يوصف شكل الدولة اللبنانية بالعلمانية بسبب وجود سلطة تشريعية عليا، ممثلة بمجلس نواب منتخب من الشعب، لكن ما يعيبها نقص سيادتها المتمثلة في سلطتها العليا التي تنازلت، منذ نشوء الكيان اللبناني عام 1926، عن ممارسة حقها في التشريع بالأحوال الشخصية والإرث، تاركة للطوائف مهمة التشريع في هذا المجال. الأمر الذي أسهم في عدم قيام دولة المواطن الحقيقية، لتعذر إرساء مفهوم المواطنة، الذي يقوم على مبدأ المساواة أمام القانون، فبقي ولاء المواطن الذي يحمل الجنسية الوطنية اللبنانية للطائفة، بدلاً من أن يكون للوطن ـــ الدولة.

هذه الثغرة العميقة سمحت للمؤسسات الدينية بالقيام بدور المعطل لأيّ مسعى يهدف إلى قيام دولة مدنية عصرية، ولا سيّما أنّها تمكنت من الإمساك بناصية المدرسة والجامعة والمستشفى، ونخرت البنية الوطنية بعصبية الطائفية المقيتة القائمة على مبدأ الكراهية والتمييز الطائفي، حتى بات المواطن التائق إلى التقدم والرقي، يدور في حلقة مفرغة لا أمل في الخروج منها إلا بكسرها بالعنف والثورة.
هذا الواقع سمح لسماحة المفتي محمد قباني بالتجرؤ على المسؤولين اللبنانيين من وزراء تنفيذيين ونواب مشرعين، من أبناء الطوائف الإسلامية، برميهم بـ«الردة» عن دين الإسلام في حال موافقتهم على تشريع مدني اختياري للزواج المدني في لبنان. وعقوبة الردة، كما هو معلوم، لا تقف عند حدود عدم الصلاة على الميّت المرتد، وعدم دفنه في مقابر المسلمين، بل تتعدى ذلك إلى القتل. إزاء كل ذلك، ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح. لماذا يكرّر سماحة المفتي موقفه المعارض في كل مرة يطرح فيه الحديث على قانون مدني للأحوال الشخصية والإرث!؟
هل وراء موقفه دافع ديني بحت؟ أم دافع إنساني ــــ اجتماعي بحت؟
فلو كان الموقف دينياً بحتاً، لما وافق المفتي وقبله أسلافه من المفتين في لبنان على تشريع قانون جزائي مدني غير ديني، وهو وأسلافه يعرفون مضمون الآية الكريمة القائلة «أم هم شركاء شرّعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله» (الشورى 21). والآية واضحة لدى السلفيين بتحريم التشريع لدى الإنسان، سواء في الأحوال الشخصية أو الجزائية على السواء، إذ هو حكر على الله وحده.
وسماحة المفتي يعرف أن عدداً كبيراً من اللبنانيين طلب باختياره الحر شطب المذهب عن سجلات النفوس، فأصبحت ذرياتهم بلا مرجعية قانونية في لبنان لمعالجة قضاياهم في الأحوال الشخصية والإرث.
إذاً ليس المانع عند المفتي الباعث الديني، لذلك يبقى الاحتمال الثاني، وهنا يكون الحقّ إلى جانبه، لجهة اهتمامه بمستقبل المعاش لدى فئة تعدّ بعشرات الآلاف من اللبنانيين، يعملون منذ عشرات السنين في مهنة الكهانة، وليس لديهم قدرة على العيش في حال إغلاق باب الرزق من الزواج الديني. وهنا كان على المفتي أن يطرح أهدافه الحقيقية كما هي بدون ترهيب للفكر ومحاولة تعطيله بمداورة خطرة على مستقبل حقّ التفكير بالعقل الذي وهبه الله للإنسان كما وهب القرآن الكريم. كما كان على الداعين إلى قانون مدني ألّا يغفلوا الاهتمام بالطبقة التي أشرنا إليها.
بناءًً على ما تقدم، نلفت أصحاب الشأن في الدولة اللبنانية الراغبين في الانتقال التدرجي إلى المجتمع المدني، إلى أن يحاوروا سماحة المفتي، وأن يضعوا أمامهم مشروعين: الأوّل، قانون مدني للأحوال الشخصية والإرث. والثاني، قانون تنظيم مهنة الكهانة في لبنان، بجعلهم موظفين في الدولة برواتب معلومة، وساعتئذ لا لزوم للتدرّج بل الدخول المباشر إلى المجتمع المدني بفصل الدين عن الدولة كلياً وبقاء الدين في المجتمع يعمل دوره في ترسيخ مفاهيم الأخلاق الحميدة، وإرشاد الراغبين بخلاص النفس في الملكوت الأعلى.
*كاتب لبناني