جورج عبد الله، واقع الحال

تقرّرَ في جلسة «المحكمة الابتدائية لتنفيذ الأحكام»، في 21-11-2012 الإفراج عن الأسير اللبناني جورج عبد الله وترحيله من الأراضي الفرنسية. وأُعطي وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس مهلة إلى 14-1-2103 لتوقيع إجراءات الترحيل. وهذا ما يرفض القيام به حتى الآن، مخالفاً أبسط قواعد خضوع الإدارة لقرارات العدالة وتنفيذها.

الاستئناف

جرى استئناف القرار في اليوم نفسه، أيّ في 21-11-2012، من قبل النيابة العامة، التي تعمل بأمر من وزارة العدل، وهذا أمر معروف كانت قد أُدينت فرنسا عليه من قبل الدول الأوروبية، أي أُدينت على اعطاء سلطة لوزارة العدل على القضاء، ما يتعارض مع مبدأ فصل السلطات. والاستئناف هنا هو احتجاج على قرار القضاء. ما يعني أن وزيرة العدل كريستيان توبيرا ترغب من القضاء رفض طلب الإفراج بحجة عدم توافر شروط الإفراج.
رد القاضي طلب الاستئناف في جلسة «المحكمة العليا لتنفيذ الأحكام» بتاريخ 10-1-2103، وأبقى على تاريخ 14-1-2013 موعداً لإبعاد جورج عبد الله إلى لبنان. يعني ذلك أنّ جورج حصل على الحرية، وهو بانتظار ترحيله، والقرار القضائي الصادر بتاريخ 21-11-2012 موجب التنفيذ.


التمييز أو الاستئناف الثاني

لم تكتفِ توبيرا بالاستئناف، بل ذهبت إلى محكمة التمييز، أو إلى محاولة استئناف ثانٍ. موعد جلسة محكمة التمييز، أو جلسة بدعة الاستئناف الثاني، لم يحدد بعد على نحو نهائي وصريح. فالسفير الفرنسي في بيروت (وبعض الصحافة الفرنسية) يسرّب ما مفاده أنّ الجلسة ستعقد في أواسط شهر آذار المقبل، ما يعني أنّ جلسة «محكمة تنفيذ الأحكام» لتبليغ جورج عبد الله إجراءات الإبعاد، والمقررة بتاريخ 28 شباط الحالي وهمية، ومصيرها كمصير جلسة 28 كانون الثاني التي أُلغيت قبل انعقادها بلحظات فقط، بينما كان المحامي جاك فرجيس في طريقه إلى الجلسة. ولا نستبعد أن تكون جلسة 28 شباط كسابقتيها، جلسة 14 وجلسة 28 كانون الثاني 2012: إلغاء بدون مبررات قانونية.


الاحتيال على القوانين

التمييز أو الاستئناف الثاني بدعة مخالفة تماماً للقوانين الفرنسية. فالمحكمة التي تنظر في الإفراج المشروط، «محكمة تنفيذ الأحكام»، تنطوي على مرحلتين فقط: الابتدائية والعليا، ولا وجود لاستئناف ثانٍ، كما أن محاكم التمييز لا صلاحية لها لبتّ قرارات «محكمة تنفيذ الأحكام».
منطق الاحتيال على القوانين الفرنسية يكمن في محاولة تلبيس رفض وزير الداخلية الفرنسي غِطاءً قانونياً لتتمكن الإدارة الفرنسية من التذرع بالقضاء. كل ذلك يجعل من جورج عبد الله مواطناً خاضعاً لاعتقال تعسفي، أو إداري في أحسن الأحوال.
مصير جورج عبد الله اليوم معلّق على موعدين متضاربين لمؤسستين قضائيتين فرنسيتين، لا تداخل بينهما. فهو من جهة على موعد في 28 شباط مع جلسة «المحكمة العليا لتنفيذ الأحكام» وغرضها تبليغه إجراءات الإبعاد من فرنسا تنفيذاً لقرار العدالة الفرنسية، وعلى موعد غير محدد مع محكمة التمييز، غرضه نقض قرار العدالة الفرنسية بالإفراج عنه، وهذا الموعد تشير التسريبات إلى احتمال حصوله في أواسط شهر آذار المقبل! فأي موعد سيقرر مصيره؟ إنها مهزلة العدالة التي تتعلل بها الدولة الفرنسية.
إن لعبة تكرار التأجيل وتبادل الأدوار بين وزارتي الداخلية والعدل الفرنسيتين قد تمتد إلى ما شاءت ظروف الإدارة الفرنسية. ولربما تذهب هذه الإدارة إلى بدعة كسر قرار الإفراج عن جورج عبد الله، بغية إبقائه في السجن متعلّلة بذريعة غير قانونية مغلفة بقرارات العدالة.


واقع حال التضامن مع جورج عبد الله

أطلق قرار العدالة الفرنسية بالإفراج عن جورج عبد الله موجة تعاطف وارتياح لدى أوساط واسعة جداً من اللبنانيين من مسؤولين رسميين وحزبيين، ومن المجتمع المدني، ومن الأوساط الشعبية والجماهيرية، إضافة إلى أوساط معنية في الوطن العربي وأوروبا وغيرها. تضافرت هذه الموجة بشحنة من السخط أثارها قرار الإدارة الفرنسية، التي لا تزال تعرقل الإفراج عنه، ما جعل حركة التضامن مع قضيته تبلغ درجة لم تعرفها من قبل. وكان لوسائل الإعلام العربي المرئي والمسموع دور كبير الفعالية، وخصوصاً مع فضائية «الميادين» وشتى الفضائيات اللبنانية، التي برهنت أنّ الإعلام فعل تضامن هائل التأثير في نصرة القضايا العادلة، ومنها قضية جورج عبد الله.
أثبتت إجراءات الإدارة الفرنسية بمنع تطبيق قرار العدالة صحة الظلم الذي تعرض ولا يزال يتعرض له جورج عبد الله، هذا الظلم الذي كانت تذهب إلى إثباته، دونما نجاح جدي، منذ أكثر من عقدين «لجنة أهل جورج عبد الله»، واستأنفته مع «اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني» وغيرها من القوى التي انخرطت في «الحملة الدولية لإطلاق سراح الأسير جورج عبد الله» منذ بضع سنوات.
إن الردّ الفوري على اعتراض الإدارة الفرنسية لترحيل جورج عبد الله إلى لبنان تنفيذاً لقرار العدالة الفرنسية، الذي اعتمدته مكونات «الحملة الدولية...» بتاريخ 14-1-2013 بالاعتصام المفتوح، وبخيمة واحدة، أمام السفارة الفرنسية، وحملة التجمعات المركزية تعبيراً عن السخط والاستهجان، رفع من منسوب طرح القضية على الرأي العام اللبناني وعلى المسؤولين، كما أنّ تصعيد الاعتصام بخيمة ثانية بعد تأجيل جلسة «محكمة تنفيذ الأحكام» في 28-1-2013، عكس تصميم مكونات «الحملة الدولية...» على المضي في حملة الاستهجان والسخط على الإدارة الفرنسية، ما كان له أثر كبير في رفع مستوى التضامن مع جورج عبد الله.
أبرز مظاهر هذا التضامن تتجلى في:
_ تبني الحكومة اللبنانية قضية تحريره، وتكليف «اللجنة الوزارية» متابعة موضوعه ميدانياً في فرنسا مع السلطات المختصة، ما أدى إلى تعليق الاعتصام المفتوح أمام السفارة الفرنسية.
_ حصول شبه إجماع من القوى السياسية اللبنانية على المطالبة بحرية جورج عبد الله.
_ اتساع رقعة التضامن والتعبير عن السخط على الإدارة الفرنسية من بلدة القبيات مروراً بإجماع ممثلي عكار المنتخبين محلياً في البلديات واتحاداتها، وصولاً إلى البقاع والجنوب وبعض الجامعات في طرابلس وبيروت والبقاع.
_ التضامن الذي عبّرت عنه نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس، وما عبّرت عنه أقلام كبار الصحافيين والمثقفين والناشطين.

خطة التضامن المطلوبة

لا شكّ أنّ المتضامنين مع قضية جورج عبد الله متنوعون تنوع ألوان الطيف السياسي اللبناني، من اليساريين إلى الليبراليين إلى العروبيين والإسلاميين... ما يعني بالتالي أن خلفيات التضامن متنوعة أيضاً ومتفاوتة في نظرتها إلى هذا المواطن اللبناني وإلى تاريخه السياسي، لكن ما يوحّد هؤلاء المتضامنين هو موقفهم المطالب بتطبيق قرار العدالة الفرنسية الأخير القاضي بالإفراج عنه وإبعاده إلى لبنان. وهنا يكمن سقف التضامن المشترك، الذي يجب أن يعتمده الحريصون على حرية هذا المواطن.
نقصد بسقف التضامن، «الجامع المشترك الأكبر» الذي يتقبله الجميع، ويسمح بالتالي للجميع بالمشاركة الفعالة في حملة التضامن الجماهيرية المطلوبة. فتحت هذا السقف بوسع الحكومة اللبنانية و«اللجنة الوزارية» أن تبذلا الجهود التي تعهدتا بها، وتحته أيضاً تستطيع شتى القوى السياسية ممارسة تضامنها دون تجاوز بعضها سقفه السياسي وقناعاته الإيديولوجية والسياسية، كما يستطيع البعض الآخر الاكتفاء بهذا السقف، ولا يكون في ذلك أيّ انتقاص من قناعاته هذه.
إنّ بلوغ حرية جورج عبد الله يستلزم الاستمرار في حملة وأنشطة التضامن، كما يستلزم توسيع المشاركة الشعبية السياسية والاجتماعية. فحتى الآن تعاني حملة التضامن ضعف المشاركة الشعبية وضعف الحشود. ما يلقي على مكونات «الحملة الدولية...» مهمة توسيع مروحة التضامن واكتساب المزيد من المتضامنين على كل المستويات. وهذا لا يمكن بلوغه إلّا بالمحافظة على سقف هذا «الجامع المشترك الأكبر»، وبإفساح المجال أمام الجميع للمشاركة دون إثارة الحساسيات الإيديولوجية والسياسية والتنظيمية والفئوية. إنّ النجاح في هذه المهمة يستلزم توحيد ما يجري رفعه في الأنشطة التضامنية من شعارات وصور وأعلام، وما يطلق من هتافات. وهنا نرى أن لا تُرفَع غير صور جورج عبد الله الخالية من الإشارة إلى أي تنظيم سياسي، ولا أعلام غير العلم اللبناني، ولا لافتات غير تلك الموقعة باسم «الحملة الدولية...»، كما يجب أن تبقى الشعارات محصورة بالسخط على الإدارة الفرنسية في موقفها من حرية جورج عبد الله والتنديد بالموقف الأميركي والصهيوني.
ونلفت النظر إلى حقيقة أن جورج عبد الله المعتقل منذ 29 عاماً لا ينتمي إلى أي تنظيم سياسي، وبالتالي من غير الصحيح أن يتبنى أحد جورج عبد الله بوصفه من تنظيمه أو بوصف جورج قائداً لهذا التنظيم، كما لا يجوز استعمال جورج عبد الله منصة للهجوم على قيادة هذا التنظيم أو ذاك. إن «لجنة أهل جورج عبد الله» هي المجموعة الوحيدة التي تتبنى جورج عبد الله الأسير، والتي ينتمي هو إليها، مع احترامنا لجميع الذين يجدون فيه مثالاً يحتذى، ويحبون التكني باسمه.
ولا بد لنا من التأكيد أن هذه الحملة التضامنية مع حرية جورج عبد الله، هي حراك ديمقراطي وسلمي بالمطلق، تحت سقف القوانين المرعية الإجراء في لبنان وفي كل البلدان الديمقراطية. وإننا لنوجه أشد الإدانة إلى بعض أصوات «الطفولية اليسارية» أو المشبوهة التي تثرثر على «الفيسبوك» عن العنف المسلح، لتحرير هذا المواطن.
كما أننا ندرك أن لفرنسا موقعاً ممتازاً في لبنان، ولا يجوز لنا ونحن نعبّر عن سخطنا على الإدارة الفرنسية إغفال هذه الحقيقة مطلقاً.
نأمل من جميع مكونات «الحملة الدولية...» ومن القوى التي بدأت تسهم في التضامن مع حرية جورج عبد الله المساهمة العملية وبفعالية في سبيل بلوغ هذا المواطن حريته، من خلال هذه المقترحات كخطة عملية جامعة. ونأمل من الجميع المساعدة على تأمين أكبر حشد شعبي في الاعتصام أمام السفارة الفرنسية في بيروت بمناسبة جلسة 28 شباط التي ستعقدها «المحكمة العليا لتنفيذ الأحكام».
*عضو الحملة الدولية لإطلاق سراح جورج عبد الله