من جملة الأمور التي عاود الحراك الراديكالي في مصر نبشها، ولو على نحو موارب، فكرة التقسيم الاجتماعي لعمل المصريين. وهذه الأخيرة كانت على الدوام جزءاً أصيلاً ليس من الممارسة العملية للماركسية فحسب، بل أيضاً من كلّ الممارسات المعنية بعودة السياسة إلى المجتمع بما هي صراع بين طبقاته المختلفة. وما أهال الركام عليها لفترة من الزمن هو التجريف السياسي، الذي مارسته طبقة بعينها بحق الأكثرية الشعبية المنتمية إلى طبقات أخرى. طبعاً، خيض صراع طويل ضدّ هذه الطبقة وضدّ احتكارها للسلطة والثروة، وانتهى بنا الأمر إلى تفكيك الاحتكار ذاك، وتجيير الانتصار الذي نتج منه إلى الكتلة الشعبية التي حملت منذ البداية عبء هذه المهمّة. بدا حينها أنّ الأمر سهل، وأنّ احتواء التناقضات الناجمة عنه ممكن، لا بل ضروريّ للحفاظ على تماسك الكتلة التي أنجزت «التغيير» وحافظت على سلميته. لم يلتفت أحد حينها إلى ضرورة الاهتمام بالفئات التي نهضت بالاحتجاج، ثم وجدت لاحقاً أنّها قد همّشت، وأنّ هنالك آخرين يتحدثون باسمها من دون أن يكونوا على دراية فعلية بما تعانيه حقاً. يمكن أن نطلق ما شئنا من نعوت على أولئك الكادحين (وقود الثورات مثلاً)، ويمكن أيضاً أن نستعملهم كبعبع عند الضرورة (التخويف من ثورة الجياع)، لكن ما لا يمكننا فعله هو الاستمرار في التعامل معهم كما لو كانوا عبئاً على «الثورة» و«طليعتها». اليوم، هنالك من يستفيد من عجز «الطليعة» تلك عن تطوير خطابها تجاه الطبقات الشعبية، فتراه يردّ العجز ذاك إلى تعالي النخب وصدورها عن منبت طبقي يتناقض وفحوى كلامهم عن الثورة والتثوير. والأرجح أنّ من يقول ذلك غير معنيّ أصلاً بالتحليل الطبقي للأحداث هناك، وكلامه على النخب لا يعدو كونه إمعاناً في مناكفتها من باب الاختلاف معها سياسياً. وهذا أمر ليس بالجيّد تماماً، لكنّه ليس بالسيئ أيضاً. يكفي أنّ المجتمع هناك بات قادراً على «تقيّؤ» كلّ شيء، ومن ثمّ التعامل معه سياسياً كما ينبغي، أي بتنظيم تلك الإفرازات وإخضاعها لمنطق الجدل والمماحكة. فحينما يستخدم شخص كعصام سلطان، نائب رئيس حزب الوسط، والمقرّب من السلطة الإخوانية «أدوات يسارية» في تحليله لسلوك النخبة المصرية المعارضة للرئيس محمد مرسي ونظامه، لا يكون بذلك قد اقترب من اليسار أو أدبياته.

لا أحد أصلاً يطلب منه ذلك. هو يعرض هنا لما يعتقد أنّها «وقائع تستحقّ المناقشة»، وهي فعلاً كذلك. ولو لم تكن جديرة بالنقاش لما اضطر المرء إلى إفراد حيّز لها هنا. أحياناً ينتابنا شعور بأنّ اليسار المصري، والعربي عموماً، يستحقّ هذا النسق المبتذل من الخصوم. فهؤلاء خرجوا إلى الضوء بمعيّة «ثورة» يُعَدّ اليسار ملهمها وصانع شعاراتها. وخروجهم ترافق مع تراجع قدرة هذا الملهم على استقطاب القطاعات الأكثر تضرّراً من ممارسات السلطات المتعاقبة التي حكمت مصر. وما ترتّب على التراجع ذاك أكبر من أن يرمّمه الرفاق بتظاهرات من هنا (أكثرها شجاعة احتجاجات محمد محمود والعباسية والاتحادية) وتنظيم حملات ضدّ السلطة من هناك. لنأخذ تصريحات سلطان مثلاً، ومناوشته «للبورجوازية الصغيرة»، التي يعتبر أنّها أورثت امتيازاتها للنخبة المعارضة لمرسي. لم أسمع حتى الآن أنّ أحداً في المعارضة كلّف ذاته بالردّ على الرجل الذي انتقل فجأة إلى معسكر اليسار، وأصبح في موقع المنافحة عن الطبقات الشعبية ومصالحها! طبعاً كلامه «مهمّ» لأنّه يفصح عن قدرة المصريين على استدراج بعضهم بعضاً إلى نقاشات ليست بالضرورة مفيدة، ولكنها تنتمي إلى منطق جدلي لن تستقيم الثورة إلا بوجوده. يقول سلطان في صفحته على «الفايسبوك» تعليقاً على رفض المعارضة لمشروع الدستور الإخواني ما يأتي: «...إن مكان عقد الجلسات التأسيسية كان مجلس الشورى وليس فندق خمس نجوم، وأغلب الأعضاء ذوو اهتمامات وثقافات، وخلفيات مصرية عادية، ربّما أقرب إلى القروية، وليست مدارس لغات وجامعة أميركية. والجلسات كانت تتوقف لأداء الصلاة، ولم تلتقط كاميرا التلفزيون لهم ثياباً ارستقراطية أو ساعات رولكس، أو دخاناً ينبعث من سيجار، بل إنّ عدداً لا بأس به من الأعضاء كانوا زبائن دائمين على السجون والمعتقلات...». الرجل هنا يعرض وقائع، ولكنّه يضعها في سياق معيّن سيتضح لاحقاً أنه في مواجهة معارضة تزعم أنها يسارية، وتمارس في الوقت نفسه ما يناقض هذا الزعم. هكذا يوحي لنا حكم القيمة الذي أصدره سلطان بحقّ من يعتبرها «النخبة»، بعدما وصّف بخبث شديد أحوال ممثلي «العامّة» الذين ترفضهم تلك النخبة، وتنكر عليهم صفتهم التمثيلية: «من هنا، فإنّ رفضهم هو رفض نفسي اجتماعي أكثر منه رفضاً سياسياً موضوعياً، وقد امتدّ هذا الرفض إلى مساحة غير قليلة من الطبقة المتوسطة العليا، التي تسكن المدن بالذات وتتطلع دائماً في عاداتها وتقاليدها إلى النخبة». سبق لي أن ناقشت هذه النقطة في أكثر من نصّ، وكان الغرض وقتها من النّقاش تحذير المعارضة المصرية من مغبّة التحالف مع أطراف رأسمالية لها مصلحة في المزيد من تهميش الأطراف (في الأرياف والمدن) واستتباعها. كان على المعارضة أن تتوقّع هجوماً مماثلاً من خصومها. فحساسيتها الشكلية تقريباً تجاه البعد الطبقي للصراع سمحت لمن ينتمي (بالوعي والممارسة) إلى سلطة طبقية ونهّابة بأن يستخدم تناقضاتها! فيخلط بين الانتماء إلى البورجوازية والانحياز ضدّها، وهما أمران مختلفان تماماً، ولا يماهي بينهما عادة إلا الجاهل أو العارف بتلفيقهما. طبعاً لا ينفع الجهل في مهمّة كالتي كلّف بها سلطان، ولو كان جاهلاً بما يقوم به، لبدا أقلّ حذاقة بكثير في رصف العبارات التي تتناول الانتماء الطبقي لأركان المعارضة. في الشقّ الثاني من كلامه تزداد الحذاقة أكثر، وتبدو مسنودة بأسماء ومعطيات يتعيّن على المعارضة التعامل معها، إن لم يكن بالردّ والمحاججة فعلى الأقلّ بالاعتراف بوجود تكوينات طبقية منحازة داخلها، مع الإشارة إلى «محدوديتها» و«هامشيّتها» داخل التنظيم المعارض. لنلاحظ هنا كيف توضع المعارضة من جانب خصومها في خانة اليك بدل أن يحدث العكس. وهذه مشكلة إضافية يتعيّن حلها. ومع ذلك ثمّة فرصة ما زالت متاحة لتدارك الأمر، وما زال بالإمكان أيضاً تفكيك المنطق الذي يتحدّث به سلطان من موقعه كمستفيد من صعود السلطة الجديدة إلى مواقع الهيمنة على المجتمع ومؤسّساته. كلّ انتقاداته للمعارضة، تقريباً، ستغدو بلا أثر إن وجد من يردّ عليه بمنهجية لا تعنى بالمحاججة فحسب، بل بالتفاصيل أيضاً. بالمناسبة، الرجل لم يبد «مقنعاً» في حديثه إلا عندما أسند حججه بالتفاصيل والأرقام والأسماء. وهذا كلّه بات اليوم في ملعب المعارضة: «...وتاريخ النخبة المصرية ــ الجديدة والقديمة ــ يحتاج إلى دراسة منفصلة، لأنه امتداد لأكثر من مئتي عام، منذ محمد علي باشا الذي أسّس مصر عسكرياً وعلمياً وزراعياً، ولكنه أيضاً أسّس لنخبتها التي امتلكت الأطيان واختلطت بالأجنبي، وانعزلت داخل النوادي، وصنعت لنفسها نمطاً جديداً يغاير تماماً نمط الفلاحين المصريين البسطاء، أجداد واضعي هذا الدستور». حتى ما قبل الجملة الأخيرة كان بإمكاننا الكلام على تصويب معقول على انحيازات النخبة المصرية وصيرورتها الاجتماعية، إلا أنّ الربط ما بين انفصالها عن نمط الحياة الفلاحية ومعارضتها للدستور الإخواني على اعتبار أنّه «دستور أحفاد الفلاحين» نقلنا إلى ضفّة أخرى يمكن الاستفادة منها. فالفلاحون الذين يرد ذكرهم في كلام سلطان على سبيل التودّد لقاعدتهم هم أكثر المتضرّرين من إقرار الدستور الحالي. لا شأن لنا طبعاً بالعصبيات، التي يبدو أنها تشغل الرجل كثيراً.
تشغله من باب أنها تصرف النظر عن صدور «واضعي هذا الدستور» عن مرجعيّات لا علاقة واضحة لها بمصالح الفلاحين أو العمّال. لن أعيد التذكير هنا بعشرات البيانات التي صدرت عن نقابات واتحادات عمال وفلاحين ترفض الإعلان الدستوري، وتضعه هو ومسودّة الدستور في خانة الافتئات على مصالحهم ومكتسباتهم، فذلك أمر أصبح وراءنا. أمّا ما لم يصبح كذلك بعد، فهو الكيفية التي تدار بها اليوم المعركة ضدّ الإخوان وزبانيتهم. فعندما يستخدم خصمك السياسي انحيازاتك الاجتماعية أو ما يزعم أنها كذلك، يجب عليك أن تواجهه بالمثل. هو الآن يرث الامتيازات الطبقية التي كانت من نصيب مبارك وعصبته، وعندما يواجه بالأمر يستخدم خطاب الإنكار، ويعيد التذكير بمظلوميته حتى لا يخسر القاعدة المفقرة التي توفّر له الإمداد الشعبي والانتخابي. هي ذاتها القاعدة التي صوّتت له في انتخابات مجلسيْ الشعب والشورى بزخم كبير، قبل أن ينحدر خطّها البياني في انتخابات الرئاسة، وصولاً إلى الاستفتاء الأخير على الدستور، الذي عزفت عنه غالبية الكتلة التصويتية. فمن أصل واحد وخمسين مليوناً يحقّ لهم التصويت، صوّت عشرة ملايين فقط بنعم أو بكلا. ليست المعارضة هي من أقنع هؤلاء بضرورة مراجعة خياراتهم، بل ظهور الإخوان بمظهر يخالف تماماً الصورة التي رسمها لهم عصام سلطان في مرافعته الدعائية المسنودة بالأسماء والوقائع. هم أظهروا خلال أشهر قليلة نهماً إلى السلطة والثروة لم تستطع «النخبة» التي يتحدث عنها سلطان إظهاره إلا بعد ستين عاماً أو يزيد من الحكم. هذا إذا افترضنا أنّ النخبة المقصودة هي نخبة يوليو فحسب. لكن مشكلة نائب رئيس حزب الوسط ليست مع «ثورة يوليو» وحدها (وإن بدت كذلك في المقطع الأخير من مداخلته)، بل مع الحركة الوطنية المصرية برمّتها: «ثم جاءت ثورة يوليو 1952 لتستبدل فقط الأشخاص بالأشخاص، ليحلّ أعضاء مجلس قيادة الثورة وعائلاتهم محلّ الباشاوات والبكوات والأميرات، فيسكنون ذات القصور ويرتادون ذات النوادي، بل ويصطافون في ذات «الكبائن» التي لا تزال حتى اليوم محجوزة بأسمائهم في شاطئ المنتزه بالإسكندرية». لا يأتي الرجل بجديد عندما يقول ذلك، فالسلطة غالباً ما تلتهم الثورة وتحوّلها من طبيعة إلى أخرى. من دينامية شعبية جارفة إلى ثلّة من الامتيازات، والاحتكارات، والتموضعات الطبقية.
هكذا أصبحت حال «يوليو 52» عندما آلت إلى السادات ومبارك، وهكذا ستصبح «يناير 2011»، أيضاً، إذا ما سمح للإخوان بأن يحوّروا أكثر في بنيتها. كلّ ما يهمهم الآن هو هذه البنية. ذلك أن التشبيك الدؤوب مع الإمبرياليات الغربية ومستعمرات الخليج متوقف على إمكانية تحويرها من عدمه. ليت عصام سلطان يهتمّ بذلك، تماماً كما اهتم ببنية البورجوازية المصرية المعاصرة. لو فعل لوفّر على نفسه وعلينا مزيداً من الشروح حول الكيفية التي تدار عبرها آليّة النهب سلطوياً. ولهذه الآليّة اليوم اسم واحد: التكوين الطبقي الإخواني. ثمّة في المعارضة، أيضاً، تكوينات طبقية نهّابة. لا تنسوا ذلك.
* كاتب سوري