قرأت مقالة للكاتب هشام البستاني عن الانتخابات في الأردن، ووجدتها تصبّ في نفس خانة المواد التي تروّج للتوطين والمحاصصة في الأردن، وفي نفس الوقت تدّعي أنّها تحمل انتماءات أعلى، سواء أكانت قومية أم أممية أم إسلامية، ولكنها في العمق تقوم على رفض الدولة اﻷردنية وعلى العداء لها، متذرعة بالقطيعة مع النظام، في حين أنها تخدم فعلياً ذلك النظام.


المقالة هاجمتني بالاسم، أنا وقائمة انتخابية خضت فيها اﻻنتخابات إلى جانب عدد من الشبان ممن عرف عنهم الدفاع عن القضايا الشعبية. ووصفتنا المقالة بأننا قوى سياسية شوفينية انعزالية وبأننا منحنا النظام شرعية، وغير ذلك من اﻷوصاف التي تعودنا عليها من أمثال كاتب المقالة.
لن أدخل هنا في تفنيد أفكار المقالة كلها، ولكنني أكتفي بالتعليق على بعضها، تاركاً الحكم للقارئ على باقيها. وأبدأ من خطأ معرفي كبير وقع فيه الكاتب، عندما قال إنّنا نطالب بدسترة فكّ اﻻرتباط، أي بتعديل الدستور الأردني بما يتوافق مع الوضع الناشئ عن فكّ اﻻرتباط بين اﻷردن والضفة الغربية، في حين أننا ننادي وبوضوح بقوننة فكّ اﻻرتباط، أيّ إصدار قانون يشرعن فك اﻻرتباط، حيث إنّ العلاقة بين اﻷردن والضفة الغربية تحكمها اﻵن تعليمات، والتعليمات والأنظمة كما هو معروف أدنى مرتبة في السلم التشريعي من القوانين. وهذا وضع شاذ غير موجود في العالم كله، حيث ﻻ ضوابط قانونية واضحة للمواطنة تفصل ما بين اﻷردن والضفة. ومع ذلك فهناك من يدافع عن الوضع الحالي ــ من أمثال كاتب المقال ــ، حيث إنّ ذلك الوضع يسمح باستمرار الهجرة الناعمة من الضفة إلى اﻷردن. وهم في عجلتهم للدفاع باتوا ﻻ يفرقون بين قوننة ودسترة فكّ اﻻرتباط.
ترى ماذا سيكون رأي الجمهور اللبناني في حالة تشريعية غامضة تسمح بعبور عشرات آﻻف الفلسطينيين إلى لبنان كلّ عام؟ وما هو رأي القوى الوطنية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني في تفريغ اﻷرض الفلسطينية؟ بل وكم تحية سيوجهها بنيامين نتنياهو وسكان المستوطنات في الضفة إلى الكاتب وأشباهه ممن يساعدون على تخفيف الضغط على المستوطنين؟
أود ثانياً التعليق على قول الكاتب إنّنا نطالب بسحب جنسيات اﻷردنيين من أصول فلسطينية، في حين أننا أصدرنا مراراً وتكراراً مواقف واضحة ضد التجنيس السياسي وضد سحب الجنسيات في نفس الوقت، علماً أنّ المشكلة الحقيقية في الأردن هي استمرار التجنيس السياسي، والذي وصل إلى حدّ أن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس يحمل جنسية أردنية ورقماً وطنياً أردنياً، مثله مثل كبار قادة السلطة والمنظمات، ومن بينهم من حصل على الجنسية خلال اﻷعوام اﻷخيرة، كمحمد دحلان. وأستغرب إصرار الكاتب على تزييف الحقائق بهذا الشكل لولا أنّه يسعى تحديداً إلى التشويه.
ومن المفيد هنا اﻻلتفات إلى أنّ الكاتب، الذي يقدم نفسه كعروبي ويساري وذي انتماءات عليا، ﻻ يتورع عن اﻻنحدار إلى درك المحاصصة، حيث يتحدث عن أن اﻷردنيين من أصول فلسطينية لم يحصلوا على ما يوازي ثقلهم السكاني في اﻷردن. ونحن في المقابل نقدم مشروعاً وطنياً لكلّ اﻷردنيين، يلحظ خصوصية اﻷردنيين من أصل فلسطيني في ملف العودة، ولكنه يعمل على إدماجهم في مشروع وطني أردني تقدمي. وخطابنا بالمناسبة يلقى قبولاً متزايداً ــ وإن محدوداً ــ في أوساط المخيّمات الفلسطينية بعد أن بذلنا جهوداً كافية في دحض اﻷكاذيب واﻻفتراءات التي نواجهها من أمثال هذه المقالة، كما أنه يلقى قبولاً متصاعداً بين أبناء العشائر اﻷردنية.
ويشير الكاتب في تحليله العجيب إلى أنّ خسارتنا (الساحقة) في اﻻنتخابات جاءت بسبب برنامجنا (الشوفيني)، في حين أنّ نتائج اﻻستطلاعات التي أجريت في كافة المناظرات اﻻنتخابية التي خضناها في مدن أردنية عديدة أظهرت تفوقاً كاسحاً لنا عند جمهور المناظرات، والذي يضمّ أردنيين من كافة المشارب. وهو التفوّق الذي لم نتمكّن من عكسه على اﻷرض بسبب النقص الكبير في التمويل الناتج عن التضييق الحكومي وبالتالي غياب الوصول للجمهور حيث الكلفة العالية للإعلان، وبسبب قلة الخبرة حيث ضمت القائمة 10 شباب، معظمهم دون اﻷربعين، يخوضون التجربة اﻻنتخابية للمرة اﻷولى، إضافة إلى التلاعب الحكومي المعتاد باﻻنتخابات. لعلم فقط، فإنّ أول 3 مرشحين في قائمتنا اﻻنتخابية كانوا مطلوبين لمحكمة أمن الدولة اﻷردنية قبيل اﻻنتخابات على خلفية تهم تتعلق بمناهضة النظام، وفي هذا توضيح لطبيعة علاقتنا مع النظام، وهي علاقة تتطابق تماماً مع ما ذكره كاتبنا! وللتنويه كذلك، فإنّ مجموعتنا هي من أبرز المجموعات في نقد وتعرية اﻷساس الاقتصادي للنظام وفساده، في حين يكتفي نقاد يدعون اليسارية بانتقادات ليبرالية ﻻ تخرج عن نقد قواعد تداول السلطة، وﻻ تقترب من قواعد توزيع الثروة.
وكعادة «المثقفين» عندما يكتبون مقالات، يختم كاتبنا الكبير مقالته بمقولة استلهامية يقول فيها إنّ مشاريع التحرّر الوطني في اﻷردن، والقائمة على الهوية الوطنية، هي شوفينية وتخدم إسرائيل! هنا ﻻ أملك سوى أن أتمنى على الكاتب أن يمتلك الشجاعة لتوجيه نفس الجملة إلى المشروع التحرري الوطني الفلسطيني القائم على الهوية الفلسطينية! وأن يتحدث بذلك في صحيفة فلسطينية مخاطباً جمهوراً فلسطينياً، أو أن يتحدث بذلك في ندوة أو محاضرة في مخيّم فلسطيني، ولننتظر عندئذ ردّ الفعل على كلماته!
المقالة التي أردّ عليها هنا، هي تعبير حيّ عن ذهنية محاصصة، وعن عداء عميق للدولة اﻷردنية يعبّر عن نفسه بمهاجمة كل من يدافع عن الهوية الوطنية اﻷردنية التقدمية. ونحن حين نرفض قانون اﻻنتخاب وننتقده، وحين ننتقد النظام اﻷردني ونعارضه، فإننا نبقي في أذهاننا حرصنا على عدم تفكيك الدولة اﻷردنية، ولكن الكاتب كما هو واضح من كل كتاباته يعيش في منطق معاداة الدولة اﻷردنية ﻻ النظام.
* كاتب أردني
المقال أعلاه يأتي رداً على مقال للكاتب الأردني هشام البستاني بعنوان: انتخابات الأردن: فوز النظام والعشائرية، وسقوط اليسار. نشر في عدد 31 كانون الثاني 2013.