لقد أثبت الفريق الحاكم (وهو يمثل أجنحة البورجوازية اللبنانية القديمة والجديدة، الأصلية والهجينة) مرة جديدة، من خلال انقسامه وتبعيّته، أنّه عاجز عن إدارة الشوؤن اللبنانية، استناداً إلى حدّ أدنى من الثوابت الوطنية الأساسية. والإثبات المذكور يتمثل، في صيغته الأخيرة، من خلال التعامل مع الانتخابات وقانونها والمناخات الممهّدة لذلك من قبل معظم أطراف الحكم والمعارضة. فلقد تمخّض حزب «المستقبل» عبر مبادرة رئيسه، رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، عن مبادرة يمكن اعتبارها، دون تردد، الأسوأ حتى الآن.

هي الأسوأ لأنّها تجمع «المجد» من أطرافه: اعتماد النظام الأكثري واعتماد الدوائر الصغيرة بأسوأ مما هي عليه في «قانون الستين». اعتماد الاستنساب في توزيع الدوائر بما يخدم مصالح فريق على حساب الآخرين، لكن قمة السوء في تلك المبادرة الرباعية البنود، إنما تكمن في الدعوة إلى إلغاء أو تعديل المواد الدستورية التي تقرن إنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه الطوائف اللبنانية، بانتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي!
إنّ ما تجرأ عليه حزب «المستقبل» ورئيسه لم يتجرأ على قوله، بمثل هذا الوضوح وتلك الصراحة، أحد حتى الآن. إنها عودة إلى نقطة الصفر، أو، في الواقع، ما دون الصفر. كنا نشكو من التأخير في وضع الأساسي من تعديلات «الطائف» موضع التطبيق، والتي تضمنها القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990. التعديلات تلك، من مقدمة الدستور حتى المادة 95 منه، تضمنت حيثيات وآليات إجرائية ومواقيت لإلغاء الطائفية السياسية ولإنشاء مجلس نيابي «وطني لاطائفي» يتبعه فوراً، بعد ذلك، إنشاء «مجلس شيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية» (المادة 22 من الدستور).
منذ سنوات، يردد رئيس «المستقبل» شعار «المناصفة». هذا الإجراء الموقت في الدستور، لم يكن تكراره من قبيل التمنين فقط، بل أيضاً تمسكاً بالنظام الطائفي ومساهمة في إنشاء مناخ يصبح معه خرق الدستور أمراً طبيعياً، بل ضرورياً لتكريس «العيش المشترك»! لا يعتبر هذا المنطق من عبر ودروس الحرب الأهلية التي امتدت عقداً ونصف عقد. إنه يسعى فقط، من أجل الحصول على أصوات إضافية في انتخابات تتقرّر، أصلاً، نتائجها عبر المحاصصة الداخلية والوصايات الخارجية.
إنّ تحويل الموقت دائماً هو ما تعدنا به، إذاً، مبادرة الرئيس سعد الحريري وحزبه وكتلته. يقترن ذلك باستماتة عجيبة في رفض كل تغيير باتجاه الإصلاح مهما تضاءل حجمه. أما الذرائع فأقل ما يقال فيها إنّها لذرّ الرماد في العيون. ذلك أنّه في النظام الأكثري مثلاً، يستطيع السلاح أن يكون حاسماً في تحديد النتائج أكثر مما يمكنه ذلك في النظام النسبي. إنّ تأثير السلاح وكل سلاح آخر، في النظام النسبي، يصبح نسبياً هو
الآخر.
ثمّة «أسلحة» لا تقل فعالية عن السلاح التقليدي: سلاح المال، وسلاح العصبيات، وسلاح تسخير السلطة وخدماتها، وسلاح التزوير، وسلاح الإعلام المحْتَكَر أو المنحاز. إنّ هذه الأسلحة مجتمعة، من شأنها أن تلغي حتى الكتل الكبيرة والتي لا تملك إمكانيات وفرصاً مماثلة، فكيف بالكتل الصغيرة، سواء كانت حزبية أو سياسية أو مناطقية. هذه الأسلحة، التقليدي منها وغير التقليدي، تكتسب فعاليتها القصوى في النظام الأكثري، أي عندما تتمكن أصوات قليلة من حسم مجمل النتائج معطية لصاحبها حق تمثيل خصومه ومنافسيه وليس مؤيديه فحسب.
خطورة هذا المشروع، وسواه أيضاًَ، وإن بدرجة أقلّ نسبياً، أنّه يشكّل جزءاً من مناخ الانقسام السائد في المنطقة حالياً، والذي يستخدم فيه العامل الطائفي والمذهبي أداة لصراع سياسي، من وظائفه الأساسية تشتيت القوى والجهد، وكذلك صرف الانتباه عن القضايا الرئيسية في المنطقة وعلى صعيد كل بلد من بلداننا العربية. ولا يمكن أن يخفى على أحد أن صراعات المنطقة وتحولاتها مفتوحة على مزيد من التوتر في مخاض سيكون ممتداً ومعقداً وعنيفاً في معظم الأحيان. وبنتيجة ذلك، وبسبب أنّ المصلحة الوطنية لا تشكل الأولوية، في الغالب، لدى الجهات المتصارعة، يصبح لبنان معرضاً لأسوأ الاحتمالات. واللبنانيون اختبروا، طيلة خمسة عشر عاماً، بالدم والحديد والنار والخسائر كلها، ثمن ذلك.
لا تفعل مهزلة مشاريع الانتخابات المقترحة، وأخطرها مشروع «المستقبل»، سوى زيادة التوتر والانقسام وتغذيته بالمزيد من الوقود المشتعل، بعيداً عن المصلحة العامة في استيعاب الصراعات الوافدة وفي امتصاص شحنتها التفجيرية.
للأسف لا تعوزنا الأمثلة عن المخاطر، فهي تتكرّر وتتوسّع وتتعمق كلّ يوم: من منطقة إلى منطقة، ومن عنوان إلى آخر. وكلّها يكشف قابلية الوضع اللبناني للاشتعال، وخصوصاً إذا ما استمر الشحن الحالي على هذه الوتيرة من التعبئة والتحريض والعدوانية. كمين «عرسال» والمظاهر الدموية الوحشية التي رافقته، تكشف بعداً جديداً من الناحيتين السياسية والأمنية: استهداف الجيش هو استهداف لجسر يشكل تحطيمه، بالفعل، آخر وأهم مواقع وحدة الدولة والمجتمع. والأسلوب الميليشيوي وتغطية هذا الأسلوب، هو خطوة جديدة خطيرة، بل بالغة الخطورة، نحو الانخراط في الفوضى والقتل والدمار والحرب الأهلية.
تتراكم هذه المخاطر: الاتهامات والصدامات والاشتباكات، فيما تستمر بالغياب كتلة سياسية ـــ شعبية، ويصبح غيابها كارثة ليس على أصحاب المصلحة المباشرين في قيامها (من القوى والفئات والشخصيات الحرة والنزيهة والوطنية والديموقراطية فحسب)، بل أيضاً على الوطن بمجمله وعلى المواطنين بأكثريتهم الساحقة. تكثر في هذه الأيام الأصوات والأقلام التي تتلمس أهمية حضور هذه الكتلة. كما تبرز من وقت لآخر محاولات عملية لإنجاز خطوة ما لتغيير المشهد السياسي الراهن في البلاد. لكن تلك المحاولات تبقى رهينة تكرار أخطاء في التوجه والبرامج أو في تقديم الخاص على العام والفئوي على الوطني.
يعاني المشهد السياسي اللبناني، منذ سنوات، من ثنائية حصرية «آذارية» تتعمق باستمرار، ويتعمق معها مأزق البلاد المفتوح على أسوأ الاحتمالات. لقد آن الأوان لإعادة قراءة تجارب وسلوك بعض القوى التغييرية بشكل جدي ومسوؤل، وبعيداً عن العبثية والفئوية والعجز.
الهدف هو تقديم خيار سياسي ـــ شعبي قادر على إخراج اللعبة الدائرة من تلك المراوحة القاتلة، وبما يؤدي إلى فتح آفاق الإنقاذ أمام لبنان واللبنانيين.
*كاتب وسياسي لبناني