في حلقة من برنامج «مصر من أين؟... وإلى أين؟»، الذي بُثّ على قناة cbc الفضائية في10 كانون الثاني المنصرم، تحدّث الأستاذ محمد حسنين هيكل بإسهاب عن الحدثين الليبي والسوري.

أبدأ بعرض وجهة نظر الأستاذ هيكل في الحدث السوري، وسأحاول إبداء بعض من الملاحظات حول بعض الأفكار التي أخالفه الرأي فيها.
أولاً، في الخطوط العامة لطروحات الأستاذ هيكل:
أظهر هذا الصحافي المخضرم، وبما لا يدع المجال لأيّ شك أو التباس، أن سوريا تعرضت لمؤامرة نسج خيوطها حلف الناتو و«إسرائيل» وبعض دول الخليج وتركيا، منذ ما يناهز عامين، وقد استخدم المتآمرون مختلف الأساليب، وشتى أنواع الأسلحة، الإيديولوجية والتسليحية والمالية، فضلاً عن تجنيد مئات آلاف العناصر التكفيرية والمرتزقة في الداخل السوري وخارجه.
كذلك استغرب الأستاذ هيكل تلك الاستماتة من حكام قطر من أجل استجلاب تدخل عسكري عربي في سوريا، وفي الوقت عينه نوّه بالصداقة التي تربطه بحكام قطر الذين يمثّلون «حالة إنسانية فريدة»!
هيكل أدان تدخل الرئيس المصري محمد مُرسي في الشأن السوري، وأبدى دهشته من صمود «النظام السوري» طوال الأحداث، رغم ضخامة الهجمة التي استهدفته! لكنه في المقابل توقع عدم قدرة الرئيس بشار الأسد على البقاء في سدة الرئاسة لمدة تتعدى ستة أشهر، وأمل أن تمثّل معارضة الداخل، كمثل حسن عبد العظيم وميشال كيلو، خشبة الخلاص التي تؤمن التغيير المنشود في سوريا! وليس ما يُسمّى «معارضة الخارج» الموجودة في الدوحة أو سواها من العواصم.
وعزا الأستاذ هيكل الموقف الحازم لروسيا والصين إلى جانب الدولة السورية إلى استخلاص هاتين الدولتين العِبر مما حدث في ليبيا.
وأشار إلى أنّ الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي توقع سقوط «النظام السوري» خلال أسابيع معدودة من بدء الأحداث في سوريا.
وأجاب هيكل بالنفي عن سؤال بشأن ما إذا سبق له أن التقى الرئيس السوري بشار الأسد، مشيراً إلى أنّه رفض اللقاء به بذريعة معارضته للتوريث في مصر، فاعتبر أنّ حصول أيّ لقاء بالرئيس الأسد سيمثّل اعترافاً منه بمبدأ التوريث في سوريا. وبالتالي، فهو يرفض السير في نهج «ازدواجية المعايير»!
هيكل وصف خطب الأسد بأنها شبيهة بدروس تلقى من مُدرّس على تلامذته.
وفي سياق تناوله للوضع السوري، عرّج على الشأن اللبناني، واصفاً السيد حسن نصرالله بـ«القومي العربي»؛ لكن المقاومة، وفقاً لرأيه، لم تعد قادرة على القيام بأيّ مواجهة مع «إسرائيل» نظراً إلى ما يجري في سوريا من أحداث.
ثانياً، في التعليق على كلام الأستاذ هيكل:
مما لا ريب فيه أنّ توصيف الأستاذ لحجم المؤامرة على سوريا هو صحيح ودقيق، في آن واحد، لكن ما يدعو إلى العجب هو استغرابه لصمود الدولة السورية لمدة تقارب سنتين، وهذا مؤشر دالٌ على كون الأستاذ هيكل، بقدر إلمامه الدقيق بوقائع المؤامرة الخارجية على سوريا، هو «منفصل تماماً» عن مجريات الواقع الداخلي السوري. وهو، وفقاً للينين، يفتقر إلى «التحليل الملموس للواقع الملموس»، وفي تحديد أدقّ لهذه العبارة «التحليل الموضوعي للواقع الموضوعي»، فهو في «حالة لامعرفة» بالدولة السورية، رئيساً ومؤسسات عسكرية وأمنية، وشعباً ومكونات مناطقية واجتماعية، وبعبارة أوضح: عدم الإلمام بـ«الواقع السوري المعيش»، فضلاً عن جهل بطبيعة تكوين «المعارضات السورية»!
وهذه «الحالة اللامعرفية» الناتجة من «الانفصال التام» عن هذا الواقع جعلته يُخمّن عدم مقدرة الرئيس الأسد على الصمود أكثر من ستة أشهر، وهذه «الحالة»هي التي دفعت الأستاذ هيكل إلى المراهنة على إنقاذ سوريا على يد معارضة الداخل، وعلى رأسها حسن عبد العظيم وميشال كيلو.
وهنا، أودّ التوقف أمام «فارسَي رِهان» الأستاذ هيكل، لأقول: إنّ حسن عبد العظيم، ذلك الرجل الذي بلغ من الكبر عتياً، هو ظاهرياً قومي عربي _ ناصري _، لكن باطنه، كما يعلم من عاشره عن كثب، «متأسلم» _ سلفي _، وهو «لا يمثل شيئاً على أرض الواقع»، كما يقال في التحليلات السياسية، وقد سعى لطلب ودّ أصدقائه الأميركيين «من زمان»، وأنا لا أتهمه، لا سمح الله، بالعمالة.
بالنسبة إلى ميشال كيلو، أسمح لنفسي بالقول إنّ ظلماً شديداً قد لحق به، فولّد في نفسه «عقدة اضطهاد» تحكمت في مُجمل مساره السياسي. ولعلم الأستاذ هيكل، فإنّ كيلو قد غادر سوريا ميمّماً شطر القارة الأوروبية، حيث أسّس ما سُمّي «المنبر الديموقراطي»، وهو يتنقل من بلد إلى آخر بحثاً عن وسيلة لإسقاط «النظام السوري».
هذا الحراك يذكرني بالشاعر امرئ القيس الذي توسّل بيزنطة لأجل استعادة ملك مفقود، وحين خاب أمله نظم قصيدته المشهورة، ومطلعها:
بكى صاحبي لما رأى الدربَ دونه وأيقن أنّا لاحقانِ بقيصرا
فقلت له: لا تبكِ عينك إنما نحاول مـلكاً أو نموت فنعذرا.
ورهان الأستاذ هيكل على هذين «الفارسين» يُذكّر ببيت شِعر نظمه جرير هاجياً فيه الفرزدق:
زعم الفرزدق أن سيقتلُ مِربعاً أبشر بطول سلامةٍ يا مِربعُ!
وأودّ أن أطل إطلالة سريعة على طروحات البعض من معارضي الداخل والخارج، وآمل ألا يكون من تطرقت إلى ذكرهما على تناغمٍ معها، وهي تتمحور حول:
_ رفض الحوار مع الدولة السورية، واشتراط تنحّي الرئيس بشار الأسد، وسحب الجيش وقوى حفظ النظام من أماكن وجودها في كل أنحاء سوريا.
_ تأليف حكومة «انتقالية» تضم كافة الأطراف، كمثل «الإخوان» وسائر المشتقات «المتأسلمة»، فضلاً عن أتباع «الناتو» ومشيخات الخليج وتركيا.
والأغرب من ذلك كله، أنّ هذه «المعارضة المتسامحة» تبدي استعدادها للقبول بمشاركة «بعض أطراف النظام» شرط عدم إراقتها للدماء.
_ إعادة هيكلة الجيش العربي السوري، على أن تُدمج فيه جماعة ما يسمّى «الجيش الحر» وسواها.
_ فكّ التحالف مع إيران والمقاومة اللبنانية وسائر المقاومات في الوطن العربي. وبناء علاقة تحالف استراتيجي مع دول الناتو والخليج وتركيا.
_ التفاوض المباشر، دون قيد أو شرط، مع «إسرائيل»، والقبول بما تعطيه الدولة العبرية لسوريا «الجديدة» من أراض، إذا رأت ذلك مناسباً لأمنها.
مما يدعو إلى الدهشة أن يُعبّر الأستاذ هيكل عن استغرابه للإلحاح القطري على حصول تدخل عربي عسكري ضد سوريا، أوَلا يعلم ارتباط قطر العضوي بالمخططات الناتوية _ الصهيونية _ الوهابية _ التركية، وأنّ النظام القطري هو جزء من «الحالة الوهابية»؟
ونسي الأستاذ هيكل ما طرحه حكام قطر حول تدخل غربي في سوريا، إضافة إلى ما أورده عن سعيهم لتدخل عسكري عربي فيها. ومما يحمل على رسم علامات تعجّب مباهاة هيكل بصداقة هؤلاء الحكام، وهو الصحافي القومي العربي الذي يفترض به أن ينأى بنفسه عن إقامة أي علاقة مع حكام لهم ارتباطات مشبوهة، لا تخفى على القاصي والداني.
ولست أدري ما هو كنه «الحالة الإنسانية» التي يمثّلها حكام كهؤلاء أوعزوا إلى قضائهم بإصدار حكم بالسجن المؤبد على الشاعر القطري محمد راشد العجمي بتهمة العيب بالذات الأميرية.
الأغرب من هذا كله، ما سمعناه على لسان وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني بشأن تمويلهم الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمبلغ ثلاثة ملايين دولار، إضافة إلى مبلغ مليونين ونصف مليون من هذه العملة لوزير خارجيته السابق، وحليفه الحالي، أفيغدور ليبرمان.
ويبدو لي، والشيء بالشيء يذكر، أن توقّع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي سقوط الدولة السورية خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من بداية «الحراك الفتنوي» في هذا البلد، هو كمثل توقع الأستاذ هيكل عدم قدرة الرئيس بشار الأسد على البقاء في سدة السلطة لمدة قد لا تتجاوز ستة أشهر.
وإذا ما استمر هيكل في «انفصاله التام» عن مجريات الواقع السوري، فلسوف تستمر دهشته من استمرارية الدولة السورية، رئيساً وجيشاً وشعباً، ومؤسسات، لسنوات، بل لعقود، ومن يعش يرَ.
حول الوضع السوري، نصيحة صادقة للأستاذ هيكل بالإصغاء جيداً إلى صديقه الأستاذ عبدالله السناوي.
وقد ذكر هيكل أنّه امتنع عن اللقاء بالرئيس الأسد، انطلاقاً من رفضه سياسة «المعايير المزدوجة» و«الكيل بمكيالين حول مسألة «توريث السلطة».
إنني أحمد الله لأنّ من خلف الرئيس الراحل حافظ الأسد هو الدكتور بشار الأسد، ولم يأت سادات آخر، كمثل عبدالحليم خدام، ومن هم على شاكلته، إلى سدّة الرئاسة في سوريا.
السادات الذي بذل الأستاذ هيكل الجهد الجهيد، واستخدم كافة الوسائل لأجل إنجاح انقلابه على نهج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أثناء «أحداث مايو 1971»، مع علمه اليقيني بمدى علاقة السادات بالأميركيين التي تكشّفت خيوطها من خلال «العملية عصفور» التي أورد وقائعها بالتفصيل، إضافة إلى معرفته بالعلاقة الحميمة بين السادات ومدير الاستخبارات السعودية كمال أدهم. ونستغرب وقوف هيكل إلى جانب السادات في هذه «الأحداث» رغم إماطته اللثام عن قيام هذا الرجل باغتيال الرئيس جمال عبد الناصر من خلال دس السُمّ في فنجان قهوة قدّمه إليه!
وعزا هيكل رفضه الاجتماع بالرئيس الأسد إلى موقفه المبدئي من «التوريث».
أودّ إبداء استغرابي الشديد لهذا «الموقف»، لا سيما بعدما تحدث بإسهاب عن لقاء طويل جمعه بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، قبل أشهر من بداية الأحداث الليبية. فكيف يبرر «هذا اللقاء» برجل صوّره بأنه «غير متزن» و«محبط» و«متقلّب»، ولا يسمح لنفسه بلقاء رئيس ذنبه الوحيد أن القيادة والجيش والشعب في سوريا قد اختاروه ليتابع مسيرة المقاومة والممانعة والإعمار والتقدم في هذا القطر؟
إنّ المتابع لخطب الرئيس بشار الأسد لا يشاطر الأستاذ هيكل الرأي في أن هذه الخطب مثل دروس يلقيها مُدَرّس على تلامذته، بل يرى المطّلعون في كل منها تحليلاً لأبعاد المؤامرة على سوريا، وطرحاً لإيجاد سبل لمعالجة المشاكل التي يعاني منها هذا القطر، وقد ورد على لسان العديد من المعلّقين الأجانب أن هذه الخطب تمثّل نوعاً من الدروس الملقاة على القادة الغربيين، كما وصفتها صحيفة «الغارديان» البريطانية.
إنّ الأستاذ هيكل حين تطرق إلى سيرة سيد المقاومة سماحة السيد حسن نصرالله وصفه بـ«القومي العربي»، لكن إشادته بدت «ملغومة» حين جزم بأنّ المقاومة باتت عاجزة عن الفعل المقاوِم في مواجهة العدو الإسرائيلي في الأمدين المنظور والبعيد.
حقاً إنها مزاوجة غريبة بين الإشادة بسيد المقاومة، وفي الوقت عينه التبشير بعجزها عن مواجهة العدوّ بسبب الأحداث السورية.
على كلّ حال، لا يسعني إلا إبداء التقدير للأستاذ هيكل، لتمسّكه عبر سبعة عقود بالنهج القومي العربي، ولاستمراره في خط العداء للصهيونية والاستعمار بشتى أشكاله، فضلاً عن كونه من أقرب المقرّبين من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
* كاتب لبناني