تبدو الصورة غير واضحة تماماً للمرء العادي والمراقب على حدّ سواء، طالما أنّ الولايات المتحدة لم تفصح بالكامل عن محددات وملامح استراتيجيتها المقرّرة للمرحلة المقبلة بُعيْد التجديد للرئيس الأميركي باراك أوباما. لا شك في أنّ الضغوط الداخلية تلقي بثقلها على مركز القرار الأول في العالم، وكذلك التحديات الخارجية التي تتهدد استمرار النفوذ الأميركي في المجال الدولي على المنوال ذاته، بل الأحادية القطبية ذاتها. فهل صحيح أنّ الإدارة الجديدة تعتزم تطبيق استراتيجية جديدة في مجال إدارتها للعلاقات الخارجية؟ وهل يعقل أن يصل الأمر إلى حدّ الانقطاع عن الماضي في لحظة تخلّ، أم أنّ المسألة لم تبلغ هذا الحد؟

أخفقت الولايات المتحدة الأميركية في تحقيق الأهداف التي كانت تتوخاها من وراء الخطة التي كانت مقررة لسوريا، وإن كان هناك ثمة من يزال يكابر ويرفض الإقرار بتطور الأمور في الميدان وفي الأروقة الدولية أو يجهل ذلك. لم تخسر واشنطن بطبيعة الحال كلّ الأوراق التي بيدها، وهي لم تربح بالمقابل هذه المعركة، لكنها أنجزت بعض المكاسب، وإن لم تتمكن من استكمال عملية تنفيذ مخططها في المنطقة والذي يبدأ في سوريا. أرادت الإدارة الأميركية تكوين هيكلية منظمة ومسلحة تحظى بمعاضدة تركيا لضرب نظام الرئيس بشار الأسد وتدمير سوريا. تأتي بعدها المواجهة مع حزب الله وكذلك الحرب على إيران، والرهان هنا على المحور المناهض للأخيرة في الجبهة الإسلامية السنية وحتى الأصولية الجهادية. وتكتمل الصورة بالعمل على إخراج روسيا من الشرق الأوسط والانكفاء عن المتوسط، بل تفجير روسيا بتوسيع رقعة الحراك المتمدد للتنظيمات الجهادية الإسلامية ونقله إلى داخلها. في الواقع، لقد تمكنت الولايات المتحدة من استقطاب الجهاديين من شتى أصقاع الكرة الأرضية وإقحامهم في المحرقة المتواصلة على الأراضي السورية. وهي بذلك تخلصت من خطر التهديد الذي يمثله حمَلة هذا الفكر الأصولي على مصالحها في مناطق أخرى، أو على الأقل حصرت نطاق التمركز والتحرك للتيارات الجهادية والأصولية في دائرة محددة. كما استطاعت أيضاً تدمير، أو بالحد الأدنى إضعاف قدرة الدولة في سوريا على خوض الحرب ضد العدو الصهيوني والصمود والترقي لفترة غير قصيرة، فأزالت بذلك احتمالات وجود دولة قوية على مقربة من إسرائيل، ربما كانت قادرة مع غيرها على إلحاق الهزيمة بها إلى حدّ تغيير وجه المنطقة.
هذا التعثر في بلوغ بنك الأهداف الموضوعة للحرب على سوريا، والتي كانت مقررة منذ سنوات، يفترض الخوض في الخيارات البديلة في ظل التردي في داخل الولايات المتحدة وتبدل المناخ العالمي، ومنه تغير موازين القوى الدولية. هكذا أدركت الإدارة الأميركية ضرورة البدء بخطى هادئة وغير معلنة في عملية التحول في طريقة مقاربة القضايا الدولية، ذلك أنها تعي بأن اللحظة ملائمة لإحداث مثل هذا التغيير في هذا التوقيت بالذات مع بدء عمل الفريق الحكومي الجديد. فإعادة انتخاب الرئيس باراك أوباما لولاية ثانية تجعل الإدارة الأميركية أكثر تحرراً من الضغوط، كذلك أكثر قدرة على المبادرة، وربما اتخاذ قرارات جريئة بل تاريخية لعقد التسوية وإحلال السلام والقبول بالشراكة الدولية. والموضوع هنا لا يقتصر على الإرادة الفردية للرئيس باراك أوباما وحده، بل إنّ التحول المرتقب في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وبالتالي التحول المفترض في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، وغير ذلك من المعلومات والملاحظات، كله يدلّل على تبدل موضوعي في المزاج العام لصانعي القرار في داخل تلك الدائرة الضيقة للحكم في أميركا. هناك قرار استراتيجي بإطلاق رؤية جديدة للعمل في المجال الدولي، وفي كيفية التعامل مع ملفات وأزمات المنطقة على وجه التحديد. ولكن إدراك هذا التغيير، كما البدء بتنفيذ بنوده، يحتاج إلى بعض الوقت، ولا يمكن أن يحصل بطريقة دراماتيكية أو أوتوماتيكية، وإنما من ضمن مقاربة براغماتية تنطوي على تحولات أو تغييرات ملحوظة بوتيرة بطيئة وثابتة.
يأتي قرار الإدارة الأميركية بإعادة النظر في استراتيجيتها في المنطقة على خلفية التدهور المحدود للنفوذ الأميركي فيها نتيجة التقهقر في العراق والإخفاق في سوريا وثبات المقاومة في لبنان وعودة روسيا وصعود الصين وغير ذلك، وهو يندرج في إطار الواقعية السياسية في التعامل مع المستجدات الدولية والإقليمية. لن تكون الولايات المتحدة أكثر التزاماً بالمبادئ الديموقراطية أو حتى أكثر انشغالاً بالقضايا الإنسانية، لكنها أكثر تشبثاً بتأمين مصالحها مرة أخرى على حساب تطلعات الشعوب في بلدان المنطقة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية. بيد أنّ المضي في هذه الاستراتيجية الجديدة التي تفترض التفاهم مع روسيا وتقاسم مناطق النفوذ، كما المصالح الحيوية في محاولة لتطويق الصين، يصطدم بمعارضة شديدة في داخل الولايات المتحدة وعلى مستوى بعض المراكز الفاعلة في دوائر القرار الأميركي في وزارة الخارجية والاستخبارات المركزية والبنتاغون، وكذلك قيادة حلف شمالي الأطلسي. والمقصود هنا بالتحديد تلك الطغمة التي خططت للحرب على سوريا، وكذلك الحصار على إيران والقضاء على حزب الله. ثمّة من كان يعمل داخل الإدارة الأميركية على محاصرة وتصفية هذه الدول والأنظمة والتنظيمات في محور المقاومة والممانعة لتحقيق الأهداف الصهيونية، وهو لا يزال مؤمناً بخيار الحرب واللجوء إلى القوة، كما يعارض تماماً فكرة التعاون مع الروس لإدارة الملفات العالقة في المنطقة والعالم من ضمن شراكة ثنائية تضمن المحافظة على المصالح الأميركية الاستراتيجية. هذه المعارضة في داخل واشنطن هي التي تحول حتى اللحظة دون إنجاز الاتفاق الروسي الأميركي الذي يكفل إدارة المرحلة المقبلة بطريقة متوازنة، والذي بات العديد من بنوده معروفاً وقيد التداول. وهو الأمر الذي يمنع رضوخ أو قبول الأميركي دون مكابرة للصيغة المطروحة للإدارة الدولية المشتركة، بعيداً عن محاولات الاستئثار بالنفوذ الدولي.
لن تتخلى الولايات المتحدة الأميركية بتاتاً عن مآربها التقليدية في هذه المنطقة، لجهة الالتزام بحماية أمن إسرائيل وتلبية مطامعها من النفط والطاقة. وهي تصر على إظهار قوتها وصمودها في وجه التحديات الداخلية والخارجية. والأكيد أنّ الإدارة الأميركية اليوم لا تشبه طبعاً تلك التي كانت قبيل البدء بالحرب على الإرهاب في بدايات العقد الماضي، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001. فبعدما خاضت غمار الاحتلال المباشر في أفغانستان والعراق، تبعاً لنظرية الهجمة الاستباقية، وكذلك التآمر والاعتداء على سوريا، وقبل ذلك الحرب الإسرائيلية على لبنان، تبدو الإدارة الأميركية أكثر تعقلاً وواقعية في طرح الأمور والنظر إليها بطريقة مغايرة، أقلّه داخل مركز القرار، ذلك أنّه لم يظهر بعد إلى العلن. لقد بدأ البيت الأبيض، ومن معه في قلب الحكم، حملة تطهير داخل الإدارة الأميركية في سبيل تشكيل فريق عمل متجانس ومتماسك، يكون أكثر التزاماً بالنهج الجديد، وصولاً إلى عقد معاهدة تفاهم من الجانب الأميركي مع الطرف الروسي. تندرج استقالة رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الجنرال ديفيد بترايوس في هذا الإطار، وكذلك تعيين السيناتور جون كيري على رأس الدبلوماسية الأميركية، كما «الاستغناء عن خدمات» هيلاري كلينتون، وتسمية السيناتور السابق تشاك هيغل وزيراً للدفاع، وغيرها من التشكيلات السياسية والأمنية والدبلوماسية في صلب الإدارة الحكومية المزمعة. لم يعد هناك مجال لمن كان يعرف بصقور البيت الأبيض، كما في عهد الرئيس السابق جورج بوش، للعب دور في المرحلة المقبلة، حتى إن المتعصبين لفكرة دعم إسرائيل المتواصل من الأميركيين الصهاينة ملتزمون بالتقيد باستراتيجية أميركا الجديدة، عملاً بما تقتضيه تلك الواقعية السياسية لبلوغ الأهداف العليا الحقيقية.
تسعى الإدارة الجديدة إلى تلميع صورة الولايات المتحدة في مجال العلاقات الخارجية والاستراتيجية، وهذا لا يعني أنها تخلت إلى غير رجعة عن حلفائها ومصالحها. قد يظن البعض أن ما تريده الآن دوائر القرار في أميركا، أو ما يمكنها فعله، هو التصرف بطريقة مختلفة، ربما تكون أكثر إنصافاً للقضايا العربية، بإجراء تغيير جذري في النمط السلوكي الخارجي، وهو في الحقيقة مخطئ ومفرط في المغالاة بالرهان على المستقبل مع بدء الولاية الجديدة للرئيس باراك أوباما. ما تحاول الإدارة الأميركية فعله هو الاستعاضة عن الحروب المباشرة بالحروب غير المعلنة أو الحروب بالواسطة، وهو الأمر الذي يستلزم طيّ صفحة الماضي ومحاولة التجديد في المظهر الذي تطلّ به على أبناء بلدان المنطقة. وقد اقتضى هذا الأمر استبعاد العديد من المسؤولين الأجانب من رجالات الاستخبارات والأمن الذين تورطوا أو انخرطوا في المعركة. في هذا الصدد، تبدو وفاة المدير السابق للاستخبارات المصرية اللواء عمر سليمان في الولايات المتحدة بطريقة غامضة ومفاجئة بحاجة إلى إعادة نظر. كذلك ثمّة من يرى أن فرضية تصفية العميد اللبناني وسام الحسن ربما تحتاج إلى الوقوف عندها، وقد تكون منطقية بل مرجحة من هذا المنظار. كما أن تعيين الأمير بندر بن سلطان محل الأمير مقرن بن عبد العزيز على رأس جهاز الاستخبارات العامة في المملكة العربية السعوية أيضاً ذات دلالة. ثمة اتجاه للتخلص من بعض مخلفات الحقبة الماضية بقصد الولوج إلى المرحلة المقبلة، مع ما يعنيه ذلك من خلط للأوراق وإعادة ترتيب الصورة. فإدارة المرحلة الجديدة تقوم على استخدام طرق مختلفة من قبل فريق عمل مستحدث لتخطي العقبات التي قد يحدثها بقاء القديم على قدمه.
من الواضح أن الإدارة الأميركية أجرت مراجعة للمرحلة التي خلت بكل مندرجاتها. وهي في المبدأ مستعدة للدخول في عقد التفاهم مع الروس، وإن اقتضى الأمر بعض الوقت للبدء بتنفيذ خطة الحل. أول بنود الاتفاق ينصّ على وقف إطلاق النار في سوريا ولا شيء سواه، وإرسال قوات دولية لحفظ السلام تحت ستار الأمم المتحدة، على أن تتشكّل بمعظمها من دول معاهدة الأمن الجماعي. يلي ذلك، تنفيذ قرار بغاية الأهمية يقضي بتصفية الجهاديين، وهو الأمر الذي يحتاج بدوره إلى بعض الوقت، ويفترض التعاون والعمل الدولي المشترك بين موسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية. وقد يعقب ذلك إعطاء الضوء الأخضر لتطبيق الخطة المعدّة لتجزئة المملكة العربية السعودية، الأمر الذي تعمل عليه وكالة الاستخبارات المركزية!
* باحث سياسي