قلّة من السوريين، أو المصريين، يتذكرون تاريخ قيام الوحدة بين بلديهما. وقلّة من هؤلاء يهتمّون اليوم لتلك الذكرى، حين أعلنت حكومتا الدولتين، بعد اجتماعٍ مشترك عُقد في الأول من شباط/ فبراير سنة 1958، عن الاتّحاد في ما بينهما، وقيام «الجمهورية العربية المتحدة»، في لحظة تاريخيّة مفصليّة توّجت صعود الناصرية كرافعة للعمل القومي العربي، وفي ذروة كاريزمية جمال عبد الناصر، بعد توطيد حكمه في الداخل، وخروجه منتصراً من معركة إبعاد سوريا عن حلف بغداد، ثمّ نجاحه في تأميم قناة السويس، وفشل العدوان الثلاثي على مصر، بالإضافة إلى دوره في حركة عدم الانحياز، ودعمه لحركات التحرر الوطني. جاءت الوحدة السورية المصرية، في ذلك الوقت، لتؤكد زعامة مصر للعالم العربي، ودورها المحوري في الشرق الأوسط، الذي تعتبر سوريا مرآةً لصراع المصالح الدولية فيه. لكنّها، في المقابل، شكّلت منعطفاً حاسماً ترك عميق الأثر في مستقبل سوريا ونظامها السياسي، وقد كان أثراً سلبياً.

لعلّ من غير المبالغ فيه القول، إنّ ما تعيشه سوريا اليوم، هو في بعض جوانبه، من تداعيات ذلك الحدث التاريخي ونتائجه التراكمية غير المباشرة، بوصفه اللحظة التأسيسية للاستبداد السياسي الذي خيّم على البلاد في العقود اللاحقة. ذلك أنّ الثمن الذي وجب على السوريين دفعه، لكي «يرضى» عبد الناصر بالوحدة، كان إلغاء الحياة السياسية، التي طالما تميّزت بها سوريا منذ الاستقلال، فقد اشترط «الريّس» على مريديه، من السياسيين وقادة الجيش، الداعين إلى الوحدة، أن تُحلّ الأحزاب السياسية، وأن تُشدّد الرقابة على الصحافة، إضافة إلى حلّ البرلمان السوري، لأنّ استمراره لم يعد مقبولاً في ظل عدم وجود برلمان في مصر.
في تلك المرحلة، قاد البعثيون، وعدد من ضبّاط الجيش السوري، الجهود الحثيثة لتحقيق الوحدة مع مصر، ولم تكن الدوافع مقتصرةً على الخلفية الأيديولوجية، ذلك أنّ شعار «الوحدة العربية»، الذي تغنّى به المهلّلون للوحدة، لم يكن سوى الغطاء الذي يخفي الرغبة العارمة لديهم في حسم الصراع على السلطة، والتغلّب على خصومهم في دمشق، عبر الاستعانة بالمكانة التي يحظى بها ناصر في الوجدان الشعبي، وخصوصاً أنّ الحياة البرلمانية، والآليات الديموقراطية الناظمة لعمل المجتمع السياسي السوري آنذاك، لم تمكّن هؤلاء من الاستئثار بالسلطة طوال الفترة السابقة. فالبعثيون، في أفضل نتائجهم الانتخابية، لم يحصلوا على أكثر من عشرين مقعداً من أصل مئة واثنين وأربعين مقعداً في المجلس النيابي سنة 1955. والجيش السوري، على الرغم من دخوله معترك السياسة، عقب الانقلاب الأول في سوريا، الذي قاده حسني الزعيم في الثلاثين من آذار/ مارس سنة 1949، والانقلابات التي تلته على يد سامي الحنّاوي، ثمّ أديب الشيشكلي، غير أنّ قادته لم يتمكّنوا من الاستفراد بالحكم وإلغاء الحياة السياسيّة تماماً في سوريا، بل استمرّ الشدّ والجذب بينهم وبين الأحزاب والقوى السياسية، التي لم تسلّم بالهزيمة أمام الجيش، بدليل سقوط الديكتاتورية العسكرية، وعودة الحياة الدستورية في شباط سنة 1954. لم يكفّ العسكر بعدها عن الخوض في السياسة، لكنّهم باتوا طرفاً بين مجموعة أطراف، ضمن توازنات تضبطها آليات النظام الجمهوري البرلماني، وتمسّك مختلف القوى السياسية والرموز الوطنية بالوسائل الديموقراطية. وهم «الضباط» وإن كانوا الأكثر تأثيراً، فإنّهم احتاجوا دوماً الى التحالف مع هذا الفريق السياسي أو ذاك، وهو ما أدركه البعثيّون، وأفادوا منه أكثر من غيرهم.
في أوضاع كهذه، وجد الفريقان، البعثيون والعسكر، ضالّتهم في عبد الناصر، فقد نظر البعث إلى عبد الناصر باعتباره «أداة وعدّة في طريق تحقيق أهدافه.. وبدا للحزب أن قيام اتحاد مع مصر هو وسيلته التي يستطيع بها الانتصار على خصومه ومنافسيه ويسمح بنشر مبادئه في العالم العربي كله»، وفق عبارات الكاتب البريطاني باتريك سيل، الذي درس تلك المرحلة بعناية، وأفرد لها الفصل الأخير من كتابه الأهمّ «الصراع على سوريا». أمّا بالنسبة الى الضباط، فيروي سيل كيف أنّ «الاتحاد مع مصر يبدو بنظرهم كأفضل ضمانة لاستمرارهم في حكم البلاد، وبات كثيرون منهم يؤمنون بأنّ الاتحاد سوف يخلّصهم من السياسيين المدنيين إلى الأبد، وأن عبد الناصر سوف يشجّعهم على تأسيس مجلس للثورة على النسق المصري».
أمام هذه المعطيات، كان لا بدّ من خطوة حاسمة. وبالفعل، قام عدد من الضباط، على رأسهم رئيس الأركان السورية عفيف البزري، بزيارة مفاجئة للقاهرة في 12 كانون الثاني/ يناير سنة 1958، بتشجيع من الزعيم البعثي صلاح البيطار، ومن دون علم الحكومة التي كان يشغل فيها منصب وزير الخارجية، وقالوا لعبد الناصر «افعل بنا ما تريد»، تاركين وراءهم مدير الاستخبارات عبد الحميد السرّاج، ونائب رئيس الأركان، ليشرحا للحكومة سبب رحلة الضباط المفاجئة وظروفها (هل يمكن اعتبار ذلك نوعاً من انقلاب؟).
تلاقت تلك المصالح مع سعي عبد الناصر إلى إحكام قبضته على السياسة الخارجية لسوريا، رأس الحربة في معركته مع القوى الغربية، وخصومه من حلفائها الهاشميين وآل سعود. ولم يكن ليدع فرصةً كهذه تفلت من يده. وكان له ما أراد: سلطة مطلقة، لا تنغّصها أحزاب سياسية، ولا صحافة حرّة أو برلمان منتخب! وحملت «دولة الوحدة» إلى سوريا، من جملة ما حملته، التجربة القمعية لأجهزة عبد الناصر الأمنية، بخبراتها التي روّضت الداخل المصري، من دون أن ينتهي مفعولها بعد الانفصال.
ليست مصادفةً إذاً أنّ من سعوا بإلحاح، على حساب الديموقراطية السورية الفتية، نحو وحدة لم تعمّر دولتها أكثر من ثلاث سنوات، هم أنفسهم من عادوا بعد عامين من الانفصال، وانقلبوا على الحياة النيابية، التي كانت تُحاول استعادة أنفاسها، ليحكموا البلاد عبر «مجلس قيادة الثورة»، ويؤسسوا لحكم الحزب الواحد، «القائد للدولة والمجتمع»، بما ترتّب عن ذلك من تحوّلات متلاحقة في التاريخ السوري لم تنته فصولها بعد.
ليس المقصود من هذه الإضاءة التاريخية تصوير سوريا ما قبل دولة الوحدة على أنّها جنّة من الديموقراطيّة المثاليّة كما يفعل البعض، لكنّ من المؤكّد أنّ فرصةً لتطوّر ديموقراطي طبيعي في سوريا قد ضاعت تحت وطأة الأيديولوجيا وشهوة السلطة. وكما أنّ استشراف المستقبل يبدأ من فهم الواقع، فإنّ فهم الواقع لا يستقيم بغير معرفة جيّدة بالتاريخ الذي أنتجه. وإنّه لمن المؤسف ما يُروّج في سوريا، من قراءات اختزالية لتاريخ سوريا المعاصر وإرثها السياسي الغني، إلى مجرّد دولة البعث، أو فترة حكم الأسد، سواءً من قبل الموالين من باب المباهاة والمديح، أو المعارضين على سبيل التبرّؤ والهجاء.
ثمّة إرثٌ، في الذاكرة السياسيّة السورية المغيّبة، يمكن الاستئناس به والعمل في ضوئه لبناء سوريا المستقبل، لكنّ هذا الأمر مرهون بالسوريين أنفسهم، وحدهم... وبدون سلاح.
*كاتب سوري