قرار الاتحاد الأوروبي الأخير لوسم سلع المستوطنات، والمقاطعة الاكاديمية، وتحركات المجتمع المدني والمتضامنين حول العالم كان بمثابة استجابة لجهود المجتمع المدني لمحاسبة اسرائيل المستمرة وغير المنقطعة منذ أكثر من عشر سنوات. فنداء مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها الذي أطلقه المجتمع المدني الفلسطيني سنة ٢٠٠٥ يُعتبر الخطوة الأبرز التي شهدتها السنوات الأخيرة على صعيد محاسبة إسرائيل. هذا النداء، الذي بات معروفًا باسم BDS، والذي آلف بين عناصر المجتمع المدني الدولي دعماً للحقوق الفلسطينية، أُطلق بعد سنة من صدور قرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار. ومن الاسباب التي ساهمت في إطلاق هذا النداء، تقاعس منظمة التحرير الفلسطينية عن اغتنام الفرصة التي أتاحها القرار لتحدي الاحتلال الإسرائيلي في قضية الجدار. ومن الجدير بالذكر انه لم تبدأ جهودُ المجتمع المدني الفلسطيني والدولي من أجل محاسبة إسرائيل بنداء المقاطعة، بل سبقته منظمات حقوقية عديدة عاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة مثل مؤسسة الحق، ومنظمات شعبية مثل حملة أوقفوا الجدار، وكذلك نقابات واتحادات نسائية ومنظمات أخرى. كما تشكَّلَ في الولايات المتحدة ائتلافٌ يضم منظمات مدنية، منها كنائس ومنظمات شعبية تحت مسمى الحملة الاميركية لانهاء الاحتلال الاسرائيلي (US campaign to end Israeli Occupation) ، وأصبح يضم حالياً في عضويته نحو ٤٠٠ منظمة. وعلاوةً على ذلك، هناك الكثير من اليهود الناشطين في مناصرة حقوق الإنسان الفلسطيني والمساواة للجميع في الولايات المتحدة وأوروبا. وقد انضمت مؤخراً منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام (Jewish Voice for Peace) الى حركة المقاطعة.
تقاعست منظمة

التحرير عن تحدي الاحتلال
في قضية الجدار

تكمن أهمية حركة المقاطعة هذه في أنها أتت بقيادة فلسطينية لجهود الناشطين المختلفة، وأوجدت حركةً أكثر تأثيراً من خلال العمل الجماعي كبديل عن العمل الفردي. وقد مكَّنت من وضع أهداف لعملها ونشاطها على الصعيد العالمي. فقد ركزت حملات المتضامنين على مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وسحبُ الاستثمارات من الشركات العاملة في المستوطنات والتي تستفيد من الاحتلال مثل شركة فيوليا (Veolia)، إلبيت (Elbit)، هوليت باكارد (HP)، وجي 4 أس (G4S)، وغيرها. وعلى سبيل المثال، وبعد نحو سبع سنوات من الجهود التي بذلها ناشطون متضامنون مع فلسطين لوقف تجديد عقود إدارة النفايات وغيرها من الخدمات الموقعة بين شركة فيوليا وبلديات في مدن مثل برمنغهام وبوردو، هذا بالإضافة إلى جهود أخرى بُذلت في أماكن أخرى في العالم، انسحبت شركة فيوليا كلياً من إسرائيل في آب/ أغسطس من هذا العام. وشملت الأنشطة التي انسحبت منها الشركة أيضاً، مشروع تسيير خطوط حافلات على الطرق المعزولة والمبنية على الأرض الفلسطينية المحتلة والمخصصة لاستخدام المستوطنين ولخدمة المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، ومشروع تسيير قطار القدس الخفيف الذي يربط المستوطنات بإسرائيل. وتشير التقديرات إلى أن شركة فيوليا خسرت عقوداً حول العالم تفوق قيمتها ٢٠ مليار دولار أميركي. وهذا بالطبع يرسل رسالةً إلى الشركات الأخرى المتعاملة مع إسرائيل. هذا الوعي المتنامي في أوروبا وخارجها إزاء المخاطر التي تجلبها العلاقة بالجهات الإسرائيلية، بالإضافة إلى نشاط المتضامنين، ساهم في إقناع الكنائس الأميركية وصناديق المعاشات التقاعدية الأوروبية بسحب استثماراتها من الشركات المتربحة من الاحتلال الإسرائيلي. وقد استبعدَ في العام ٢٠٠٩ صندوقُ المعاشات التقاعدي الوطني السويدي (AP7) وبنك أيه أس أن الهولندي (ASN) شركة الستوم (Alstom) للنقل والمواصلات من محفظتيهما الاستثماريتين. وفي عام 2015 استبعدَ أكبرُ صناديق المعاشات التقاعدية النرويجية (KLP) شركتين من محفظته الاستثمارية بسبب استغلالهما الموارد الطبيعية في الأرض المحتلة في الضفة الغربية. كما استهدفت غالبية الكنائس الأميركية والأوروبية وصناديق المعاشات التقاعدية، العاكفة على سحب استثماراتها من الاحتلال الإسرائيلي، الأنشطة الإسرائيلية وراء الخط الأخضر وليس داخل إسرائيل نفسها (رغم صعوبة التمييز بالطبع لأن المؤسسات الحكومية والمالية والتعليمية وغيرها من المؤسسات الإسرائيلية مشتركةٌ بطريقة أو بأخرى في مشروع إسرائيل الاستيطاني غير القانوني). اكتسب نداءُ المجتمع المدني للمقاطعة أهميته أيضاً لسببين آخرين يوازيان التوظيفَ الاستراتيجي للمقاطعة وسحب الاستثمارات من حيث الأهمية إنْ لم يتفوقا عليه. السبب الأول، أن هذا النداء أوجدَ قيادةً فلسطينية فاعلة وممثلة للمجتمع المدني، لا يوجد لها مثيل في الوقت الحاضر، حتى وإنْ كانت ملتفةً حالياً حول استراتيجية محددة. فقد وقَّع على النداءِ الأولي ما يزيد على ١٧٠ مؤسسة مدنية، ونقابة عمالية ومهنية، واتحاد وجمعية نسائية. وفي عام ٢٠٠٧، أُنشئت اللجنة الوطنية للمقاطعة - في أعقاب المؤتمر الفلسطيني الأول لمقاطعة إسرائيل الذي انعقد في رام الله في العام نفسه - بهدف توجيه حملة المقاطعة والتنسيق بين أعضائها حول العالم. فعضوية اللجنة الوطنية للمقاطعة تضم ممثلين لمنظمات المجتمع المدني، وممثلين للجنة القوى الوطنية والإسلامية، وهي لجنةٌ تضم الأحزاب السياسية الفلسطينية كافة في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتُصدر قراراتها بتوافق الآراء. اما السببُ الثاني لأهمية نداء المقاطعة هو أنه يُذكِّر الفلسطينيين بالأهداف التي يكافحون لأجلها، وهي حقُّ تقرير المصير والأهداف الثلاثة المتمثلة في التحرر من الاحتلال، والمساواة بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وحق العودة للاجئين. فبعد أن قدمت منظمة التحرير الفلسطينية التنازلَ تلو الآخر من دون مقابل، ضلَّ فلسطينيون كُثر عن أهدافهم، وهي كارثةٌ لأي حركة وطنية. في حين خطت حركة المقاطعة قُدماً، رافضة تقديم التنازلات او الارتهان والخضوع للضغوط الممارسة عليها كحركة، او على اعضائها الناشطين والفاعلين. لا تتحدث حركة المقاطعة أو اللجنة الوطنية للمقاطعة - ولا تسعيان لكي تتحدثا - باسم حركة وطنية فلسطينية. ولكن بفضل نداء المقاطعة لعام ٢٠٠٥ أصبح التثقيفُ والنشاط حول الحقوق الفلسطينية يشمل الأهداف الثلاثة على نحو متزايد. فكل هدف من تلك الاهداف يُعنى بحقوق شريحةٍ من الشعب الفلسطيني. فالحرية تختص بإنهاء احتلال الأرض الفلسطينية التي استولت عليها إسرائيل في عام ١٩٦٧، والعدالة تختص بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، والمساواة تختص بحقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. بالرغم من ان نداء المقاطعة بحد ذاته يقوم على الحقوق لا على السياسة، فإن اللجنة الوطنية للمقاطعة لا تقرر بشأن ما إذا ينبغي أن تكون المحصلةُ النهائية دولةً واحدة أو دولتين. وعلاوةً على ذلك، يتطرق النداء لحقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بشكلٍ مباشر، ويدعو الإسرائيليين لدعم حملة المقاطعة. ويشيرُ أنصارُ المقاطعة إلى أنهم يقفون ضد دولة الاستعمار والفصل العنصري في إسرائيل التي تُحابي الإسرائيليين اليهود تماماً كما وقفَ العالمُ ضد دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وها هي جنوب أفريقيا لا تزال موجودة، أمّا الفصل العنصري فقد زال (على الأقل في جنوب أفريقيا). ينظر العالم، بما فيه إسرائيل والولايات المتحدة، إلى حركة المقاطعة الآن بأنها قوية جداً، ويتجلى ذلك في ملايين الدولارات المبذولة في سبيل وقفها في الولايات المتحدة. وقد دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حزيران/ يونيو لإيجاد "جبهة واسعة" لمحاربة المقاطعة، كما صادق الكابينت الاسرائيلي في اوائل شهر نوفمبر/ تشرين الثاني على قرار بإنشاء وزارة تحت مسمى "مواجهة مقاطعة اسرائيل" بهدف التصدي الى نشاطات مؤيدي وداعمي المقاطعة في العالم. في حين عقد الملياردير اليميني الأميركي شيلدون اديلسون قمةً في لاس فيغاس لمحاربة المقاطعة مع التركيز خصوصاً على الحُرم الجامعية. وهناك أيضاً جهودٌ كبيرة مبذولة لاستصدار قرارات جامعية تخلط بين انتقاد سياسات إسرائيل ومعاداة السامية، ولإقناع الولايات بإصدار قرارات تحظر التعامل مع الشركات التي تقاطع المؤسسات المتربحة من الاحتلال الإسرائيلي. ومن المفارقة أنَّ ما نراه هو محاولةٌ من إسرائيل وداعميها للمضي قدماً بمشروعها الاستعماري من دون معوقات، حيث يطالبون فعلياً بحق في كامل الضفة الغربية ويطرحون "حلَّ" الدولة الواحدة القائمة على الفصل العنصري. وفي المقابل، لا يزال معظم أنصار حركة المقاطعة، بمن فيهم العديد من قيادات اللجنة الوطنية للمقاطعة نفسها، يدعمون حل الدولتين. ثمة جهودٌ أخرى يبذلها المجتمع المدني الفلسطيني في الوقت الراهن. ففي أوروبا، تعمل منظمات حقوق الإنسان مثل مجموعة متين (Mattin) للاستفادة من التزامات الاتحاد الأوروبي وأعضائه بموجب قوانينهم المحلية في مجالات مثل حماية المستهلك، ومن التزامهم المعلن بحقوق الإنسان والقانون الدولي. وقد بدأت هذه الجهود وأنشطة المجتمع المدني في إطار المقاطعة والحقوق الفلسطينية تؤتي ثمارها. حيث اتجهت بعض الدول الى وضع علامات على منتجات المستوطنات لتمييزها، وايضاً منعت توجيهات الاتحاد الأوروبي لعام ٢٠١٣ صراحةً تقديمَ المنح والقروض من الاتحاد الأوروبي للأنشطة الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة (بما فيها القدس الشرقية). ومع ذلك، فإن تبنّي المفوضية الأوروبية في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني للتوجيهات الخاصة بوضع علامات على منتجات المستوطنات، لتمييزها عن باقي السلع الأخرى الاسرائيلية المنشأ، والتي أقرها البرلمان الأوروبي في شهر اغسطس/ آب الماضي بعد تصويت ٥٧٥ لصالح القرار وبعد ما يقارب من الثلاث سنوات من المحادثات، يعتبر غير كافياً. هذا القرار، وبرغم صدوره عن جهاز مؤثر وفعّال، حتى وإنْ طُبق بحذافيره، يُعتبر مجرد إجراء أخلاقي يفتقد لآلية الردع أو التنفيذ كونه لا يحظر او يمنع بشكل جذري تلك المنتجات، ولا يضع عقوبة على عملية استيراد تلك البضائع او أي خدمات اخرى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنظومة الاحتلال. فمخازن Kaufhaus des Westens في ألمانيا مثلاً رفعت بعض سلع المستوطنات من مخازنها تماشياً مع تلك التوجهات، لكنها ما لبثت ان أعادت تلك السلع مجدداً بعد الحملة التي واجهتها من الجانب الاسرائيلي. لذا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يحظر دخول منتجات المستوطنات الى أسواقه حظراً تاماً، وان يُعلق اتفاقية التجارة مع اسرائيل، ويُنهي التعامل مع المؤسسات المتواطئة مع الاحتلال. هناك أيضاً نصائح تجارية تصدرها بعض الدول الأوروبية - بما فيها المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا – مفادها أن الشركات قد تواجه إجراءات قانونية مرتبطة "بالأراضي والمياه والمعادن وغيرها من الموارد الطبيعية" فضلاً عن "مخاطر تطال سمعتها" إذا تعاملت تجارياً مع المستوطنات. ولكن بالرغم من أن هذه النصائح غير ملزمة، فإن بعض الشركات لا ترغب في المخاطرة. وعلى سبيل المثال، أصدر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تقريراً يقترح سلسلةَ تدابير يتسنى للأوروبيين تطبيقها للتفريق بين إسرائيل والمستوطنات في تعاملاتهم، وللدفاع عن حل الدولتين مع الالتزام بقوانينهم الخاصة. وقد ركزت التدابير على القطاع المصرفي في إسرائيل، ممّا تسبَّب في انخفاض أسهم أربعة مصارف إسرائيلية. وفي أعقاب النجاحات المتحققة في الولايات المتحدة على صعيد استثارة قرارات الكنائس بسحب استثماراتها، تعكف بعض المنظمات الشعبية، مثل هيئة خدمات الأصدقاء الأميركية (الكويكرز) والصوت اليهودي من أجل السلام وائتلاف الحملة الأميركية لإنهاء الاحتلال، على بناء وجودٍ مناصر ومؤازر لحقوق الفلسطينيين في الكونغرس الأميركي، وقد بدأت تظهر بوادر النجاح، حيث بعثت عضو الكونغرس بيتي ماكولوم رسالةً لزملائها بشأن الممارسة الإسرائيلية المتمثلة في اعتقال الأطفال الفلسطينيين. ونتيجةً لهذه المناصرة، وقَّع ١٩عضواً في الكونغرس على الرسالة. وعلى المستوى والأكاديمي، صوت مؤتمر الجمعية الاميركية لعلم الانسان (AAA) والتي تعتبر من أكبر الجمعيات الاكاديمية في العالم، والجمعية الوطنية الاميركية لدراسات المرأة (NWSA) على قرار مقاطعة اسرائيل أكاديمياً. بالرغم من ان نجاحات حركة المقاطعة تقلق اسرائيل، إلا أنها تفتقد الى الدعم والمؤازة من قبل صناع القرار الفلسطيني. فالقرار الاسرائيلي بإنشاء وزارة لمجابهة المقاطعة، بعد الاجراءات الاوروبية الاخيرة المتعلقة بوسم سلع المستوطنات، لم يوازه أي إجراء مماثل من الجهات الرسمية الفلسطينية، كوزارة لدعم المقاطعة مثلاً، بل مجرد ترحيب بالاجراءات الاوروبية. هذا الامر الذي يتطلب من الجانب الرسمي الفلسطينية التنسيق والاستفادة من مكتسبات حملة المقاطعة بهدف بلورة سياسات لمواجهة الضغوطات الاسرائيلية على المجتمع الدولي لوقف حملات المقاطعة. فحملات مقاطعة اسرائيل عالمياً أثبتت، خلال عشر سنوات من النضال حول العالم، بأنه لا افق مسدوداً امامها وان نضالها مفتوح الى حين تحقيق أهدافها المنشودة والمتمثلة في انهاء الاحتلال للاراضي العربية، الاعتراف بالمساواة لمواطنيها العرب الفلسطينيين، تطبيق حق العودة رقم ١٩٤، وذلك بعكس المفاوضات التي من الواضح ان الافق امامها كان مغلقاً منذ البداية. (تستند هذه المقالة الى تعقيب نشر في موقع "الشبكة" تحت عنوان "مشروع بناء الدولة الفلسطينية في دائرة الشك") * المديرة العامة لشبكة السياسات الفلسطينية ــ "الشبكة"