الى جورج عبدالله


جورج عبدالله، ابقَ حيث أنت، «لأنك في ضمير سجنك أسعد منّا نحن في سجن الضمير».
كان ذلك في ليل باريس الطويل. كنّا كالذئاب، نعرف أن الخداع يطاردنا وأن الموت يراودنا عن نفسه بين رصاصتين: واحدة صديقة وأخرى عدوّة. عزلتك وحدها كانت قادرة على تحمّل أفكارك الكبيرة، غير أنك وصلت متأخراً يا رجل. «كم كنت وحدك يا ابن أمي، كم كنت وحدك». تعاطفنا معك، وسألنا عنك، فكان الجواب: انتخاب الجلاد وانتقاء المقصلة.
مسيحي ماركسي مستقل: جنون لا يطاق. إنك كالجوع يا رجل: لا يتبنّاك أحد. فهمت لماذا لم ألتقك أبداً: مسألة جغرافيا وانتماء. خطان متوازيان لا يلتقيان إلا بإذنه تعالى، وإذا التقيا فلا حول ولا قوة...
تحمل ماركس على دراجتك النارية وتهبط من القبيات إلى مخيم البارد. وأحمل سعادة على كتفي وأستقل سيارة أجرة إلى مخيم البداوي. هكذا دوماً كنّا على بضعة كيلومترات من اللقاء في فلسطين الحبيبة. «وهكذا دوماً كلما كنّا على وشك الزفاف، كان المأتم يتقدم مهيباً فيفرّق وهو الإنسان ما جمعه الله».
خسئ رفاقك يوم صدّقوا أن في باريس عدالة. خسئوا يوم سكتوا عن عهر فرنسا وخساسة ساستها وتزوير قضاتها وصغر نفوس مناضليها. كان عليهم أن يحرروك كما يحرر الأبطال، ليس لأحد حق سبيك. كان عليهم أن يرسلوا جواز سفرك اللبناني إلى «الحية الشهيدة» كي تمزقه، فيهبط منسوب السم في دمعها.
لا تظن أن الجلجلة وراءك، لم تعبر حتى الآن سوى جبل الزيتون. الجلجلة أمامك يا رجل، فاقرأ: من بيروت إلى القبيات عالم دانتي المعاصر. سيفرغ قلبك من كل ما اقترف من الحب. هنا سيقايضونك على جلدك، هنا سيفرحون بك وعليك. هنا ستحمل «جورج» كالهم و«ماركس» كالمصيبة واستقلالك كالنعش، «تحمل هاويتك وتمشي».
في بيروت: رحلت المومسات الطيبات صديقات الفقراء من وسط المدينة، حلّت محلهنّ هاويات آنيّات يُجِدن العهر واستقطاب المال السهل ويتلوّين على طاولات الراحة التجميلية.
في كسروان: الوجوه نفسها تتهافت على تحالفات آنية بغيضة، هدفها فقط النيل من الجار أو الأخ أو ابن العم.
في جبيل: يقبع فارس البحر متمترساً بالفكر التكفيري الجديد، علّه بهذا النور الفلسفي يضعف أخصامه السياسيين.
في الكورة: تمثيل شعبي للقوات وما أدراك!
القلمون هانئة «زي ما هيّا»، وطرابلس قندهار المشرق.
من عتبة مقهى الأندلس رحل «الآغا» إلى العالم الآخر، قرفاً من المثقفين المتهافتين على زواريب المال والسلطة تاركين وراءهم ظفار وعدن وفيتنام وأميركا اللاتينية.
صعوداً إلى عكار: في الأفق كتائب النصرة، شمالاً فتح الإسلام، غرباً حزب التحرير وخالد الضاهر. ارحل بعيداً يا رجل، بلّغ تحياتي إلى تشافيز وكاسترو.
وسام عيسى