تثبت يوماً بعد يوم دقة وصوابية الخيارات والقراءات الاستراتيجية لثورة روج آفا - غرب كردستان (كردستان سورية) بقيادة حركة المجتمع الديموقراطي TEV–DEM، وذراعها السياسي حزب الاتحاد الديموقراطي PYD، حيال مجمل المشهد السوري والإقليمي.

يظهر ذلك، مثلاً، في تحذيرها منذ البدء من مخاطر ثالوث أسلمة الانتفاضة على النظام وتطييفها وعسكرتها وما أفرزه ذلك من طغيان الجماعات الإرهابية على اختلاف تلاوينها على المشهد، وصولاً إلى خلافة «داعش» سليلة «القاعدة»، وطورها النكوصي التوحشي الأعلى.

ولئن كانت «داعش» تحظى بدعم من جملة قوى إقليمية، وربما دولية، فقد نمت وترعرعت وجرت الإفادة منها، لكن هذا المسخ الإرهابي سرعان ما خرج عن السيطرة حاله حال التنظيم الارهابي الأم... «القاعدة». وبات لديه مشروعه وطموحه الإمبراطوري، إذ لنتبّين مدى هول البؤس والانحطاط الذي يتهددنا تكفي الإشارة إلى أننا في مطلع الألفية الثالثة بات لدينا خلافة وأمير مؤمنين وارتداد إلى عصور العبودية والرق وسبي النساء وبيعهنّ وقطع الرؤوس...
وقد كان لغرب كردستان شرف محاربة هذا السرطان الإرهابي منذ أكثر من عامين إثر بدء هجمات تلك المجاميع الإرهابية على اختلافها، وخاصة «جبهة النصرة» و«داعش»، على الكرد في سورية وبدفع من جهات معادية للقضية الكردية وللدور الكردي الريادي في دمقرطة سورية والمنطقة، وفي مقدمها أنقرة، فروج آفا مثلت خندق الدفاع الأول عن كل أجزاء كردستان وعن المشروع الديموقراطي الحضاري السوري ككل.
وتكفي إطلالة سريعة على خريطة استهدافات «داعش» وارتكاباتها، هي وأخواتها، لنعرف أنّ المستهدف الأول والرئيسي من قبل هذه الجماعات هو تجربة روج آفا الديموقراطية وثورتها المجتمعية حيث ما فتئت هذه العصابات القاتلة تحاول احتلال مناطق «روج آفا» وتدمير نموذجها الديموقراطي الواعد على مدى العامين الماضيين، مرّة عبر «جبهة النصرة» ومرة عبر الكتائب الإسلامية المختلفة. فمثلاً في غزو سري كانيه (رأس العين) شاركت نحو خمسين كتيبة إرهابية، وليتكلل المجهود الحربي الإرهابي ضد الكرد وتجربتهم في حرب «داعش» المفتوحة عليهم، والتي تخوض منذ أشهر معركة ضروس في كوباني، واضعة كل ثقلها في تلك المعركة الهادفة إلى فصل كوباني عن بقية كانتونات روج آفا، والتلاعب الديموغرافي والجغرافي بتركيبة غرب كردستان، وبالتالي إجهاض التجربة الديموقراطية في الإدارة الذاتية. تلك التجربة التي وحدها تقدم وصفة خلاص لسورية والسوريين من دوامة الدم والقتل، وتقدم خياراً ثالثاً ديموقراطياً تعددياً لا مركزياً على أنقاض الخيارين العدميين: النظام الديكتاتوري أو البديل الظلامي الإسلاموي.
فالعالم الذي اكتشف للتو خطر «داعش»، حريّ به أكثر فأكثر دعم مقاومة كوباني الأسطورية ومجمل تجربة الإدارة الذاتية الديموقراطية في كانتونات روج آفا الثلاثة (الجزيرة وكوباني وعفرين) التي ستخلد في التاريخ كواحدة من أبرز ملاحم المقاومة والصمود. فإذا كانت ستالينغراد مقبرة الفاشية القومية النازية في الحرب العالمية الثانية القرن المنصرم، فإن كوباني مقبرة الفاشية الدينية الداعشية في القرن الحالي.
ومع مضي ثلاثة أشهرعلى هذه المقاومة التي ألهبت خيال العالم، يمكن القول إن كوباني انتصرت، وإنها غدت محطة مفصلية. ما بعد نصر كوباني ليس كما قبله، فالمدينة – الصخرة التي تحطمت عليها أحلام خلافة «داعش» الإرهابية - دوّلت القضية الكردية، وحولت الكرد إلى لاعب رئيسي ورقم وازن في المعادلة السورية والإقليمية، حتى أنها غدت المانشيت الرئيسي والخبر الأول في مختلف وسائل الإعلام حول العالم، وعلى رأس أجندة دوائر صنع القرار الدولي. وباتت على ألسنة رؤساء الدول الكبرى، حتى أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند سمّاها المدينة - الرمز، وليس بلا دلالة هنا حالة الهستيريا التي أصابت الأوساط الداعمة لـ«داعش»، وإن مداورة ومواربة من المكانة العالمية التي تحظى بها كوباني (انظر إلى تصريحات الرئيس التركي المتشنجة حيال التضامن العالمي مع مقاومة كوباني التي باتت تعوضنا عن فقدان تنظيرات الزعيم الليبي الراحل القذافي).
ولا شك أن هذا كله ينعكس إيجاباً على صعيد الانفتاح والتعاطي الدوليين مع تجربة روج آفا الديموقراطية، والتجربة و«وحدات حمايتها» غدت على كل شفة ولسان، خاصة المقاتلات الكرديات في صفوف وحدات حماية المرأة، اللواتي غدون مصدر إلهام وإشعاع أعاد الاعتبار إلى قيم الثورة والكفاح في سبيل القيم الكونية الجامعة في الحرية والمساواة والحق والخير والجمال.
ففي كوباني ثمة معركة قيمية كبرى، هي معركة الحضارة ضد الهمجية والنور ضد الظلام. وهي أكبر من مجرد معركة دفاع عن مدينة أو كانتون أو جزء من كردستان، بل هي معركة كونية استراتيجية ضد جحافل الإرهاب والتخلف والظلام. وبهذا المعنى فقط يمكن فهم ذاك «اللغز» الذي استعصى فهمه على العقليات الكهفية (من كهوف تورا بورا)... لغز الاهتمام العالمي الهائل بكوباني وهالة القداسة والنبالة التي تحظى بها من بيونس آيرس إلى كابول.
* كاتب كردي