إذا كان من السابق لأوانه معرفة مدى تأثير الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل ضد غزّة على الرأي العام الإسرائيلي وإتجاهاته في الانتخابات المقبلة هناك، فقد أصبحت جليّة نتائج هذه الحرب بالنسبة للمقاومة الفلسطينية ولمنظمة حماس تحديداً. خرجت حماس من هذه الحرب مثل الصّبية الجميلة التي يتقاتل على استمالة قلبها ابن عمها الموعود بها منذ الصّغر مع مجموعة من الشباب المنتقلين حديثاً إلى منطقة سكناها.

وابن العم في هذه الحالة هو الفريق المواجه لإسرائيل وأميركا في المنطقة والمتمثِّل حالياً، مع غرق سوريا في مستنقع حربها الأهلية، بإيران وحزب الله. فقد زوّد هذا الفريق «حماس» بالسلاح، ودرّب عناصرها منذ ما قبل حرب كانون الأول 2008 على غزة، وأعاد تدريبها على مدى السنوات الأربع الماضية حتى غدت قادرة على إدارة المواجهة مع إسرائيل إدارة عقلانية مكّنتها من فرض معادلة نسبية من الردع المتبادل بين الطرفين.
أما الشباب الجدد الذين يبدو أن ظهورهم في المنطقة يسبّب بشعور ابن العم ببعض «الغيرة» على حماس فهم مصر، ودورها المستجدّ بعد الربيع العربي، إلى جانب تركيا ومحور دول الخليج المكوّن من السعودية وقطر بشكل أساسي. وقد أشبعتنا الصحافة الغربية والصحافة المموّلة خليجيّاً في المنطقة تهليلاً وتطبيلاً لنجاح هذه «المجموعة» في استمالة حماس إلى ناحيتها بعد إيقاف إطلاق النار، والدور الذي لعبته مصر في ذلك. ويبدو من تصريح رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، خلال زيارته الأخيرة لبيروت، حول التفريق بين دعم الفلسطينيين و«السمسرة» أنّ هناك ضيقاً في إيران من الدور المصري في إيقاف إطلاق النار.
وبالرغم من كلّ التطبيل الغربي والخليجي لانتقال حماس من ضفة الممانعة إلى الضفة الأخرى، وبالرغم من تصريحات خالد مشعل بعد الحرب على شبكتي السي إن إن والجزيرة، هناك حقائق معينة لا يمكن لأيٍّ من الأطراف المعنية تجاوزها. فحماس لا يمكنها أن تعادي إيران وحزب الله إن أرادت الحفاظ على مكانتها المكتسبة حديثاً. هذه المكانة لم تكتسبها سوى بسبب النتائج العسكرية للحرب الأخيرة واستطاعتها ايصال صواريخها إلى تل أبيب والقدس الغربية. الاحتضان المصري، على أهميته، لا يكفي للإبقاء على مكانة حماس من دون حفاظها على قدراتها العسكرية. والقدرات العسكرية لحماس لا يمكن أن تأتي، وحتى إشعارٍ آخر، إلا من إيران وحزب الله.
أما من ناحية إيران وحزب الله، فمن الخطأ الشديد حشر حماس ودفعها إلى زاوية ضيّقة لإجبارها على الانضمام إلى واحد من «فسطاطين» متنازعين في المنطقة. فالأمور أعقد من ذلك بكثير، والأحرى بفريق الممانعة تبني انتصار حماس النسبي في معركة غزة الأخيرة بالكامل ومتابعة دعمها بالسلاح حتى استعادة ترسانتها بأكملها. وقد كان السيد حسن نصر الله صائباً في موقفه المتبني لانتصار حماس الأخير والمنفتح على استمرار التعاون والدعم بين فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين. فلا يجوز أن تنحصر علاقات فريق الممانعة في المنطقة بالقوى التي تتفق معها بالموقف من النظام السوري والحرب الأهلية الدائرة رحاها في سوريا (أي بالعكس تماماً ممّا يدعو إليه باستمرار ناهض حتّر هذه الأيام على صفحات «الأخبار» في تحليلاته العجيبة التي وصل فيها إلى أنّ فلسطين هي تفصيل صغير بالنسبة إلى الحرب الدائرة في سوريا اليوم) ذلك أن حصراً كهذا لن يؤدي إلا إلى عزل قوى الممانعة عن الرأي العام العربي بشكل مجاني، خاصة وأن المنطقة وقواها تعيش منذ اندلاع الربيع العربي حالة ديناميكية جديدة لم تعهدها منذ نيل دولها لاستقلالها.
فمهما قيل عن تناغم، أو تقارب، بين مصر وتركيا ودول الخليج (السعودية وقطر بشكل خاص) لا يجوز وضع كل هذه الدول في سلّة واحدة. فمصر الآن مختلفة جداً عن مصر حسني مبارك حتى ولو كانت تعاني ما تعانيه تحت حكم الإخوان المسلمين. فهؤلاء مضطرون، إذا أرادوا البقاء في الحكم، إلى الإبقاء على مقدارٍ معيّن من الشرعية الشعبية وإلى الاستجابة للرأي العام المصري تجاه القضية الفلسطينية. وهم مضطرّون بالتالي إلى الإبقاء على مقدارٍ من الاستقلالية النسبية في الدور الإقليمي لمصر مهما سال لعابهم أمام مغريات الصفقات الكبرى مع الولايات المتحدة الأميركية. وسوف يؤدي هذا الأمر بلا شكّ إلى الاتساع التدريجي للدور المصري على حساب الدور المصطنع والمنفوخ للمحور الخليجي في المنطقة.
حتى تركيا، التي فقدت الكثير من مكانتها لدى الرأي العام العربي، والتي كانت قد اكتسبتها من مواجهتها للصلف الإسرائيلي بعد حرب 2008 على غزّة، من الخطأ وضعها في سلة واحدة مع محور دول الخليج. فالمشكلة مع تركيا ليست انعدام استقلاليتها وتبعيتها التامّة للأميركيين كما هي الحال مع دول الخليج، بل هي أنها بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم في دول الربيع العربي يبدو وكأن اقطاب حزب العدالة والتنمية الحاكم هناك ارتأوا حصر علاقاتهم العربية بالإخوان المسلمين تحديداً. وقد أدى ذلك إلى انحصار زاوية نظرهم نحو العالم العربي في خرم إبرة ضيّق جداً.
يمكن الاستنتاج مما تقدّم أنّ فريق إيران وحزب الله مدعو إلى الانفتاح على مختلف القوى الفاعلة في المنطقة العربية والتعامل الإيجابي مع الخصوصيّات المختلفة لكلٍّ من هذه القوى. والمرجو أكثر من ذلك أن يتّخذ هذا الفريق من موقف السيّد حسن نصر الله، الآنف الذّكر، مدخلاً ليس فقط للانفتاح بل أيضاً للبدء بإعادة بعض التوازن إلى موقفهم العام من الحرب الأهلية السورية بما يمكنهم من لعب دور إيجابي في محاولات التوصّل إلى حلٍّ ما للمأساة الحاصلة في سوريا. إن الكلام الواضح حول هذا الموضوع الذي أطلقه فاروق الشّرع مؤخراً عبر «الأخبار» يجب أن يشكّل حافزاً كافياً لهذا الفريق كي يتجه في هذا الاتجاه. يبقى القول أخيراً إنّه لأمر غريب ومؤسف فعلاً أنّ النظام السوري الذي ساهم، على مدى السنين الماضية، في إيصال المقاومة في فلسطين ولبنان إلى ما وصلت اليه، يساهم الآن في عزل فصائل هذه المقاومة عن باقي المنطقة، بل وحتى في عزل هذه الفصائل عن بعضها البعض بسبب اختلاف مواقف هذه الفصائل من الحرب الأهلية التي جرّ نفسه وشعبه والمنطقة إليها.
ويبقى القول أيضاً إنه مهما ظهرت الأمور معقدة على الجهة العربية بعد حرب غزة، فتبقى هذه الحرب علامة أخرى على أنّ إسرائيل قابلة فعلاً للهزيمة على أيدي العرب على المدى الطويل، خاصّة إذا استطاعت القوى العربية المستقلة، والمستعدّة لمقاومة إسرائيل، تلافي الانقسامات التاريخية في مجتمعاتها وتوحيد طاقاتها.

ملاحظة: إن عدم التطرّق إلى مسرحية زيارات قوى الرابع عشر من آذار الأخيرة إلى غزّة، في هذا المقال، ليس سهواً بل عمداً بسبب تفاهة هذه المسرحية وسخافتها.
* كاتب لبناني