«روسيا لن تخرج من أزمتها الاقتصادية قبل عامين على الأقلّ». هذا ما قاله فلاديمير بوتين في المؤتمر الصحافي الموسّع الذي يعقده كلّ عام قبيل نهاية السنة، وهو الاعتراف الرسمي الأوّل تقريباً بوجود مشكلة بنيوية تواجه الاقتصاد هناك. لا يتعلّق الأمر فقط بانخفاض أسعار النفط، وإنما بمجمل البنية الاقتصادية الروسية التي أصبحت مرتبطة أكثر من اللازم بالسوق الدولية. وهو ما يجعلها هشّة دائماً وعرضةً للتقلّبات السياسية التي تخضع لها العلاقات بين الدول. صحيح أنّ الغرب لا يستطيع محاصرة روسيا اقتصادياً كما يفعل مع دول مثل إيران أو سوريا أو كوريا الشمالية لكنه يقدر عبر الحزمة التي تتكوّن حالياً (انخفاض أسعار النفط والعقوبات والمضاربة على سعر الروبل) على لجم اندفاعتها الدولية ومنعها من التأثير خارج محيطها المباشر.


يحصل ذلك بسبب عوامل عديدة من بينها كما ذكرنا تزايد ارتباط روسيا بالسوق الرأسمالية، وعدم ممانعتها الانخراط في مؤسّساتها المختلفة. إذ لو كان اقتصادها أقلّ ارتباطاً بالخارج لما تراجعت عملتها الوطنية إلى هذا الحدّ (ارتفع سعر الدولار يوم الثلاثاء الماضي إلى 87 روبلاً وهو الانخفاض الأكبر للعملة الروسية منذ سنوات)، ولما احتاجت الدولة إلى التدخّل باستمرار لوقف تدهور سعر الصرف. حتى الآن لا يزال بإمكان المصرف المركزي الروسي دعم الروبل عبر ضخّ العملة الصعبة في السوق الداخلية، وهو إجراء متبّع في كلّ الاقتصادات التي تعاني من عجز في تمويل احتياجات السوق. والمشكلة هنا أنّ التدخّل من خلال استعمال الاحتياطي النقدي ورفع أسعار الفائدة لن يضبط السوق إلى الأبد وسيصبح أصعب مع الوقت، وحينها سيكون على الدولة أن تقرّر ما إذا كانت راغبة بالفعل في توسيع سياسات الاندماج الاقتصادي مع الغرب.

الاندماج بوصفه سياسة دولة

بدأت سياسات الاندماج تتوضّح أكثر مع وصول بوتين إلى السلطة، فقبله كانت الدولة في طور التداعي ولم يكن ممكناً التعامل معها كسلطة مركزية تقدر على اتخاذ قرار بهذا الاتجاه أو ذاك. مجيئُه إلى السلطة عقب التخلّص من يلتسين أفرز اتجاهات أساسية في التعامل مع الاقتصاد والسياسة، فأصبحت حرية رأس المال عنده مكفولة ولكن في إطار ما تراه الدولة مناسباً، وبما لا يتناقض مع سياسات فرض الأمن على مختلف القطاعات. لم يعد الأمر وفقاً لهذه التوجّه بيد الأوليغارشيات وحدها، وغدا الاستثمار الأجنبي نفسه محكوماً بقيود لا يمكن التفلّت منها بسهولة. دخلت الدولة بقوّة هنا في مجال تسهيل الاستثمار، ويمكن القول إنها أصبحت «شريكاً مضارباً» فيه، فهي تملك بحكم موقعها شركات كبرى (وخصوصاً في مجال النفط، مثل روس نفط) ولديها شركاء محلّيون أقوياء يسهّلون لها العمل مع المستثمرين وأصحاب الرساميل (شركة لوك أويل مثلاً)، وهذا لا يتناقض بالمناسبة مع النظرية الرأسمالية التي تقول بتدخّل الدولة في الاقتصاد عند الحاجة. لا ننسى أنّ روسيا وهي تفعل ذلك تعلم أنها لم تعد دولة اشتراكية، وإنما أصبحت كما تقول شريكةً للغرب في سياساته الرأسمالية، ومن هنا يأتي طلبها الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية التي تعدّ الإطار الفعلي لعمليات التوسّع الرأسمالي في العالم. بوتين سمح عبر هذه السياسة بتوسيع إطار الشراكة مع الغرب، مع أنه بقي على مسافة من سياساته - أي الغرب - الدولية، وهو ما يعدّ تكريساً لنهج فصل المسارات الذي اتبعه الرجل منذ مجيئه إلى السلطة. بهذا المعنى تصبح المجابهة بين الطرفين موضعية ومحصورة في الشقّ السياسي، بحيث لا تؤثر كثيراً في العمليات الاقتصادية التي بقيت قائمة، لا بل تطوّرت كثيراً عنها في أيام يلتسين.

«الشراكة» في عهد بوتين

في السنوات الأولى لحكم بوتين توطّدت علاقات الشراكة الاقتصادية مع الغرب، واستقطبت روسيا الكثير من رؤوس الأموال الغربية إليها، ورغم أنّ المناخات السياسية لم تكن مؤاتية بالنسبة إلى الطرفين (وخصوصاً بعد حرب العراق التي عارضتها روسيا بشكل واضح) إلا أنّ العلاقات التجارية بينهما ظلّت وطيدة، ولم تتأثّر كثيراً بالمعطيات السياسية المباشرة. أتاح هذا «الجوّ الملتبس» الظرف لحدوث تراكم اقتصادي في روسيا عبّرت عنه نسب النمو المرتفعة وأحجام عمليات التبادل التجاري مع الغرب - وخصوصاً أوروبا - التي تجاوزت عشرات ملايين الدولارات. هكذا، باتت روسيا حاجةً ماسة للاقتصاد الغربي الذي لم يعد يجد أسواقاً لمنتجاته، وأصبح التصدير بالنسبة إليه مشكلة في ظلّ تخمة الأسواق بالبضائع ذات المنشأ الصيني. وفي مقابل استيراد البضائع والمنتجات الزراعية والصناعية من الغرب كانت روسيا باستمرار هي المصدَر الوحيد للغاز بالنسبة إلى الأوروبيين، لا بل تطوّر الأمر وأصبحت الاستثمارات في حقول الغاز الروسية تحصل بالاتفاق مع كبريات الشركات الأميركية مثل اكسون موبيل وغيرها. ورغم أنّ الولايات المتحدة لم تكن من المشمولين بالتبادل التجاري الكبير الحاصل بين الروس والدول الغربية الأخرى إلا أنها أضحت موضوعياً مرتبطة بالسوق الروسية وخصوصاً مع الوجود الكبير لشركاتها النفطية هناك. وهذا بالطبع جزء من التعقيدات التي سمحت للروس لاحقاً بتفادي المواجهة المباشرة مع الأميركيين حين اندلعت أزمة جورجيا، إذ لم تتأثّر العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، وحافظت على «زخمها التصاعدي» رغم كلّ ما أفرزته الحرب حينها من خلافات و»انشقاقات».

«الشراكة» على المحكّ بعد أوكرانيا

من هذه الناحية، بدت سياسة التقارب مع الغرب مفيدة بالنسبة إلى روسيا، فهي لم تعد مضطرّة إلى استنزاف مواردها المالية خلال مجابهته كما كان يحدث أيام الاتحاد السوفياتي السابق، وأضحى الاشتباك معه محكوماً بقواعد الشراكة التي توفّر للطرفين إطاراً مناسباً للخصومة والمنافسة في آونة واحدة. ربحت روسيا الحرب على جورجيا حليف الغرب الأقوى حينها في القوقاز من دون أن تخسر كثيراً على الصعيد المادّي، وحين تغيّرت الظروف عام 2014 ردّ الغرب الصفعة لموسكو عبر الإطاحة بحليفها الوثيق في أوكرانيا، ثم أتت عملية ضمّ القرم رداً على إسقاط يانوكوفيتش لتؤكّد انعدام كلفة المواجهة غير المباشرة، رغم أنها كانت تتويجاً لمسار تصاعدي ينبئ بكثير على المستويين السياسي والاقتصادي. وبالفعل لم تكد عملية ضمّ القرم تنتهي حتى انفجرت الأزمة الأوكرانية مجدداً، ليبدأ المسار الأكثر تصعيداً في تاريخ العلاقة بين روسيا والغرب منذ انتهاء الحرب الباردة. مع أوكرانيا تعقّدت الأمور أكثر من اللازم، ولم تعد قواعد الشراكة التي أقرّت في أكثر من مناسبة قادرة على ضبط الصراع ومنعه من التأثير في المصالح الاقتصادية المتبادلة. أسوأ ما واجهته روسيا في هذا السياق هو انتقال الغرب إلى المجابهة الاقتصادية المباشرة عبر سلاح العقوبات. في المرّات السابقة لم يصل الأمر إلى هذا الحدّ، وبقيت الشركات الأميركية تعمل في روسيا، تماماً كما بقيت الرساميل الروسية قادرة على الوصول إلى الأسواق المالية الدولية. وما تغيّر الآن هو نمط المجابهة الذي أصبح بفعل تغيّر الواقع الاقتصادي (حالياً لا يميل لمصلحة أحد) يحتمل التضحية بالمصالح المادّية، طالما أنها لا تحقّق المراد منها، وهو كما نعلم: الاحتواء المزدوج لكلّ من روسيا والصين (وبدرجة إيران).

أيّ بدائل في ظلّ انخفاض أسعار النفط

والحال أنّ قدرة موسكو على المناورة هذه المرّة ليست كبيرة، خصوصاً بعد الانخفاض الكبير في أسعار النفط، حيث لم تجر الاستفادة حتى الآن من البنية الصناعية الموروثة من أيام الاتحاد السوفياتي السابق، وبقي التركيز منصبّاً بشكل أساسي على تصدير الخامات مثل النفط والغاز. وهو ما يقيّد الحراك الروسي الاقتصادي بطبيعة الحال، ويجعله أثناء حالة البحث عن «البدائل» مرتبطاً حصراً باقتصاد النفط، على اعتبار انه الاقتصاد الوحيد في روسيا الذي يمتلك إلى جانب تجارة السلاح بنية تحتية تمكّنه من المنافسة وتحقيق التراكم المطلوب على الصعيد الدولي. يمكن اعتبار سعر الروبل مقياساً لهذا الارتباط الوثيق بأسعار الخامات النفطية، حيث بقي محافظاً على «استقراره» طيلة الفترة الماضية رغم كلّ العقوبات التي فرضت على البنوك وشركات النفط والغاز، ولم ينخفض بشدّة إلا حين تهاوت أسعار النفط. هذا الأمر يقلّل من سعي روسيا إلى الارتباط بأسواق جديدة عبر منظّمتي البريكس والاتحاد الاقتصادي الجمركي، ويجعله في أحسن الأحوال «إضافة شكلية» إلى مروحة علاقاتها المعتمدة أساساً على النفط كمصدر «وحيد» للدخل. بإمكانها طبعاً الاتكال على سلّة التعاملات التجارية مع دول مثل البرازيل والهند وجنوب إفريقيا وطاجيكستان وبيلاروسيا و...الخ فأسواق هذه الدول تستطيع على المديين المتوسّط والبعيد تعويض روسيا عن الخسائر الناجمة عن فقدانها للأسواق الأوروبية، لكنها لن تحلّ لها مشكلة الاعتماد المطلق على الصادرات النفطية. حتى الاتفاق الاستراتيجي الذي وقّعته مع الصين لتصدير الغاز إليه على مدى ثلاثين عاماً يصبح وفقاً للبنية السعرية الحالية للنفط محكوماً بتقلّبات السوق التي لا تملك حتى مؤسسة «أوبك» القدرة على لجمها، وهي التي «تحتكر» إنتاج النفط و»تسعيره» وتصديره إلى الأسواق العالمية. هكذا، يصبح الاستثمار الاستراتيجي في اقتصاد النفط مشكلة حقيقيّة، ولا يعود يمثّل أيّة إضافة إلى اقتصاد هذا البلد المحاصر بالعقوبات و»الممنوع» فضلاً عن ذلك من اختيار ما يلائمه من أنماط تنمية.

خاتمة

لا يكون الاندماج في الأسواق العالمية ذا فائدة كبيرة هنا، ويغدو عبئاً على روسيا التي تحتاج في هذا الوقت إلى بديل حقيقي لا يكتفي بكسر احتكار الغرب للأسواق، وهو ما تقوم عليه «مع الأسف» فلسفة التكتلات الإقليمية التي تدعمها روسيا مثل البريكس والاتحاد الجمركي الاوراسي. هذه الدول المعتبرة «إطاراً بديلاً» من المنظومة الغربية تبحث عن المنافسة فحسب، وتشتبك مع الغرب لكي تصبح لها اليد العليا في «التحكّم بالأسواق»، وهو ما يناسب حالياً - حالياً فقط - دولة «محاصرة» مثل روسيا، وخصوصاً في مثل هذه الظروف العصيبة على اقتصادها. هي بهذا المعنى لا تبحث عن بدائل فعلية وإنما تستفيد من التناقضات القائمة بين الامبرياليات الغربية والدول الناشئة (أو الصاعدة بحسب تعبير سمير أمين) حتى تحافظ على التوازن الذي أرساه بوتين كقاعدة لسياساته وتحالفاته.
* كاتب سوري