هذه رسالة تأخّرت لأن العاطفة تغلّبت على العقل. ما كنتُ أقوى على معاتبة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وفي المنافي. لكن قضيّة فلسطين عَمّرت، وفي العام المقبل سيمرّ قرنٌ واحدٌ من الزمن على وعد بلفور. لا يمكن ان تتحوّل مناسبات ذكرى مآسي فلسطين إلى مجرّد احتفالات هزيلة الحضور في المخيّمات. لكن مصارحة الشعب الفلسطيني واجبة على كل مَن يناصر قضيّة تحرير فلسطين. لكن، هل أن قضيّة تحرير فلسطين لا زالت هي القضيّة، أم انها استبدلت بمشاريع مختلفة من التعايش مع الاحتلال؟ هل أن تحرير فلسطين هو مشروع قائم، أم أنه بات تاريخاً عند البعض في الشعب الفلسطيني؟

استهلّ كلامي بالقول إنني مدين إلى الشعب الفلسطيني بالكثير. لا، أنا مدين إلى الشعب الفلسطيني بكياني وعواطفي وجوارحي. لا، أنا مدين لأن الشعب الفلسطيني أنقذني من الهويّة والتنشأة اللبنانيّة. القضيّة الفلسطينيّة كانت ولا تزال عندي، وعند غيري، اللقاح أو حقنة المناعة ضد التنشئة الوطنيّة اللبنانيّة، وضد كل ترسّبات الثقافة السياسيّة اللبنانيّة. للأجيال التي نشأت بعد النكبة (قبل زمن الصعود السياسي السعودي-الحريري في لبنان) كان هناك خيار لبنان مقابل خيار فلسطين. لم يكن هناك مِن مهرب آخر. كانت فلسطين طاغية على ذهن مَن يريد ان يعترض على الكيان اللبناني برمّته، خصوصاً أن هذا الكيان تأسس —مثله مثل الكيان الأردني الهاشمي- بالتوازي مع مشروع الكيان الصهيوني. كانت فلسطين عنوان الثورة على الكيان اللبناني. انا لم أوافق فقط على ان الطريق إلى فلسطين تمرّ في كل المدن والقرى اللبنانيّة، لا بل أنا كنت ولا أزال أؤمن ان الطريق إلى فلسطين يجب ان تمرّ من كل مدينة وقرية في لبنان.

كيف حدث أن محمود عبّاس أصبح زعيماً مقبولاً للشعب الفلسطيني؟

أنا، وغيري، مدينون إلى الشعب الفلسطيني. إن أجمل ما في لبنان في حقبة ما قبل وأثناء الحرب الأهليّة كان بفضل الشعب الفلسطيني في لبنان. للزمن الجميل معايير ومقاييس مختلفة: عند فريق جريدة «النهار»، كان الزمن الجميل يُختصر بحقبة السيطرة الطائفيّة الرجعيّة واللهو البورجوازي والحدود الضيّقة الصلبة للمسافة بين الطبقات الاجتماعيّة، وإخضاع الطبقات الفقيرة بالقوّة وإلحاق سياسة لبنان بالمحور الأميركي-الإسرائيلي، وتنصّل لبنان من مسؤوليّة نصرة الشعب الفلسطيني. لبنان كان أقلّ الدول والمجتمعات العربيّة تضحيّة من أجل قضيّة شعب فلسطين. لكن هناك جانب آخر من الجميل في زمن بائد، الشعب الفلسطيني أثرى الرقص والمسرح والفنّ والأدب والتعليم وخصوصاً الإعلام في لبنان: وحده شفيق الحوت كان مسؤولاً عن أكثر من ظاهرة إعلاميّة، من «المحرّر» إلى «الحوادث»، في عزّها. وكان المولجون والمولجات بشأن الإذاعة اللبنانيّة من الفلسطينيّين خرّيجي إذاعة الشرق الأدنى. حتى الظاهرة الرحبانيّة كان يحمل تبعات الإبداع فيها مُخرج مسرحيّات الرحابنة، صبري الشريف، الذي كانت صحافة الستينيات في بيروت تعترف بفضله الكبير على الإبداع الرحباني.
أنا مدين إلى الشعب الفلسطيني لأنه ضخّ في اليسار اللبناني التقليدي الستاليني ثوريّة كانت معدومة فيه. الشعب الفلسطيني وتنظيماته الثريّة -ممارسة ونظريّة- هي التي ثوّرت الشيوعيّة في لبنان وفرضت عليها تبنّي أجندة الكفاح المُسلّح، بعد ان كان فرج الله الحلو قد كتب في عام ١٩٤٢ (أي بعد ثورة ١٩٣٦-٣٩ في فلسطين): «لقد كنّا وما زلنا نقول إن نضال العرب في فلسطين ضد الصهيونيّة هو نضال سلمي» (فرج الله الحلو، «كتابات مختارة»، ص. ٣٥). ثوّر أهل فلسطين، بعد ان ثاروا على سطوة الدولة اللبنانيّة الشهابيّة القامعة، لبنان برمّته، وغيّروا من شعارات الأحزاب والقوى التقدميّة. لم يكن اليسار اللبناني ذا النشأة الإصلاحيّة الرومانسيّة الليبراليّة ينطق بلغة الثورة والكفاح المُسلّح. كان جلّ ما أراده نقولا الشاوي وجورج حاوي بعد سيطرتهما على مقدّرات الحزب بالتنسيق مع موسكو هو الحصول على مقعد نيابي أو اثنيْن. وتعامل الحزب الشيوعي اللبناني بكثير من الودّ مع سليمان فرنجيّة (الموغل في اليمينيّة) بعد انتخابه. الشعب الفلسطيني في لبنان هو الذي كان أوّل مَن مزج بين الشيوعيّة والثورة، وليس بين الشيوعيّة والإصلاح الليبرالي (أي عنوان «البرنامج المرحلي»).
لكن العتب، كما يقول أهل الشام، «على قدر المحبّة». ومحبّة الشعب الفلسطيني تدفعني إلى المصارحة.
أولاً، كيف حدث ان محمود عبّاس أصبح زعيماً مقبولاً للشعب الفلسطيني؟ وكيف اتفق أن قائد جهاز التنسيق الأمني (القمعي القاتل) مع العدوّ الإسرائيلي سيموت على الأرجح ميتة طبيعيّة في سريره، لأن مسيرة هذا الرجل لم تحرّك ساكناً في شعب علّمنا الثوريّة؟ كيف تغيّرت طبيعة القيادات الفلسطينيّة عبر العقود، وكيف سكت الشعب الفلسطيني—ويسكت— عن موبقات حكم محمود عبّاس الذي لا يتورّع عن اعتبار نفسه نتاج الديمقراطيّة فيما كانت آخر انتخابات لمنصب الرئاسة جرت قبل أكثر من عقد. (لكن متى كان غياب الديمقراطيّة عائقاً امام تنصيب الغرب والعدوّ الإسرائيلي لطغاة من شتّى الأصناف والألوان في بلادنا). هذا الرجل أتى إلى منصب رئاسة الحكومة بفضل العدوّ الإسرائيلي ورئيس جهاز موساده السابق (باعتراف إفرايم هاليفي في كتابه «رجل في الظلّ») الذي أقنع الحكومة الأميركيّة بضرورة استحداث منصب رئيس الحكومة كي يأتي محمود عبّاس ويضعف منصب ياسر عرفات. كان الشعب الفلسطيني يحاكم قياداته، وتعرّضت قيادات فلسطينيّة للاغتيال عبر السنوات وللنقد والتعيير والإقصاء بناء على التخاذل وضعف الأداء، أما اليوم فإن عبّاس يقبع في منصب الرئيس من دون أي إزعاج من قبل شعبه. لا بل هو يخدع شعبه باستمرار عبر وعود متنوّعة، ويستعين بفريق من المهرّجين (بقيادة كبير المهرّجين). لماذا لا يجود الشعب الفلسطيني ببدائل عن عبّاس ودحلان وياسر عبد ربّه وصائب عريقات وسلام فيّاض؟ كيف يمثّل أسوأ قادة أفضل شعب؟ والفساد في شلّة رام الله لا تبدو أنها تزعج الشعب الفلسطيني. كيف حدث ان الشعب الفلسطيني يستكين وهناك قادة أسوأ بكثير من أحمد الشقيري والحاج أمين الحسيني (على علاّته) ينطقون باسمه؟
ثانياً، كيف حدث ان لوثة الطائفيّة انتقلت إلى الشعب الفلسطيني؟ في عام ١٩٢٠، طلب القائد الصهيوني، حاييم وايزمن، بعد زيارة إلى فلسطين، من مكتب استخبارات الحركة الصهيونيّة وضع خطّة شاملة لمواجهة الرفض العربي للصهيونيّة. ووُضعت الخطّة وجاء في بندها السادس: «العمل على إثارة الشقاق بين المسلمين والمسيحيّين». وكيف تعامل الشعب الفلسطيني مع هذه الخطّة الصهيونيّة الخبيثة؟ باشر منذ إعلان وعد «بلفور» وتسّرب النوايا الخبيثة للحركة الصهيونيّة على إنشاء «الجمعيّات الإسلاميّة-المسيحيّة» في كل أنحاء فلسطين لتفويت الفرصة على خطط العدوّ. أصرّ الشعب الفلسطيني على نبذ الفرقة الطائفيّة التي حاول العدوّ استغلالها. أما اليوم، فإن الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وفي المخيّمات أصبح يحتضن أكثر العقائد السلفيّة والجهاديّة المتزمّتة، وأصبح الكثير من الشعب الفلسطيني يقبل بفكرة التكفير ضد المسيحيّين وضد الشيعة. كان الشعب الفلسطيني الخلّاق في العشرينيات والثلاثينيات يصرّ على سموّ القضيّة الفلسطينيّة ويميّز بين اليهود والصهاينة (حتى الحاج أمين كان يقول بذلك قبل ترحيله من فلسطين)، أما اليوم فإن هناك بين الفلسطينيّين (القادة والعناصر) مَن يتحّدث بلغة «احفاد القردة والخنازير». ولقد سألتني زميلة أميركيّة كانت تدرّس في مدارس غزّة قبل نحو عقد عن أفضل الطرق للتعامل مع نزعات طائفيّة مذهبيّة ضد الشيعة بين الطلّاب، لأن ذلك أثار امتعاضها. اذكر في سنوات الطفولة ان الشعب الفلسطيني في لبنان كان مثالاً للتضامن العلماني الوطني بعيداً عن أي حزازات طائفيّة، وكان في منأى عن الصراعات الطائفيّة البغيضة في لبنان. الشعب الفلسطيني بات معقلاً لعقائد الوهابيّة التي تتقاطع مع المصالح الصهيونيّة. وهذه العقائد الدينيّة المتزمّتة لها تاريخ عريق من مهادنة العدوّ الإسرائيلي. عبدالله عزّام كان يجول في الدول الإسلاميّة لتجنيد الشباب الإسلامي لمحاربة الجيش السوفياتي في أفغانستان فيما لم يشارك مرّة في التعبئة ضد الاحتلال الإسرائيلي. هل هجر الشعب الفلسطيني رسالة جورج حبش واختار بدلاً عنها رسالة عبد الله عزّام وصحبه من المشعوذين الدينيّين؟
ثالثاً، ما هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر في رام الله إلى باقي الأنحاء الفلسطينيّة؟ مَن زرع عقيدة اللاعنف وقرع الطناجر النحاسيّة كوسيلة وحيدة للاحتجاج ضد العدوّ الإسرائيلي؟ متى كان المجتمع الفلسطيني حاضناً لفكر التخاذل والهوان والتساهل مع عدوان إسرائيل؟ يساريّون فلسطينيّون يتجمّعون ويقرعون الطناجر في رام الله؟ هل هذا أفضل ما جادت به قريحة اليساريّين المُستحدثين المتأثّرين بعقيدة اليسار العربي اليميني الذي يرسل مندوبين عنه إلى مهرجان الجنادريّة؟ كانت المنظمّات الفلسطينيّة تتنافس في إيلاء الكفاح المسلّح الأولويّة العظمى، وأحياناً الوحيدة، لتحرير كل فلسطين. وقد كرّس ميثاق منظمّة التحرير المُعدّل في عام ١٩٦٨ (قبل تعديله من قبل بيل كلينتون وصهاينة أميركا) الإجماع الفلسطيني على ضرورة الدفاع عن فلسطين بقوّة الكفاح المُسلّح. أما الآن، فقد بات مثقّفو الشعب الفلسطيني وقياداته يتبارون في مسايرة صهاينة الغرب في المجاهرة بنبذ العنف المُسلّح بكل أشكاله، حتى ولو كان في حالة الدفاع عن النفس. ماذا حلّ بالثقافة السياسيّة للشعب الفلسطيني؟ مَن لوُثّها بلوثة الليبراليّة المقيتة الوافدة من أنظمة الخليج ومن مركز «صابان» في فرعه القطري، أو من دكاكين أنظمة الخليج في مدينة واشنطن؟ هل أن قرع الطناجر الاحتجاجية بات السلاح الأمضى في مواجهة عنف العدوّ؟ ألم يجرّب الشعب الفلسطيني وسيلة اللاعنف بين أعوام ١٩٤٨ ومنتصف الستينيات عند انطلاق الكفاح المُسلّح؟ الم يتخصّص العدوّ الإسرائيلي في قتل وجرح الآلاف من منتهجي الكفاح اللاعنفي بين العرب (راجع كتاب بني موريس، «الضحايا الأحقيّون»)؟
كيف حدث أن لوثة الطائفيّة انتقلت إلى الشعب الفلسطيني؟

رابعاً، ماذا حلّ بالتضامن الأممي مع القضيّة الفلسطينيّة؟ من حاسب قيادة حركة «فتح» التاريخيّة التي باسم «القرار الفلسطيني المُستقل» —والذي لم يكن مستقلاّ يوماً تحت قيادة ياسر عرفات أو تحت قيادة خلفه— على عزلها قضيّة شعب فلسطين عن العرب وشعوب العالم؟ كان الشباب العربي والعالمي يتقاطر إلى المخيّمات الفلسطينيّة في الأردن وفي لبنان لتقلّي التدريب على السلاح لكن قيادة «فتح» نفّرت وأبعدت التعاطف العالمي لأنها تورّطت في مشروع إجهاض الثورة الفلسطينيّة. هل الشعب الفلسطيني لا يريد اليوم ان يتلقّى تأييداً شعبيّاً من دول العالم؟ هل قيادات القضيّة الفلسطينيّة (من «حماس» و«فتح») تكتفي بالتحالف مع أسوأ الأنظمة على وجه الأرض مكتفية بما تلقاه من فتات مالي من هذه الأنظمة المعادية للشعب الفلسطيني؟ ولماذا تتنكّر الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة للمتضامنين والمناضلين من أجل فلسطين؟ هل ارتفع صوت في غزة لحفظ الجميل لـ«سامي شهاب» الذي خاطر بحياته من أجل تقوية صمود المقاومة في غزة؟ هل تخجل «حماس» بالتأييد الذي لقيته من «سامي شهاب» ومن أرسله لأسباب تتعلّق بلوثة الطائفيّة التي نتجت عن ارتهانها لأنظمة الخليج؟ وإذا كانت «حماس» لا تريد ان تتحالف مع إيران —وهذا حقّها— فهل أنظمة الخليج هي بديل أفضل؟ هل أيّ من أنظمة الخليج يناصب العداء ضد العدوّ الإسرائيلي فيما يجاهر قادة العدوّ بأن أنظمة الخليج باتت في محور واحد معه؟
خامساً، من معالم ضعف ووهن النضال الفلسطيني هو تحويل النضال الفلسطيني إلى مجرّد تعاطف عن بعد. كيف يمكن أن يصبح عنوان النشاط الفلسطيني الشبابي هو «المقاطعة» (أي مقاطعة البضائع والأفراد)، على أهميّتها. لكن «المقاطعة» هي عنوان مقبول للأجانب، فيما المقاطعة بين العرب يجب ان تقترن بالمقاومة وأن تتكامل معها، لا ان تكون بديلاً عنها. لا، بل أن سلام فيّاض وباقي دعاة التطبيع يريدون التمييز بين مقاطعة الكيان الإسرائيلي الغاصب، وبين مقاطعة البضائع الصادرة عن المستوطنات في الضفّة، وفي هذا تشريع مقصود لاحتلال عام ١٩٤٨، وأكثر.
سادساً، ماذا بقي من رسالة جورج حبش لكم ولكنّ؟ بات بعضكم يرفع صور محمد دحلان وجبريل رجّوب ومحمود عبّاس فيما تنكّرتم لواحد من أعظم المناضلين العالميّين في القرن العشرين؟ ماذا بقي من تراث جورج حبش الذي علّم الآلاف في العالم العربي والعالم حب فلسطين؟ هل حافظتم على إرثه؟ هل قدتمتم أدنى واجبات عرفان الجميل لجورج حبش؟ حديقة صغيرة مع لافتة باتت تزيّن ركناً صغيراً في فلسطين له؟ هل هذا كل ما أبقيتموه من جورج حبش؟ بات بعضكم يرفع صور عملاقة لفاسدين وطغاة ونسيتم جورج حبش؟ حبش كان مثالاً لكثيرين وكثيرات من لبنان لأنه كان مختلفاً عن كل طاقم اليسار واليمين والوسط في لبنان والعالم العربي. لو ان الذين يحملون قمصان ملوّنة بصور تشي غيفارا يعرفون عن جورج حبش النذر اليسير لاستبدلوا قمصانهم بقمصان جديدة مُزيّنة بصور هذا العملاق الثائر. جورج حبش أجمل قصيدة كتبتها فلسطين، لكن من منكم يحفظ هذه القصيدة، ويستظهرها قبل الأكل وبعده؟ محمد دحلان هو بديلكم عن حبش؟ هل انحدر الوضع الفلسطيني إلى هذا الدرك؟
سابعاً، من يحمل بينكم وبينكن مشروع تحرير كل فلسطين؟ هل بات هذا المشروع طي النسيان؟ منذ انطلاق الحركة الصهيونيّة، وحتماً منذ وعد «بلفور» المشؤوم وهناك قطاع أو اكثر في الشعب الفلسطيني يعمل بجهد ودأب على تحرير كل فلسطين وعلى القضاء على المشروع الصهيوني. لكن مَن الذي يحمل اليوم مشروع تحرير فلسطين بين الفصائل العاملة؟ قيادة محمود عبّاس المُسيطِر على «فتح» التي باتت قيادتها أداة طيّعة بيد الاحتلال؟ أم «حماس» التي تستجدي رضى من النظام السعودي (الحليف الوثيق للعدوّ الإسرائيلي) بعد ان أصبحت أداة طيّعة بيد النظام القطري (الذي يرعى «جبهة النصرة»، المتحالفة والمُنسّقة مع العدوّ الإسرائيلي) والتي تتلهّى بتعريفات متعدّدة لمعنى «الهدنة» (لعقد أو قرن، لا فرق عندها) مع العدوّ الإسرائيلي؟ هل ان المؤامرة الخليجيّة نجحت في وأد كل مشاريع تحرير فلسطين بيد المنظمّات الفلسطينيّة؟ ومنظمّات المجتمع المدني (المرعيّة أوروبيّاً) باتت لا تلهج إلّا بحمد النضال الديمقراطي السلمي وبـ... قرع الطناجر النحاسيّة. قد نكون اليوم نعيش للمرّة الأولى في حقبة من تاريخ الصراع مع العدوّ الإسرائيلي لا يكون فيه هناك فصيل أو حركة فلسطينيّة تحمل هم تحرير كل فلسطين، وهذه سابقة لا تبشّر بالخير.
ثامناً، إن العلاقة بين الشعب الفلسطيني وبين الشعب اللبناني ليست سويّة. نايف حواتمة يجول على قيادات معادية للقضيّة الفلسطينيّة ويوزّع دروعاً عليها، فيما تتحالف حركة «فتح» مع الفريق السياسي المتحالف مع الحلف السعودي - الإسرائيلي - الأميركي. وحركة «حماس» تتحالف هي أيضاً مع نفس الفريق الحريريّ، وهي استقبلت بالترحاب في غزة ممثّلاً عن بقايا الميليشيا التي ارتكبت مجازر في المخيّمات الفلسطينيّة، بما فيها مجزرة صبرا وشاتيلا. نفهم أن تكون بعض الفصائل الفلسطينيّة —أو كلّها— مُندّدة بتدخّل حزب الله في سوريا، لكنها لا تجد غضاضة من تدخّل أنظمة الخليج المباشر في الحرب السوريّة، أو تدخّل أميركا وإسرائيل؟ إما ان تكون هذه الفصائل مُدينة لكل تدخّل، أو هي تعترف بأنها متحالفة مع التدخّل الخليجي؟ والفريق اللبناني الوحيد الذي يرفع لواء مقاومة العدوّ الإسرائيلي والذي مثّلت مقاومته في حرب تمّوز افضل مثال في المواجهة العسكريّة مع إسرائيل منذ عام ١٩٤٨ بات منبوذاً من قبل الفصائل الفلسطينيّة كافّة. ما هو بديل الشعب الفلسطيني؟ هل سيدافع آل الحريري وقوى ١٤ آذار عن المخيّمات الفلسطينية في لبنان؟ وحده حزب الله —للأمانة— حاول ان يُجنّب مخيّم نهر البارد المجزرة التي تعرّض لها ورفع حسن نصرالله في حينه شعار «المخيّم خط أحمر»، لكن كل الفريق السياسي الذي تتحالف القوى الفلسطينيّة معه إعترض على الشعار وأصرّ على تدمير المخيّم. ما هو خيار الشعب الفلسطيني في لبنان؟ بهيّة الحريري وسمير جعجع والأمانة العامّة لـ١٤ آذار التي أهدت درع «الأرز» إلى جون بولتون؟
تاسعاً، كان الشعب الفلسطيني يمثّل أفضل الجوانب التقدميّة والتحرريّة في العالم العربي، وكانت نساء فلسطين في لبنان في طليعة التحرّر وهي التي أعطت سوابق في التملّص من التقاليد البالية والرجعيّة الدينيّة، أما اليوم فإن بعض المخيّمات والتجمّعات الفلسطينيّة لا تختلف عن منطقة القبائل في أفغانستان من حيث المحافظة والرجعيّة في العادات والتقاليد وأسر المرأة. طبعاً، سيصيح دعاة التزمّت الديني أن المجتمع الفلسطيني هو مجتمع محافظ ومتديّن لكنه لم يكن كذلك دائماً. كان المجتمع الفلسطيني مجتمعاً ثائراً على كل جوانب الحياة السياسيّة والاجتماعيّة. كان في المقدّمة وهو اليوم بات في ركب التخلّف الديني والسياسي.
لم تعد المسايرة تنفع. لم يعد التستّر على الأخطاء الفظيعة التي وقع فيها الشعب الفلسطيني جائزاً. والحرص على شعب فلسطيني وقضيّته تقتضي المصارحة. أن حالة الشعب الفلسطيني المُحتلّ والمُشتّت في المنافي تسوء باستمرار، وهناك ضرورة للتغيير. الشعب الذي علّمنا التغيير والثورة بات هو بحاجة للثورة والتغيير، يا للمفارقة.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)