الندوة الفكرية التي نقصدها في هذا المقام هي تلك التي نظمها "مركز دراسات الوحدة العربية" في مدينة بيروت - "العاصمة الدائمة" للثقافة العربية - خلال الأيام من التاسع إلى الثاني عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 تحت عنوان "مستقبل التغيير في الوطن العربي". وقد تهيأت لنا فرصة المشاركة في هذا الحدث الكبير، فكانت لنا جملة من الملاحظات تمثل خلاصات وتأملات في أتون الحالة العربية الراهنة. ولنقدم بما خطر لنا حول هذه الفوضى الضاربة أطنابها في أرجاء الوطن العربي الكبير... إنها لفوضى عملية وفوضى فكرية في آن معاً، حيث الفوضى العملية متجسدة في حركات شعبية وانتفاضات عارمة، وحالات اقتتال جماعي بين أطراف شديدة التنوع ذات امتدادات إقليمية وعالمية معروفة، أو هكذا يبدو الأمر. أما الفوضى الفكرية فهي بادية من خلال التشتّت الذهني المتمظهر في تشرذم عقائدي لا نهائي المدى تقريباً، مع عدم التوجه إلى إجراء بحث علمي معمق للعديد من الظواهر الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، حيث يحل "الانفعال" محل "التفكير العميق"، ويصبح الصراخ بديلاً من الكلام فى وضع السكينة أو ما يشبه الصمت... وتحل العبارات ذات المحمول السياسي العالي محل لغة العلم الرصين. انعكس هذا الحال على الندوة الفكرية التي نعرض لها، حيث اختلط العلم باللاعلم، ولو في عدد من الحالات القليلة، وتعايش الصراخ مع لغة الصمت، وتجاور "الناشط السياسي" والباحث العلمي (أو شبه العلمي)، وغلبت العبارات الحماسية أو البلاغية محل التحليل العلمي حيناً، بينما تغلبت روح التحليل العلمي على "روحية" عدم الانضباط الفكري حيناً آخر. ولكن لعل ذلك كان أمراً متوقعاً من مركز دراسات الوحدة العربية حين عّرف هذا الحدث الكبير بأنه "ندوة فكرية" فلم يقل إنه "مؤتمر أكاديمي" أو "حلقة نقاشية" أو "ورشة عمل"، ولكنه أرادها ندوة هكذا تتجاور فيها ألوان التفكير العقلي بمختلف صنوفها في إطار يتسم بنوع من العمومية. في هذا الإطار، التَمَعَتْ أمام الذهن المكدود انطباعات متنوعة، عربياً ومصرياً. ونلاحظ في هذا المقام أن بعض البحوث، وخاصة بحث الأستاذ سعد محيو -من لبنان- حول "آثار عملية التفكيك على الجوار العربي"، والذي تولينا التعقيب عليه تفصيلاً، قد تناولَتْ الوضع المصري الراهن بطريقة وجدناها، من وجهة نظرنا، بعيدة -إلى حدّ ما- عن منطق التناول الموضوعي المتوازن في جوانب عديدة. وفي ما يلي عرض لأبرز ما تكوّن لدينا من انطباعات من مداولات هذه الندوة الكبيرة، حول عدد من الحالات العربية، وخاصة ما يتعلق منها بجمهورية مصر العربية في الآونة الراهنة. أولاً: قد تبدو الجماعة الثقافية العربية، بما فيها المصرية –في مجملها، أو في أغلبها بتعبير أدق– وكأنها تعيش عالماً "افتراضياً" من صنعها هي، عالماً متخيّلاً بدرجات متنوعة، وقد أحكمت إغلاقه على نفسها، في شرنقة صلبة، وتتصوره واقعاً فاعلاً أو فعالاً، لا خيال فيه. ثم أن هذه الجماعة الثقافية بعد أن أقنعت نفسها بالتخيل، أخذت تحاول إقناع "الجمهور العام" به في جهد كثيف متواصل، من أجل نوع، ربما، من "التلاعب بالعقول". بيد أن الجماعة الثقافية المصرية، في شريحة واسعة منها، لم تزل حتى الآن محصنة مما وقع من بعض قريناتها في بلدان عربية أخرى، في مقدمتها ليبيا وسوريا ومن قبلهما العراق، وقد نضيف اليمن، فتحت شرائح واسعة منها أبواب بلدانها مشرعة أمام الاختراق الأجنبي الغربي، بل وأمام الغزو، من دون أن "يرفّ جفن" لها، إذا صح هذا التعبير المجازي، وبل ربما بترحاب!
سيطرت «لحظة الحلم

الثوري» على عقول جماعة
من مثقفينا

ثانياً: في اجتهادنا الخاص، يلاحظ أن منطق "القوى الثورية" في مصر العربية بالذات، من حيث منطق التعامل مع الوضع الحاكم – في مسألة الحريات وما يرونه من تقييد للحريات بذريعة مواجهة الإرهاب - فيما يقولون – قد يمكن لنا أن نجيز تشبيهه بما نطق به الشاعر إبراهيم ناجي على لسان كوكب الشرق (أعطني حريتي، أطلق يديّا...). الحرية لا تعطى أو تمنح، وإنما تنتزع انتزاعاً، ليس عن طريق ممارسة القوة المجسدة بالضرورة، ولكن بالعمل "الناعم"، بالنضال السياسي الحقيقي، فهل استطاعت القوى الثورية أن ترسم طريق النضال في المجال العام والسياسي طلباً لحرية وكفاحاً من أجلها؟ ثالثاً: ربما العلة الأساسية الكامنة من وراء ظاهرة "غياب الواقع" في التصور الفكري للقوى السياسية العربية عموماً، بما فيها المصرية، كما أسلفنا، هي أن المثقف العربي ينطلق من "مقولات" –بالمعنى الفلسفى– مستعارة من نظم فكرية غريبة عن التربة العربية - الإسلامية الراهنة، وهي إما نظم قائمة في الأغلب على فكرة "الحرية" و"الدولة" و"المواطنة" المستقاة من الخبرة السياسية الأوروبية بشكل محدد، وإما نظم فكرية مستعارة من الماضي العربي – الإسلامي العتيق. رابعاً: لقد تمكنت سيطرة "لحظة الحلم الثوري" على عقول جماعة من مثقفينا في مصر بالذات، فيما يشبه الظاهرة التي أسماها منذ فترة طويلة نسبياً، بعض الباحثين (قدري حفني) "تجسيد الوهم". فلحظة الحلم الثوري قد مرّت أمام مرآة العقل ثم توارت في ثنايا الذاكرة الحية وحنايا الضمير، وقد ذهبت السكْرة وجاءت الفكرة، بفعل ما يسمى في أدب الثورات بالثورة الناقصة أو "التي لم تتم". إن الانتفاضة الثورية العظمى التي هبّت بفعل شعبي جماعي عبقري خلال ثمانية عشر يوماً (25 يناير - 13 فبراير 2011) وأسميناها - لجلال قدرها- "ثورة 25 يناير"، كانت تفتقد المقومات الذاتية للثورة الكاملة، وخاصة عامل القيادة والفكر المتجانس والحدّ الضروري من التنظيم. ولذلك لم تحقق "الثورة" أهدافها المعلنة من خلال شعاراتها الكبرى، بالسير على طريق تجسيد ممكنات الحرية والتغيير والعدالة الاجتماعية من خلال العمل على إقامة نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي جديد، ومن ثم اقتصر إنجازها على ما كانت مهيأة له، أي إسقاط نظام الحكم القديم. لم يستوعب "شباب ثورة يناير" في مصر هذه الحقيقة (الصادمة) واعتبروا أن هناك ما يشبه الفعل العمدي من جانب الوضع السائد بعد الثلاثين من يونيو لإجهاض الثورة، وفتح الطريق قصداً مقصوداً أمام ما اعتبروه عودة للنظام القديم. وما هي بعودة للنظام القديم في حقيقة الأمر، وإنما هو سريان لقاعدة مستقرة في أدبيات التغير المجتمعي، حيث يسهل تغيير منظومة الحكم، ويصعب تغيير التكوينات الاجتماعية، إلا إذا توفرت شروط الضرورة التاريخية، وهي لم تتوفر في الحالة المصرية، والحالات العربية الأخرى على وجه الإجمال. خامساً: في ما يتعلق بالحالة الليبية بعد أحداث 17 فبراير 2011، والتي عرضها أستاذ علم الاجتماع الليبي مصطفى التير، ترد ملاحظة أولى في رأينا، قوامها أن شريحة من النخبة الثقافية والسياسية الليبية سبْقاً - إن صح أن يسمى ذلك سبْقاً – في طلب التدخل العسكري الأجنبي من الدول الكبرى ممثلة فى حلف الأطلسي بصفة خاصة، من أجل المساعدة على مواجهة الطرف الآخر فى معادلة القوة والسلطة الليبية. إن خطورة هذه السابقة أنها – إذْ اتبعت خطى شريحة من النخبة العراقية ركبت ظهور الدبابات الأميركية حين دخولها العاصمة بغداد عام 2003 – لحقتها حالات مماثلة أبرزها سوريا، حيث بدأت تترسخ قاعدة، نرجو لها ألا تكون كذلك، بجواز قيام النخب السياسية والثقافية في قطر عربي ما باستدعاء أطراف دولية ذات مصلحة في الإضرار بقضايا وطنية-قومية أساسية، من الدول المسيّرة لحلف الأطلسي على وجه الخصوص، للمساعدة على مواجهة أطراف داخلية أخرى. نعلم المبررات التي يمكن أن تساق إلى ذلك، ولكنها غير مقْنعة لنا بأي حال. الملاحظة الثانية أن الحدث الليبي عام 2011 قد اتسم منذ لحظته الأولى بعلامات فارقة عن البلدان العربية الأخرى، أبرزها عسكرة الاحتجاج الشعبي مبكراً جداً، وانبعاث شرارة الاحتراب الأهلي على نطاق واسع، بدءاً من بنغازي حيث تم اقتحام مخازن السلاح للنظام واستخدامها في القتال. وقد شكلت الحالة الليبية بهذا المعنى سابقة خطيرة لما جرى فى بلدان عربية أخرى بعد ذلت تهدّدت بالاحتراب الأهلى العميق. سادساً: في ما يتعلق بالحالة الجزائرية والتي عرضها أستاذ علم الاجتماع في جامعة الجزائر الزبير عروس، عنّت لنا جملة انطباعات، وخاصة في سياق المقارنة بين حالتيْ مصر والجزائر، وبصفة أخص في المجال الاقتصادي - الاجتماعي حيث تمت تنحية التجربة التنموية – التصنيعية – التكنولوجية في البلدين إلى حدّ بعيد. وقد جرى العمل في حالة مصر، منذ السبعينيات، على اقامة منظومة بديلة قائمة على تهميش القوى الاجتماعية وإيلاء الدور الأكبر للفئات ذات النصيب الأعلى من الدخل الوطني تأسيساً على العلاقة العضوية بين السلطة السياسية -في مستوياتها العليا والوسيطة والدنيا جميعاً- وبين رأس المال الخاص الكبير، وبناء منظومة مجتمعية قائمة على الفساد المعمم المعمق. أما في الجزائر، ومنذ أوائل الثمانينيات، فقد استخدمت الإيرادات من قطاع "المحروقات" كمهماز لنظام "رعائي – رعوي" يستبعد متطلبات التنمية، ويعمل على ترسيخ ما يمكن تسميته بلاغياً بالرشوة المجتمعية، إذا صح هذا التعبير. وتعيدنا هذه الحقيقة التاريخية إلى أهمية البعد التنموي الحقيقي في عملية التغيير الثوري المرتجى في أرجاء الوطن العربي الكبير. * أستاذ في معهد التخطيط القومي في القاهرة