لا يمكن معاينة تنامي حضور البحرية الروسية دون التفكير بنوع وحجم الدور والحضور الروسي المقبل في المنطقة، كما لا يمكن للمرء أن يغفل عن «البحرية» باعتبارها واحدة من الأدوات التي تعد لإسناد هذا الدور ومواجهة المخاطر التي تواجهه. ولكن قبل هذه المخاطر هناك عوائق الوصول الطبيعية، التي تتمثل بعدد من المضائق التي يجب أن تعبرها ثلاثة من أربعة أساطيل روسية، لتصل إلى البحار المفتوحة. وهذه في الغالب مضائق محروسة بدول هي، بشكل أو آخر، محكومة بنفوذ العدو الرئيسي المتمثل بحلف شمالي الأطلسي.

تعقيدات الجغرافيا تفرض نفسها كنقطة ضعف خطيرة تواجه «البحرية الروسية» في ظروف حرب، فمن حيث المبدأ، هناك واحد من الأساطيل الروسية الأربعة غير قابل لأداء مهام بعيدة، وذلك لظروف بحر قزوين المغلق، الذي لا يتصل بأيّ ممر مائي. بينما تقف مضائق الدردنيل والبوسفور والمضائق الدنمراكية في طريق أسطولي البحر الأسود وبحر البلطيق، في حين يحتاج أسطول المحيط الهادئ إلى قطع نصف العالم مبحراً من أقصى الشرق، ومع ذلك سيضطر للمرور بباب المندب ثمّ قناة السويس، أو عبور مضيق جبل طارق للوصول للمتوسط.
هذا الواقع يفرض، ابتداءً، على روسيا التشديد على التمسك بالقانون الدولي برمته، وليس فقط بما يتعلق بالممرات المائية، ويدفعها واقعياً إلى تأمين تواجد دائم في البحار المفتوحة و«المتوسط» على وجه الخصوص، لتأمين القدرة على الوصول دون عوائق. وهذا، من جهة، يتطلب تعزيز عدد وقدرة قطع الأساطيل، وهو يوجد حاجة إلى قواعد مثل تلك التي تحتفظ بها روسيا في طرطوس السورية.

أكثر من مجرد قاعدة

أعلن الروس أكثر من مرة أنهم لا يفكرون بالتخلي عن قاعدة طرطوس، بينما تعني الزيادة الهائلة في عدد القطع البحرية (نحو 130 قطعة جديدة من بينها 8 غواصات استراتيجية) مضاعفة الحاجة إلى هذه القاعدة، لا سيّما أنّ المتوسط، اليوم، أخذ معنى إضافياً باعتباره مستودعاً للغاز، وساحلاً لممر بديل للطاقة.
والأهم من قاعدة طرطوس، أنّ الوضع الجديد الذي تعيشه روسيا يوجد لديها حاجة إلى سوريا صديقة، وبعيدة عن حلف الأطلسي، واللافت أنّ موسكو اندفعت لتظهير عقيدتها السياسية الجديدة في الموقف من الأزمة السورية، وهذا ليس مجرد عناد بوجه الغرب، ولا مجرد دفاع عاطفي عن الرئيس السوري. ولكنه يكشف من ناحية عن الموقع الذي تحتله سوريا في الاستراتيجية الروسية، وهو من ناحية أخرى يعطي دمشق أفضليات واعدة في العلاقة مع موسكو لاحقاً، ويمنحها حالياً أذناً روسية شديدة الإصغاء.
وفي السياق، لا يمكن لروسيا أن تقبل بسيناريوهات الفوضى في سوريا، كما لا يمكنها أن تقبل بتمرير انقلاب سياسي تحت أيّ عنوان، وبأي وسيلة، يؤدي إلى تسليم الحكم لمجموعات لها ارتباطات بالقوى الدولية المنافسة، مثلما لن تسمح بتمرير صيغة تطيح النخبة الحاكمة في دمشق واستبعادها من الحياة السياسية. لذا، فتفسير بعض التصريحات الروسية الرافضة لتنحي الرئيس السوري، لا يجانب الحقيقة حينما يصف ذلك بأنّه مطلب روسي وليس سورياً فقط.
لقد باتت سوريا القوية، التي تستطيع أن تلعب دوراً محورياً في المنطقة، حاجة روسية. فموسكو التي لا تفضل مدّ يدها إلى نار المنطقة، يريحها أن احجامها عن ذلك لا يخلف استفراداً غربياً بمصير شرق المتوسط. وهذا لا يتحقق إلا بوجود حليف قادر على ملء الفراغ، وهذه هي سوريا.
ومن المريح بالنسبة لموسكو أنّ الحليف السوري غير متطلب، وتتوقف متطلباته عند الحدود التي تسمح بها المبادئ العامة للعلاقات بين الدول وفق القانون الدولي، الذي أضحى التأكيد عليه لغة مشتركة بين الطرفين. في حين أنّ ما يريح موسكو في الموضوع السوري هو أن المؤشرات التي تتجمع لديها تؤكد قوة النظام وقدرته على القيام بما عليه أن يقوم به لمواجهة تداعيات الوضع الميداني، بما يبعد أيّ احتمالات لتورط روسي في الحريق السوري الداخلي.

العقل السياسي

يجدر التنويه بأنّ الروس جادون تماماً بدعمهم لعملية تغيير في سوريا. لكن التغيير الذي يتحدثون عنه لا ينسجم مع الدعوات إلى اطاحة النظام، وتغيير وجه سوريا، ولكنه تغيير يحقق حياة ديموقراطية وسياسية سليمة، يخرج البلاد من حالة الاحتقان والتفجر، ويعيد إليها استقرارها. وهنا، فإنّ كثيراً من دواعي الراحة الأساسية لدى السياسي الروسي بما يتعلق بسوريا تتصل بأسباب تتعلق بطبيعة العقل السياسي السوري المستقر، الذي يعرفونه جيداً وخبروه تماماً، ويثقون به، ويستطيعون التعامل معه. وآخر ما يرغبون فيه هو رؤية سوريا في يد سياسيين جدد يتخبطون ذات اليمين وذات الشمال، كما يحدث ببلدان «الربيع العربي»، أو يكررون النموذج الذي مثله العقيد معمر القذافي بمزاجيته المعروفة.
وفي سياق العلاقة الروسية السورية، يحضر تاريخ العلاقات التي تواصلت رغم انهيار الاتحاد السوفياتي، وما تبعه من اضطراب كبير في السياسة الخارجية الروسية في عهد يلتسين، كما تحضر كذلك فكرة أنّ سوريا هي صانعة واحد من أقدم التحالفات في العالم (العلاقة مع إيران)، في نموذج عجزت الدول العربية مجتمعة عن أن تحقق مثله في ما بينها، حتى تلك التي تتفق في الموقف والمصلحة.
استقرار العقل السياسي السوري، جعل من دمشق بالنسبة للسياسي الروسي الطرف العربي الوحيد القادر على بناء علاقات مستقلة وتحالفات استراتيجية طويلة وموثوقة، وذات مردود ايجابي ومثمر. وفي منطقة مثل منطقتنا تصبح هذه قيمة عليا، بينما يصبح هذا الطرف عملة نادرة مطلوبة بشدة، في حمأة البحث عن حلفاء دائمين.

تاريخ وجغرافيا

تاريخ النظام السوري مع الجماعات الاسلامية المتطرفة، يمثّل بحدّ ذاته قيمة أخرى مضافة بالنسبة إلى دولة عانت نحو عقد من تطرف اسلامي خارجي شبك خيوطه مع انفصاليين تزعمهم عقيد متقاعد من الجيش (دوداييف في الشيشان) في معادلة لم تختلف كثيراً عن مثيلتها السورية حيث ما يسمى «الجيش الحر» و«جبهة النصرة»؛ ومن اللافت أنّ الروس عاشوا التجربة السورية الحالية كاملة من التدخل الأجنبي غير المعلن لصالح الإرهابيين، والدخول في مفاوضات ومحاورات، إلى أن جاء رجل العهد الروسي الجديد (بوتين)، فقرّر أن هذه القضية سيادية ولا تهاون فيها، فشنّ حربه الجسورة (1998)، وانتهى من ملف كان يشغل الدولة حتى عن تنظيم حالة الطرق في العاصمة.
وفي الجغرافيا، تحاذي سوريا بعداء «إسرائيل»، التي لم تعد بالنسبة إلى القادة الروس الجدد، بوابة خلفية وابناً مدللاً للغرب يجب استرضاؤه لخطب ودّ ذويه، بينما تقف «إسرئيل» في وجه طموحات الشركات الروسية بالاستثمار في غاز المتوسط. وهي بذلك عامل ضغط وازعاج متوقع دائماً. وفي حين لا يرقى الأمر إلى درجة العداء، يجد الروس راحة في علاقتهم بـ«سوريا قادرة على الإزعاج»، ويمكنها أن تكون في حسابات السياسة المعادل الموضوعي للمخلب الغربي بالمنطقة.
ومن جهة أخرى، تمتلك سوريا حدوداً طويلة مع الجارة تركيا، التي تتنازعها أوهام أطلسية وأحلام عثمانية، سبق أن حاولت ترجمتها في منطقة القوقاز من خلال توفير ملاذ آمن ومحطة ترانزيت للمتطرفين المتوجهين إلى الشيشان، ومركز لنقل الأموال والأسلحة. وتلاحظ روسيا أنّ سوريا تشتبك مع تركيا سكانياً واجتماعياً، وكذلك في واحدة من أهم القضايا الإقليمية التي تقلق تركيا (القضية الكردية). وهذا الاشتباك، يبقى رغم كلّ شيء مصدر قلق تركي مطلوب في وقت ينظر فيه الروس بريبة إلى أوهام تركيا الأطلسية، وتثير فيهم أحلام الأتراك العثمانية ذكريات سيئة. وتقف سوريا في الطريق من المتوسط نحو العراق، الذي يطمح الروس إلى أن يكون له مكان مميز في منظومة دولية جديدة، وأن يشكل اتصالاً بين قطبين حليفين (إيران وسوريا) ثم بروسيا مباشرة عبر بحر قزوين، بما يتيح الاستفادة من الجغرافيا، إلى جانب الإمكانات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بمواجهة حلف يضيّق الخناق على روسيا بالمستويات نفسها من جهات أخرى، وسبق له أن أرسل موجات من الاضطراب لأراضيها باستخدام البر الجنوبي.

مهمات واختصاصات

في العلاقة الروسية ــ السورية مهمات واختصاصات تجعل موسكو تشعر بالارتياح؛ مهمات تتمثل بالجهد السوري في إدارة الأزمة الداخلية بما يلزم لمواجهة المجموعات المسلحة التي تسعى بأموال وأسلحة قوى إقليمية ودولية إلى تغيير وجه سوريا، مع الانفتاح على المطالب السياسية في تحقيق التغيير والاصلاح وتحديث الحياة السياسية واشراك المجتمع في الحياة السياسية، بما يمنع وصول روسيا إلى لحظة تواجه فيها خيارات صعبة في التدخل المباشر، مقابل اختصاصات روسية بالمواجهة في المؤسسات والأروقة السياسية الدولية، وتأمين عوامل الردع السياسي والعسكري لمنع أيّ تدخل عسكري أجنبي، والتعاون في مجال إيجاد البدائل الاقتصادية.
ويراهن فريق دولي وعربي على أنّ الاختصاصات الروسية ستصبح مرهقة مع طول استمرار المهمات السورية وامتدادها شهراً بعد شهر، وعاماً بعد آخر. هذا صحيح نظرياً، لكن التقديرات الروسية لعمر الأزمة السورية يرسم لها أفقاً يمكنه الامتداد لست سنوات. وهنا، بالكاد مضى عامان فقط، اتضح خلالهما أنّ مخاوف موسكو من التطرف الإسلامي المسلح، التمددي الطابع والقابل للتوظيف الدولي، موجودة فعلاً في عمق الأزمة السورية وعلى سطحها.
* كاتب أردني