أطلقت جماعة الإسلام السياسي مقولة استهداف أهل السنّة في لبنان (الطائفة المغبونة) وأيدتها قوى سياسية لاستمالتها والاستفادة من تأثيرها، مثل تيار المستقبل وجماعات وجمعيات وشخصيات ورجال دين. ووجه الاتهام الى اتجاهات متعددة مثل حزب الله وسوريا وايران وروسيا والصين وأميركا، ومنها متهم بدعم النظام السوري، ومنها متهم بعدم دعم المعارضة. وفي هذا ما يدل على وحدة الحال بين الإسلام السياسي والجماعات المسلحة في سوريا، المرتبطة بالقاعدة ومشتقاتها. ووصل بهم الأمر الى حد اقحام الجيش اللبناني في الأزمة، وشن الحرب عليه بعد اتهامه بالانحياز واستهداف الشباب السني المؤيد للثورة السورية، وبغض النظر عن دخول مقاتلي حزب الله لمساندة النظام.


كذلك تحدث هؤلاء عن مظلومية السنة مع الدولة اللبنانية، وعن كيانها الوظيفي والإداري، وحرمان الطائفة خيرات النظام والدولة. ورأوا أنهم مهددون بسلاح حزب الله وبفائض القوة لديه، وبأنه يمسك بمفاصل الحياة السياسية والإدارية والقضائية في البلد.
فهل هذه الادعاءات صحيحة أم أنها مجرد فبركات تروج لهذه المقولة لغايات مشبوهة، منها اثارة الفتنة الشيعية السنية، وضرب وحدة المجتمع اللبناني.
تستند جماعات الإسلام السياسي في اتهامها هذا، إضافة الى الأزمة السورية، إلى قضية الموقوفين الإسلاميين، وإلى قضايا اجتماعية كالبطالة والتخلف الاقتصادي في المناطق السنّية، والحرمان من وظائف الدولة، ولا سيما العسكرية منها، حيث يؤدي الانتماء الطائفي دوراً مؤثراً.
ويتهم المكوّن الشيعي أولاً ثم المسيحي ثانياً بممارسة الاستهداف محلياً، فهل صحيح ان الطوائف اللبنانية الأخرى تمارس ذلك، وتلحق الظلم بأهل السنة؟
لا بد من الإشارة الى أن لبنان دستورياً هو بلد ديمقراطي يقوم على العدل والمساواة، إلا انه في الحقيقة يقوم على نظام قلّ نظيره عالمياً، وهو نظام طائفي مذهبي اخترع ما يسمى الديمقراطية التوافقية، التي تعطي حق «الفيتو» لكل طائفة من الطوائف الكبرى ضد أي قرار أو مشروع لا تريده، كما أبدع نظرية الميثاقية التي تتحكم في عمل مؤسسات الدولة كالحكومة والمجلس النيابي فتجعل غياب اي فريق كافياً لسقوط أي عمل أو إجراء. فكيف يلحق الغبن بالسنة وهم أكبر طائفة في لبنان؟
نحن لا ننكر أن هناك مناطق سنية مغبونة، ولكن الغبن ليس بسبب الانتماء المذهبي أو الطائفي، بل لاعتبارات أخرى، مثل كونها من مناطق الأطراف كعكار وبعلبك والهرمل والبقاع الغربي، وكذلك طرابلس (العاصمة الثانية). مع الإشارة الى انه ليس في لبنان مناطق واسعة ذات نقاء مذهبي أو طائفي، وبالإجمال فإن معظم لبنان يعاني الحرمان، وما شهدته بيروت ومنطقة السوليدير من حركة عمرانية إنما هي حركة لمصلحة الأثرياء والرأسماليين والمترفين، ولا يستفيد منها الشعب اللبناني الا ما ندر. وقد جاءت على حساب الملاكين الأصليين من أهل بيروت دون النظر الى أديانهم أو مذاهبهم، حيث لحق الإجحاف بالجميع.

الموقوفون الإسلاميون

أوقف معظمهم بعد أحداث نهر البارد، وهم تابعون لفتح الإسلام التي قيل إنها عصابة تابعة للنظام السوري، وقد اعتدى عناصرها على عناصر الجيش اللبناني في المخيم وقتلوا عدداً منهم، وقد أيّد يومها أهل المناطق السنية المحيطة بالمخيم الجيش اللبناني، وقاتلوا الى جانبه. وصدرت في حينها فتاوى من بعض رجال الدين ضد فتح الإسلام تشبه الفتاوى الداعشية اليوم، ثم فجأةً أصبحت حرية هؤلاء السجناء الذين اعتقل المئات منهم مطلباً لحركة سنّية تشمل أحزابا وجماعات وهيئات وشخصيات. ولم يعد هؤلاء المعتقلون محسوبون على النظام السوري بل صاروا محسوبين على الطائفة السنية التي تطالب بمحاكمتهم وإطلاقهم، فيما وقفت الدولة اللبنانية عاجزة عن محاكمتهم إنفاذاً لإدارة أميركية تريد إبقاءهم قيد الاعتقال لأسباب تتعلق بما يسمى الحرب على الإرهاب. وتذرعت الدولة بعدم وجود قاعة لتُجرى المحاكمة فيها. وهنا نتوجه بالسؤال إلى الجميع: ما الذي منع رؤساء الحكومة السنيون من محاكمتهم، وانصاف الطائفة السنية بحسب زعمهم؟ ثم لماذا أصبح هؤلاء المعتقلون وحريتهم مطلباً لتيار المستقبل وحركات الإسلام السياسي، ألم يكونوا صنيعة النظام السوري كما زعموا؟
إن عدم محاكمة أي موقوف وبأي جرم أمر مرفوض وتتحمل السلطة مسؤوليته، ولكن هل يعني عدم محاكمتهم أن الطائفة السنية مستهدفة، هؤلاء الذين قتلوا المئات من الجيش اللبناني، ونفذوا تفجيرات مثل جريمة طرابلس ضد الجيش وعين علق وغيرها.

الإنماء والوظيفة العامة

من المعلوم يقيناً أن وظائف الدولة موزعة بين الطوائف مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وموزعة بين المذاهب كل بحسب حجمه الديموغرافي، لذلك تنال كل طائفة نصيبها من الوظائف بحسب التقسيم الذي يراعي الاعتبارات الطائفية والمذهبية.
ولا يخفى على أحد، أن الوضع الوظيفي ضمن الطائفة السنية يعاني خللا على صعيد التوزيع المناطقي، فهناك مناطق محظوظة ومناطق يكاد يكون حظها معدوماً في الوظائف العامة من رتبة رئيس دائرة أو مدير فما فوق. ومن المناطق المحظوظة منطقة الكورة، حيث تحظى عائلاتها السنية المعروفة بنصيب وافر من الوظائف، وكذلك منطقة الاقليم في جبل لبنان، فيما تعاني مناطق مثل المنية والضنية وعكار والبقاع وطرابلس حرماناً على صعيد الوظائف في الادارة اللبنانية، اللهم الا السلك العسكري، حيث تمثل عكار والمنية- الضنية والبقاع خزّان الجيش البشري.
أما الانماء، فليس في لبنان سياسة انمائية معتمدة، ترتكز اعلى اصول قانونية اقتصادية أو اجتماعية، لذلك تأتي المشاريع التنموية على نحو عشوائي. ويستوي في هذا المجال مختلف المناطق اللبنانية، دون النظر الى مذهب أو طائفة أهلها. وبما أن المؤسسات الرقابية معطّلة وخاضعة للتأثير السياسي والطائفي والمذهبي، فسيظل المواطن يدفع ثمن الفساد تخلفاً وحرماناً.
لماذا اثارة موضوع المظلومية والغبن والاستهداف؟
تتعدد القوى المستفيدة من اثارة موضوع المظلومية والغبن والاستهداف المتعلق بالمسلمين السّنة. فالجماعات الدينية وبعض علماء الدين يثيرون مسألة الاستهداف على نحو مُركّز من أجل شد العصب الديني وتحفيز الناس على الالتفاف حولها للدفاع عن الدين أو العقيدة والمذهب ضد ما يسمونه المد الشيعي، الذي يمثل خطراً على العقيدة عبر نشر فكر التشيع، وهم يستغلون كل حدث ويفسرونه تفسيراً مذهبياً، ولا يأنفون من نبش قبور التاريخ للدلالة على صدق دعواهم. والهدف الأساسي هو محاربة حزب الله والمقاومة الاسلامية، ولو كان ذلك يصب في خدمة إسرائيل.
أما القوى السياسية مثل تيار المستقبل فتركز على مسألة الغبن والمظلومية، مثل عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وكثير من رموز 14 آذار، ويحمّلون مسؤولية كل تلك الاغتيالات لحزب الله وسوريا.
وتراهم يعملون على تسخير هذه الاغتيالات والاستفادة منها، فمرةً يتهمون سوريا من أجل إسقاط نظام الأسد، ومرةً أخرى يتهمون الضباط الاربعة من أجل القضاء على النظام الأمني، ثم ينتهي بهم الامر الى اتهام حزب الله من أجل القضاء على المقاومة، ويصرّون في الوقت ذاته على نفي كل احتمال آخر، لا ينال من المقاومة وحلفائها، ولو كانت اسرائيل صاحبة المصلحة في اغتيال الحريري وتخريب لبنان، أو كان القوى السلفية التكفيرية التي أعلنت صراحة مسؤوليتها عن الاغتيال عبر شريط المدعو أحمد أبو عدس.
وترمي القوى السياسية المذكورة من جماعة 14 آذار الى تسخير كل ذلك من أجل ضرب المقاومة خدمة للمشروع الاميركي الصهيوني. وهم لم يتورعوا في كل مرة عن الاعتراف بأن اتهاماتهم سياسية، كما قال الرئيس الحريري عندما زار الرئيس الاسد في دمشق.

7 أيار

من الامور التي يجري التركيز عليها واستغلالها وتصويرها على انها اعتداء على اهل السنة في لبنان، عملية من السابع من ايار. مع العلم أن ما حصل في السابع من أيار كان رد فعل على قرارات الحكومة اللبنانية في 5 أيار، التي اتخذت في حينها بضغطٍ من وليد جنبلاط، ونصّت على حرمان المقاومة سلاح الاشارة المتمثل في شبكتها الهاتفية، وعلى تجريم كل من له علاقة بهذه الشبكة، وعلى رأسها قيادة المقاومة الاسلامية. وقد أعلنت المقاومة في حينها أن هذه القرارات تعني عملياً كشفها أمام العدو الصهيوني، وقد كان تحرك حزب الله في حينها ضد قرار الحكومة لا ضد الطائفة السنية، وقد انتهى الوضع بمجرد رجوع الحكومة عن تلك القرارات المشؤومة والمشبوهة.
إن تظهير السابع من ايار من قبل 14 آذار على انه عملٌ يستهدف السُّنة هو استغلال سيّئ خبيث من أجل تحقيق مكاسب سياسية تتمثل في الامساك بالسلطة والانغماس في المخطط الصهيو- أميركي المعد للمنطقة. وقد ظهر ذلك جلياً في مواقف 14 آذار من الأزمة السورية، وفي الموقف من المقاومة الاسلامية، كما ظهر في موقف هذه القوى من المنحة العسكرية المجانية المقدّمة من ايران الى الجيش اللبناني.
إن مقولة استهداف السنة في لبنان، هي مقولة سياسية، الغاية منها جر الطائفة الاسلامية السُّنية الى موقع لم تكن فيه يوماً من الايام، وهو موقع الموالاة لأميركا.
وأثناء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي اللبنانية، وقفت الطائفة السنية الى جانب المقاومة ودعمتها وساهمت في كثير من انشطة الدعم، بل والعمليات العسكرية. وليس يخفى على أحد ما قدّمه الرئيس رفيق الحريري للمقاومة من خدمات على الصعيد الدولي ومساهمته في القرارات الدولية التي شرّعت عمل المقاومة اللبنانية ضد العدو الاسرائيلي.
وبإغتيال الرئيس الحريري انقلبت الامور رأساً على عقب وابتعد تيار المستقبل عن نهجه وسياسته، وجرى استعداء المقاومة وتقريب فئات واحزاب وشخصيات كانت على عداء مع الحريري. وابتدأت مسيرة خطف الطائفة السنية من موقعها الطبيعي الى موقع غريب عليها، وهو السير في المخطط الصهيوني الاميركي المعد لمنطقة الشرق الاوسط، الذي ينتهي بتشريع الوجود الاسرائيلي وانهاء القضية الفلسطينية. وللتأكيد على أن مقولة استهداف السّنة هي طرح كيدي ومشبوه، نشير الى مدى قدرة رؤساء الحكومات من السّنة على التصرف عندما يريدون ذلك. فالرئيس رفيق الحريري كان الحاكم بأمره في لبنان برغم الوجود السوري، وقد أطلقت يده تماماً على الصعيد الاقتصادي، وعلى صعيد بناء الدولة، ولكنّه كان يرفض أن يتصرّف من منطلق مذهبي أو طائفي على هذين الصعيدين، وكان طموحه أن يكون زعيماً لكل لبنان لا لطائفة السنة فقط، بل إن نفوذه وعلاقاته الدولية، إضافة الى شعبيته المحلية، قد مكّناه من التحكم في القرار اللبناني، حتى عندما كان خارج الحكومة.
أما الرئيس فؤاد السنيورة، فضرب عرض الحائط بكل الآراء المخالفة لتوجهه في مسألة المحكمة الدولية من أجل لبنان، التي أقرّت تحت عنوان «العدالة ومحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري»، وأنشئت المحكمة في ظلّ انشقاق لبناني لم يعرف له النظام اللبناني مثيلاً على مدى تاريخ هذا الكيان. فهل استطاع أحد أن يُقيّد يدي الرئيس السنيورة في هذا المجال؟
وعندما استحكمت أزمة تمويل المحكمة الدولية على أيّام الرئيس ميقاتي، استطاع دولته اتخاذ قرار بالتمويل دون الرجوع الى مجلس الوزراء، وأمر حاكم مصرف لبنان بتحويل المبلغ المطلوب لحساب المحكمة.أما مجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة فهما مؤسستان تابعتان لرئاسة مجلس الوزراء والسيطرة تامة عليهما لرئيس الحكومة، وكما نعلم فإن مجلس الإنماء والإعمار هو المؤسّسة المشرفة على تنفيذ معظم المشاريع الإنمائية والعمرانية في البلد.
إنك تستطيع أن تتحدّث في لبنان عن حرمان وظلم وقهر، ولكن ليس على أساس طائفي أو مذهبي، بل على أساس وطني، ولكن سياسة «فرّق تسد» هي التي تدفع بالجهات المتحكمة في البلد وفي اقتصاده وقراره الى تصوير أن كل طائفة تعتدي على حقوق الطوائف الأخرى، وتسلبها حقوقها.

* عضو المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى