمي إلى «الائتلاف» سابقاً وباتت على مسافة منه اليوم (معاذ الخطيب تحديداً)، وهو أمر جيّد كبداية، غير أنّه لا يقدم في الحقيقة صورة فعلية عن الواقع الذي أفضت إليه الحرب. والواقع يقول بأنّ المستفيد الأكبر من حوار كهذا هو النظام لأنه الوحيد الذي يمتلك قواعد شعبية كبيرة ويسيطر على مساحات شاسعة من الأرض، فيما المعارضة الوطنية «لا تحوز شيئاً عملياً»، وتفتقد فضلاً عن ذلك إلى كوادرها القابعين حالياً في السجون. وهو ما سيجعل موقفها التفاوضي ضعيفاً في مواجهة السلطة التي تتصرّف فعلياً كدولة تأمر وتنهي وليس كطرف من بين أطراف متساوية. وما نعرفه أيضاً بحكم التجربة أنّ الطرف الوحيد الذي «يتساوى مع السلطة» حالياً في امتلاك الأرض والموارد البشرية والمادية هو «داعش»، وهذا التنظيم لا يعترف بالعملية السياسية أصلاً، ويملك أكثر من غيره إمكان تعطيلها. فتحه المستمرّ للجبهات مع النظام ومحاولة تمدّده إلى جبهات جديدة (ريف دمشق الجنوبي والقلمون ودرعا و...الخ) يشيان برغبته في تغيير قواعد اللعبة، وبالتالي تجاوز دوره العسكري المباشر إلى أدوار أخرى سياسية وغير سياسية. وهذا ليس بالأمر الجديد على أيّة حال، فهو عبر تعطيله المستمرّ للتسويات المحلّية وإخلاله بالستاتيكو القائم بين النظام والمعارضة التابعة للخليج يتولّى عملياً مهمّة التصدي لأيّ جهد يحاول إنقاذ المجتمع السوري والحفاظ على تماسكه. يساعده في ذلك انتشاره الواسع في مناطق مختلفة من سوريا وانضمام بيئات بكاملها إليه، وهذا المعطى الأخير يقول لنا الكثير حول مشكلة التمثيل السياسي لهذه المجاميع «الهائلة» من البشر. في الرقّة وحدها يوجد أكثر من خمسمئة ألف إنسان وهؤلاء محسوبون على «داعش» حتى لو كانوا ضدّ سلطته، واعتبارهم مشمولين برعاية السلطة أو «المعارضة الخليجية المعتدلة» يعدّ تجاوزاً للواقع، ويعبّر في الحقيقة عن سوء فهم متعمّد لمعضلتهم التي تتعيّن معالجتها بسرعة. فداعش المطلوب رأسه الآن هو السلطة التي يخضع لها هؤلاء الناس وليس النظام أو «جيش الإسلام» أو ...الخ، وعليه يصبح توضيح الموقف منه مرتبطاً بالموقف من أهل الرقّة والجزيرة (ريف الحسكة ودير الزور والبوكمال) أنفسهم. على الروس توضيح هذه المسألة قبل الخوض في المسائل الإجرائية التي تخصّ «المرحلة الانتقالية»، فهم ليسوا واضحين كفاية بعد في موقفهم من «داعش» والمناطق الخاضعة لسلطته، وان كان رفضهم لقصفه خارج التفويض الأممي متقدّماً عن كثير من المواقف الأخرى التي أيّدت قوات التحالف الامبريالي، ولم تكترث بمصير البشر المشمولين بأعمال القصف.

المظلّة العربية

المجتمع هنا فاض به الكيل، ولم يعد يحتمل الأدوار التي تستفيد من إطالة أمد الحرب، وهذا يعني أنه مستعد لتلقّف أيّة مبادرة تأتي بالاتجاه المعاكس وتعمل جدّياً على وضع مسار سياسي للأزمة. في هذا الإطار يبرز الدور المصري كإطار ممكن لمواكبة «المبادرة الروسية» عربياً، وخصوصاً في ظلّ التطوّر الذي تشهده العلاقة بين البلدين. أصلاً تبدو مصر هي الأقرب إلى روسيا (من حيث الموقف السياسي لا العسكري) في تناولها للأزمة وسبل معالجتها. وهذا موقف ثابت للدبلوماسية المصرية، حيث بقيت القاهرة طيلة الفترة الماضية بعيدة من التدخّل المباشر في الحرب، ولم تتورّط في دعم أيّ من أطرافها كما فعل الكثيرون، وهذا يساعدها في لعب دور الوسيط النزيه الذي يبحث عنه المجتمع السوري منذ فترة. ما يهمّ المجتمع هنا فضلاً عن النزاهة ونظافة اليد هو المقدرة على التأثير في مجريات الصراع، ورغم افتقاد مصر لهذه الخاصيّة بحكم عدم ارتباطها المباشر بالميليشيات المحتربة إلا أنها تستطيع عبر التنسيق مع روسيا فعل الكثير. يمكنها مثلاً استضافة المفاوضات إذا أبدت أطراف معيّنة من المعارضة رفضها انعقاد الحوار في روسيا، وباستطاعتها أيضاً عبر «علاقاتها المتينة» مع السعودية حضّ الأخيرة على تحجيم الميليشيات التابعة لها، وبالتالي ترك البيئات السورية «المحسوبة عليها» تعبّر كما تشاء عن رأيها في مشروع الحوار المقبل. قد ترفض هذه البيئات الحوار وتعتبر أنه لا يمثلها أبداً، ولكنها لا تملك في الواقع خيارات كثيرة يمكن التعويل عليها، وخصوصاً بعد الانتفاضات الموضعية التي قامت بها ضدّ «جيش الإسلام» التابع للسعودية. إذ تبيّن لها انه لا يختلف في شيء عن النظام الذي قاتلته طيلة السنوات الماضية، لا بل يبدو النظام أحياناً «أفضل منه» لجهة التصرّف كدولة تحتضن النازحين ولا تطردهم من أماكن سيطرتها كما تفعل المعارضة مع الموالين عادةً. الروس إلى جانب آخرين من حلفاء النظام (إيران وحزب الله) يلمّون جيداً بهذه التطوّرات، وباستطاعتهم نقلها إلى الأطراف التي تبدي استعدادها للعب دور، لكنها لا تملك المعلومات والخبرة الكافية لإنفاذه، ومنها مصر طبعاً.

خاتمة

لا يجب التعويل على هذا «الحلّ» كثيراً ، فهو ينطوي على كثير من التعقيدات ويفتقد إلى عناصر أساسية متصلة بالأزمة، غير أنه يبقى أفضل من الطروحات العدمية التي يبديها الغرب والى جانبه الخليج معتقداً بأنها ستخرجه من مأزقه وتنهي احتكامه إلى «التدخّل المباشر» في مواجهة النظام و»داعش». على الأقلّ الروس ومعهم بعض العرب يَبدون في هذه المرحلة حريصين على تماسك المجتمع السوري، ومن هنا يأتي دعمهم لفكرة التسويات المحلّية التي باتت تعبّر عن المجتمع وتوجّهاته أكثر من أيّة استراتيجية أخرى، رغم أنها في البداية كانت تعبيراً عن استراتيجية السلطة وحدها. روسيا هنا تتصرّف كما تفعل في أوكرانيا. تدعم حلفاءها وتمدّهم بالسلاح والمال وقد تدمّر في طريقها مجتمعات بكاملها (كما حصل في سوريا)، ولكنها في النهاية تعود للبحث عن تسويات مع «المجتمعات التي دمّرتها»، وتبدو في سياق إنجاح التسوية «أكثر حرصاً على المجتمع من نفسه». هذا ما يجب أن يعرفه اليسار المهجوس بنقد روسيا ووضعها على «قدم المساواة» مع الامبرياليات الغربية. هي تعبّر عن طموح توسّعي بالفعل، ولكن ضمن إطار التسويات التي تحفظ ما تبقّى من المجتمعات، ولا تتيح تسويتها بالأرض كما يفعل الغرب.
* كاتب سوري