ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، مقولة مشهورة للسيّد المسيح عليه السلام، لكن مع تسليمنا بهذه المقولة، فإنّ الخبز بات في بلاد الفراعنة، الهاجس الذي يقُض مضاجع صنّاع القرار في القاهرة، فمنذ عقود عدة كانت مصر واحدة من أهمّ الدول المُنتجة والمُصدّرة للقمح، بل في عام 1956، حينما ألغى الأردن المعاهدة البريطانية على يد حكومة سليمان النابلسي، قررت بريطانيا وقف المساعدة للأردن فتعهدتها مصر وسوريا، لكنْ شيئًا فشيئًا تقلّص حجم الإنتاج وتحوّلت من دولة مصدّرة إلى مستوردة للقمح، ثمّ تفاقمت الأزمة وبلغ حجم الاستيراد 80% من احتياجات المصريين من القمح، وغدت مصر أكبر مستورد للقمح في العالم.


ومع التوسع في سياسة الاستيراد ظهرت كيانات تجارية عملاقة في مصر تخصصت في استيراد القمح من الخارج، يديرها رجال أعمال يلقبهم البعض بالأباطرة، هؤلاء استطاعوا تحقيق ثروات طائلة، وخاصّةً أنّ بلاد النيل تستورد 8 ملايين طن سنوياً يصل ثمنها إلى 5 مليارات دولار، وفي بعض الأحيان قد يُحقق مستورد واحد مكاسب قدرها مليار دولار، ورغم ضخامة هذا السوق، إلا أنّ مستوردي القمح يعملون في الظل، ولا أحد يعرف عنهم شيئاً. وبما أنّ العلاقات المصرية ـــ الأميركية تعيش منذ اتفاق الخزي والعار (كامب ديفيد) شهر عسل من طرف واحد، فإنّ رأس حربة الرأسماليّة في عالم العولمة ركّزت مطامعها على الخبز، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، تعاقدت القاهرة أخيراً مع واشنطن على استيراد ‏60 ألف طن قمح أميركيّ لإنتاج الخبز،‏ وقال نائب رئيس هيئة السلع، نعماني نصر نعماني، إنّ الهيئة تقوم باستيراد القمح من دول عديدة لا من دولة بعينها، حيث يجري الاستيراد من أميركا وروسيا ورومانيا وكندا وفرنسا والأرجنتين.

■ ■ ■


والشيء بالشيء يُذكر: كشف البنك المركزيّ المصريّ عن زيادة ملحوظة في عجز الميزان التجاريّ المصريّ بلغت 4.6 مليارات دولار خلال العام الماليّ 2012 ــــ 2013، إضافةً إلى تصاعد العجز الكليّ في ميزان المدفوعات، وهو ما أثّر في احتياطيات مصر من النقد الأجنبيّ، البالغ حالياً 15.1 مليار دولار، وطبقاً للأرقام التي أعلنها البنك فقد ارتفعت قيمة العجز في الميزان التجاريّ ليبلغ 31.7 مليار دولار خلال العام الماليّ السابق، علاوة على ذلك، فقد احتياطيّ بلاد النيل من النقد الأجنبيّ نحو 16 مليار دولار منذ اندلاع الثورة المصرية في كانون الثاني (يناير) 2011 حتى الآن، حيث بلغ الاحتياطيّ أكثر من 36 مليار دولار في كانون الأوّل (ديسمبر) 2010 مقابل 15.1 مليار دولار حالياً، أمّا الكارثة الكبرى، فهي هبوط قيمة الجنيه المستمر أمام الدولار.
جئنا على ذكر هذين المعطيين للتأكيد على أنّ مصر تعيش أزمة اقتصادية، من الصعب، إنْ لم يكن مستحيلاً، إيجاد الحلول لها بالطرق الكلاسيكية التي تتّبعها الدول التابعة، ولا حتى بالعلاج بالصدمة كما حصل في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي يعني مواصلة اعتماد أكبر دولة عربية على المعونات العسكرية الأميركية، وعلى القروض من الدول الخليجية والأوروبية، وفوق كلّ ذلك، من صندوق النقد الدوليّ، ونظيره البنك الدوليّ، الذي رفض تمويل السد العالي، وهو ما دفع الرئيس الخالد، جمال عبد الناصر إلى التوجه إلى الاتحاد السوفياتي سابقاً، وبما أنّ الاقتصاد مرتبط عضوياً بالسياسة، والعكس أيضاً صحيح، فمن يُعوّل على عودة مصر إلى دورها الرياديّ من الناحية الإقليمية والدولية، لا يُعوّل عليه.

■ ■ ■


في 13 أيلول (سبتمبر) من عام 1978 وُقّع اتفاق السلام بين مصر ودولة الاحتلال برعاية أميركية، وبعد مرور أشهر على الاتفاق، الذي أخرج مصر من محور العروبة، تمكّن الشعب الإيرانيّ من عزل الشاه، الذي كان عميلاً لأميركا وإسرائيل، وانتصرت الثورة الإسلامية في إيران، وباعتقادنا المتواضع، ما زالت تُحقق الإنجازات على جميع الأصعدة، الداخلية والخارجية على حد سواء. إيران الجديدة لم تتبّع سياسة النأي بالنفس، أوْ الحياد، بلْ أعلنت على نحو غير قابل للتأويل أنّ الولايات المتحدّة الأميركية هي العدو اللدود، وهي السياسة التي ما زالت مستمرة، وبوتيرة عالية حتى يومنا هذا، وعلى الرغم من ذلك، لم تتحوّل إيران بعد الثورة إلى دولة فاشلة أوْ تابعة لهذا المعسكر أوْ ذاك، إنّما بالعكس، مناهضتها المنهجيّة للإمبريالية العالمية، رفعت من شأنها، وباتت هذه الدولة قاب قوسين أوْ أدنى من إثبات صحة مقولة ماوتسي تونغ بأنّ الإمبريالية الأميركية نمر من ورق، وها هي اليوم إيران دولة إقليمية مهمة جدًا في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تركيا والدولة الصهيونية، أمّا مصر، فما زالت تغوص أكثر فأكثر في وحل المماحكة والخلافات المستعصية بين القوى السياسيّة المختلفة من الموالاة والمعارضة، وأميركا وإسرائيل ترقصان فرحاً، ذلك أنّ الحديث عن تعديل أوْ إلغاء اتفاق (كامب ديفيد) سُحل عن الأجندة السياسية المصرية، وهذا أكبر انجاز لواشنطن وتل أبيب، ولا حاجة إلى التذكير بكوبا التي تقف في حلق الولايات المتحدّة.

■ ■ ■


مصر تملك جميع المقومات الاقتصادية والسياسية لكي تكون دولة مؤثرة جداً في المنطقة، لكن عندما قرر رئيسها الأسبق، أنور السادات، الارتماء في حضن أميركا وربيبتها إسرائيل، فقدت مصر حريّة اتخاذ القرار السياسيّ بما يتماشى مع مصالحها، فضّلت الشياطين الأميركيين على الأمتين العربية والإسلامية، مقابل حفنة من الدولارات المشروطة، وبعد اغتيال السادات وصل إلى سدّة الحكم، حسني مبارك، الذي حوّل مصر إلى دولة أسيرة، أوْ بالأحرى رهينة، وتابعة كلياً للنزوات الصادرة من واشنطن، ومبارك عمل كلّ ما في وسعه على توسيع الفجوات الطبقيّة في البلاد، الغني ازدادت ثروته، والفقير ارتفع فقره، والطبقة المتوسطة باتت في خبر كان.30 عاماً حكم مبارك البلاد وأوصلها إلى أدنى المستويات من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وأدى تدفق القمح الأميركي إلى مصر مع الطلب المتزايد لجودة القمح في السوق المصريّ إلى عودة برنامج علامة جودة القمح الأميركيّ ثانية، حيث شعر الخبّازون وعملاؤهم بجودة دقيق القمح الأميركيّ وجودة منتجاته الحاصلة على شعار (علامة الجودة) في السوق. سياسة إفقار الشريحة الكبرى من المجتمع المصريّ لم تأت من فراغ ولا تدور في فراغ، إنّها نتاج تخطيط إمبرياليّ لصرف أنظار المصريين، بتواطؤ من النخبة السياسية والاقتصادية، عن مشاكلهم الحقيقية والتمركز يومياً في كيفية الحصول على رغيف الخبز، لأنّه كما يُقال (الجوع كافر). وبالتالي يُمكن القول والجزم أيضاً إنّ اتفاق السلام مع إسرائيل أوصل مصر إلى الدرك الأسفل، مع التشديد على أنّ القرار بالتوقيع عليه كان سياسياً ـــ استراتيجياً بامتياز من قبل الرئيس السادات، كما أنّ من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّ مصر قطعت علاقاتها مع طهران تماشياً مع الإملاء الأميركيّ، وحاول قادتها تصوير إيران بأنّها العدو الأكبر للأمّة العربية.

■ ■ ■


إزاء الفشل السياسيّ والاقتصاديّ المصريّ، استمرت الثورة الإيرانيّة في تحقيق الإنجازات، لأنّها منذ انتصارها اتخذت قراراً سياسياً حكيماً للغاية، بالاعتماد على نفسها ومعاداة الإمبريالية، وهذا الأمر ينسحب أيضاً على فنزويلا المناهضة للسياسات الأميركية، لكنّها تملك اقتصاداً قوياً يجعلها حرّة طليقة في اختيار الحلفاء وتحديد الأعداء. نعم، نُقّر بأنّ النظام في إيران يقمع الحريّات، لكن في المقابل هل النظام في مصر أطلق العنان للحريّات؟ مضافًا إلى ذلك، فإنّ صنّاع القرار في طهران باشروا منذ عام 1993تطوير البرنامج النوويّ، فيما اكتفت مصر بمطالبة المجتمع الدوليّ بعقد مؤتمر من أجل تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وهو بالمناسبة مطلب يدُّل على جبن القيادة المصرية، ذلك أنّه بحسب المصادر الأجنبية، فإنّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك هذه الأسلحة غير التقليدية، فلماذا لا تُسّمى الأمور بمسمياتها؟

■ ■ ■


المجتمع الدولي، المنحاز على نحو جليّ للمصالح الأميركية والإسرائيلية، تجنّد وجيّش الاقتصاد لمنعها من مواصلة تطوير برنامجها النوويّ، كما فرض العقوبات الاقتصادية عليها، لكنّها تمكّنت حتى هذه اللحظة من مواجهة الأزمة، وتحوّلت باعتراف أميركيّ إلى دولة لا يستهان بها من ناحية الحرب الإلكترونيّة (CYBER)، والأهّم من هذا أوْ ذاك، أنّ أميركا العظمى لم تجرؤ حتى هذه اللحظة، على الرغم من الضغوط الإسرائيلية واللوبيات الصهيونية في واشنطن من شنّ عملية عسكرية لتدمير البرنامج النوويّ الإيراني، ولا غضاضة في هذه العجالة من التذكير بأنّ إيران أسقطت أكثر طائرة أميركية متطورّة بدون طيّار، وأرسلت أخيراً قرداً إلى الفضاء الخارجيّ وأعادته غانماً وسالماً، علاوة على مواصلة دعمها الماديّ والمعنويّ للنظام السوريّ ولفصائل المقاومة في لبنان وفلسطين.

■ ■ ■


هناك حتميات تاريخية لا يُمكن لكائن مَنْ كان شطبها: علاقة مصر مع منظومة الإمبريالية العالمية ووكلائها في الشرق الأوسط، جعلت هذه الدولة العربية تستجدي الدول لمنحها القروض، وبموازاة ذلك، إيران، المعادية بشراسة للمنظومة عينها، باتت دولة قوية سياسياً واقتصادياً، وربّما، ربّما نووياً، أمّا نحن، أمّة الناطقين بالضاد، فسنبقى للأسف أمّة المنويّ مع علامة الجودة والامتياز.
* كاتب من فلسطينيي 48