كالعادة؛ أنباء جديدة عن اعتقال مواطن أردني على الأراضي السعودية من دون إبداء الأسباب أو إعلان التهم الموجهة له. بينما تتفضل وزارة الخارجية الأردنية بالخروج عن صمتها بتصريحات مقتضبة تؤكد عدم تثبتها من أيّة معلومة حول مواطنها المعتقل، وعجزها عن متابعة قضيته والسعي إلى الإفراج عنه.

خالد الناطور ناشط سياسي لم يتجاوز السابعة والعشرين من العمر، ويعمل مبرمجاً لدى إحدى الشركات الأردنية، ويسافر للمرة الأولى إلى السعودية بغرض تدريب موظفي شركته التي تمتلك فرعاً لها هناك مدة شهر واحد. ومنذ وصوله إلى مطار الرياض في السادس من كانون الثاني المنصرم، أُلقيَ القبض عليه ليلفّ الغموض مصيره، حال معتقلين أردنيين آخرين هناك يواجهون تهماً سياسية وجنائية هناك شكوك بصحّتها.
«جوقة الظلّ» سارعت الى إلقاء اللوم على الناطور، ونشْر صور مفبركة له في سياق دفاعها عن عجز الأردن الرسمي، لتحتشد المواقع الإلكترونية بتعليقات حول خبر اعتقاله وصلت إلى حدّ اتهامه بالتجسس لدى جهات «غير معروفة»، وتعيب عليه المشاركة في تظاهرة أمام السفارة السعودية في عمّان ضد التدخل العسكري لقمع ثوّار البحرين.
وبثّ آخرون صورة مزورة للناطور (جرى تركيبها عبر الفوتوشوب) يضع فيها عصبة سوداء على رأسه وخريطة فلسطين معلقة على صدره، وخلفه علم فلسطيني كُتب عليه: لا إله إلا الله/ محمد رسول الله، بغرض التشكيك بولائه والإيحاء بانحيازه السياسي المتطرف.
«انحياز» عبّر عنه خالد الناطور بانخراطه الدائم في الاعتصامات والاحتجاجات المناهضة لغلاء الأسعار والفساد والقبضة الأمنية في بلاده، ولم يدر في خلده أن «العقاب المنتظر» سيناله خارج الحدود.
ينضمّ معتقلنا الجديد إلى قائمة معتقلين في السجون السعودية، ولم تبذل جهة حكومية جهداً في تحديد أعدادهم ومتابعة شؤونهم، بل تصمت عن القول بأنّ اعتقالهم غير قانوني مطلقاً، وأنّ أغلبهم زّج به في تلك المعتقلات من دون ذنب ولم توجّه لهم أيّة تهمة على الإطلاق، ويتعرضون لأبشع صنوف التعذيب، وفق رواية المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الأردن. بضعة اعتصامات نفذها أهالي المعتقلين خلال الأعوام الماضية، الذين يضطرون _ في نهاية المطاف _ الى مناشدة الملك الأردني للتدخل والإفراج عن ذويهم، لا يملكون بذلك إلا انتظار «غُيّاب» لا يخضعون لمحاكمة عادلة، ويُحرم الأهل من زيارتهم والاطمئنان على حالتهم الصحية.
«انتظار» يذكّر بطوابير العاطلين من العمل في مكاتب التوظيف جرياً وراء لقمة العيش في السعودية، مجبرين بعقد عمل بحسب نظام الكفيل الذي يشرّع طرد الموظف وترحيله متى شاء ويمنعه من التنقل داخل مدن المملكة ويحرمه جزءاً من حقوق العمل. واتساقاً مع هذه المنهجية، تشير تقارير حقوقية إلى قذارة السجون السعودية وانتشار الحشرات فيها وخلوّها من الأطباء، إضافة إلى ما تعانيه المعتقلات _ على وجه الخصوص _ من حبس انفرادي أوقاتاً طويلة، ونقص الحليب اللازم لتغذية أطفالهن، وتذهب بعض هذه التقارير إلى التأكيد بوقوع حوادث اغتصاب وتعذيب حتى الموت.
المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وبجهود فردية من أعضائها، أحصت عدد المعتقلين _ بشكل تقريبي قد يتغيّر كلما أفرج عن بعضهم واعتقل آخرون _ والذي يعتقد بأن 15 إلى 16 منهم أوقفوا على خلفيات سياسية، فيما وصل عدد السائقين الموقوفين إلى 25، هم «ضحايا تجار المخدرات الذين يهربون من العقوبة ليتحملها السائق وحده، وفق رئيس المنظمة المحامي عبد الكريم الشريدة.
المصدر ذاته يؤكد تسلّم وزارة الخارجية والديوان الملكي في عمّان قائمة المعتقلين ولم يقوما بأيّ إجراء بهذا الخصوص.
الذاكرة الأردنية تحفل بتجارب سيئة لمعتقلين توفوا في سجون المملكة السعودية تحت التعذيب، كان آخرهم أستاذ اللغويات د. محمد أمين النمرات (46 عاماً)، الذي حكم بالسجن عامين لأنّه تحدث عن الجهاد في الإسلام في ندوة نظمتها الجامعة السعودية التي يعمل فيها، مستحضراً نموذج الجهاد ضد القوات الأميركية في العراق، وقد نقل بعد ثلاث سنوات من اعتقاله إلى المستشفى ليفارق الحياة نتيجة نزف معوي حاد.
أمثلة لا تحصى، وكان أغربها اعتقال طالب أردني يدرس في جامعة المدينة المنورة، ولا يعرف عنه سوى تفوقه على أقرانه جميعاً في تحصيله الدراسي.
ورغم توقيع الجانبين الأردني والسعودي على اتفاقية تبادل السجناء المحكومين بالإعدام، إلا أنها بقيت حبراً على ورق، لنفاجأ بعدها بفيديو تبثه وسائل إعلام يحوي مشاهد مؤلمة تصوّر إعدام أردني تنفيذاً لحكم شرعي في إحدى الساحات العامة في السعودية.
منظمات حقوقية طالبت الحكومة الأردنية بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، موضحةً أنّ في الأردن سجناء سعوديين متهمين بالمتاجرة وتهريب المخدرات وجنح أخرى، وتقوم السلطات بترحيلهم إلى بلادهم لقضاء مدة محكوميتهم هناك.
انتهاك الرياض للقوانين والاتفاقيات الدولية لا يلغي البعد السياسي خلف هذه الاعتقالات بذريعة انتماء عدد من المعتقلين إلى الفكر الجهادي، بينما تجنّد السلطات السعودية _ في الوقت نفسه _ أردنيين منذ ثمانينيات القرن الماضي للقتال في أفغانستان والشيشان والبوسنة، وتدعم بعضهم، اليوم، وهم يقودون «جبهة النصرة» وغيرها من الجماعات المقاتلة في سوريا.
دعم سعودي يستحق «الإشادة» لاختلاقه ورعايته مقاتلين ينظمون طلاباً وعاطلين من العمل ومهمشين في بيئات أردنية مفقرة في مدن الزرقاء، والسلط، ومعان، والمخيّمات عبر جمعيات ومشايخ وتنظيمات تنال مخصصاتها المنتظمة من الدولة السعودية وعلى مرأى أجهزة الأمن الأردنية، يضاف إليهم تأثيرات عودة العاملين في الخليج بعد اكتسابهم ثقافة دينية متشدّدة تحوّل نمط حياتهم الاجتماعية، بدءاً من تعزيز نزعتهم الاستهلاكية وتغيير عادات طعامهم، وانتهاءً بتبنّيهم مواقف مؤيدة لإنشاء دويلات إسلامية.
«مقاتلين» و«عاملين» لدى الدولة التي تعتمد الشريعة الإسلامية بديلاً من الدستور، فيما يُعتبر البقية خارجين عليها وأعداء بالنظر إلى «ما تواجهه المملكة من حسد الحاسدين»، كما صرّح العاهل السعودي يوم الثلاثاء الفائت.
*كاتب أردني