من يراقب المشهد العام في الشرق الأوسط عن بعد وبطريقة متأنية، يستجمع كافة عناصر الاستدلال والتحليل، ويجد أنّ هذه المنطقة التي يحفل تاريخها بالأحداث الدراماتيكية أو التراجيدية، هي الآن في عين العاصفة أو على فوهة البركان. قد تختلط الأمور على المرء في الشارع وفي قلب الأحداث والمستجدات؛ ففي خضم هذه الفوضى العارمة، وفي ظلّ تسارع التطورات في الميادين والساحات، يجد هذا المرء نفسه أمام كمّ هائل من المعطيات المتقلبة والمتغيرة بوتيرة سريعة والتأويلات والإسقاطات، وما أكثرها، بحيث يصعب عليه تالياً معرفة الحقيقة واستيعاب اللحظة بكل همساتها. هذه هي حال الناس في لبنان وفي سوريا كما في العراق، وكذلك الأردن وفلسطين، وصولاً إلى مصر وحتى دول الخليج. أحد من هذه الدول ليس في موقع صنع القرار أو الحدث لاستشراف المستقبل. ولكنّها جميعها أصبحت مسرحاً متواصلاً للمواجهة وتصفية الحسابات والمقارعة والتآمر وحتى القمار بمال النفط الخليجي! فما الذي تخفيه الأوضاع الميدانية من حقائق موضوعية في قراءة دقيقة ومسؤولة للمشاهدات والملاحظات حول أزمات وملفات الشرق الأوسط؟ وما الذي تخفيه نفس هذه الأمور الظاهرة للعيان تحت الستار وفي غياهب الدبلوماسيات الإمبريالية وفي مراكز القرار العالمي؟!

ثمة علاقة غير ظاهرة للعيان بين ما يحصل في كلّ من مصر وسوريا والعراق من أحداث أمنية في الميدان الذي تحتدم فيه الصراعات الداخلية، وتتقاطع مع ديناميات التدخل الخارجي على خلفية التحريض ونتيجة إثارة القلاقل. مما لا شك فيه خطورة ما يجري بطريقة منسقة ومتزامنة في هذه الساحات الإقليمية الثلاث بالتحديد، لما لها من أهمية مركزية في قلب المنطقة العربية. فالعواصم الثلاث التي تستحضر من ذاكرة التاريخ العربي والإسلامي تجارب الدولة الفاطمية في القاهرة والدولة الأموية في دمشق والدولة العباسية في بغداد، تحتل مكانة متقدمة، بل إن لها دوراً حاسماً في أي مشروع إقليمي يهدف إلى استجماع قوة البلدان العربية وتحفيز العمل المشترك بينها. فالعراق، وكذلك سوريا، كما مصر بطبيعة الحال من الأعضاء المؤسسين لجامعة الدول العربية، وهي دول تتمتع بثقل وازن لا لبس فيه في مختلف المعادلات والتوازنات والمحاور في المنطقة. ما يعني أن التأثير في الحراك الداخلي لهذه البلدان، بمعنى الرهان على التدخل في مجريات الأحداث والتطورات فيها، له بالغ الأثر على بقية البلدان العربية وسائر دول الجوار أيضاً، كما مجمل الانتظام الرسمي العربي. فلا أحد يمكنه أن يغفل دور هذه الدول الثلاث في قيادة أو تعزيز، وربما تثبيط مبادرات الركب العربي الجماعي إلى التعاون والتحالف. من هذا المنطلق، يلقي تزامن الأحداث الميدانية في مصر وسوريا والعراق بظلاله على كامل المشهد الإقليمي، ويعكس حالة من التخبّط العربي، فضلاً عن الأخطار المحدقة بالمنطقة من خلف كلّ هذه المستجدات الخطيرة.
وفق هذه القراءة، يندرج الحدث السياسي والأمني في هذه الدول الثلاث في إطار إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وفي سياق إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية على أرضية التغيير الملحوظ في ميزان القوة الدولية بما لا يقبل الشك أبداً. فالهدف من ذلك هو ضرب النظام الإقليمي العربي في الصميم، عبر تقويض مرتكزاته الرئيسية في المعادلة المثلثة الأضلاع، حتى لا تقوم له قائمة بعد الآن. فها هو الصراع الداخلي في العراق يمنع إمكانية استعادته للمبادرة والخروج من أزمته التي خلفها الاحتلال وراءه، وها هي الحرب على سوريا تحول دون استمرارها في التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل إلى جانب حركات المقاومة ومعها إيران، وها هي الفوضى في مصر جراء الفتنة تطيح فرضية عودتها المنتظرة إلى أداء دور إقليمي بارز ووازن في تجسيد المرجعية القومية وترجيح الكفة العربية. هكذا يبدو انهماك العراق وسوريا ومصر بإدارة المشكلات المتفاقمة في الداخل مؤشراً واضحاً على انكفائها جميعها عن المبادرة إلى التحرك الفاعل والمؤثر في الإقليم، على مستوى السياسة الخارجية والاستراتيجية الدفاعية المستندة إلى العقيدة القتالية في حال حصول أيّ طارئ أو وقوع محظور أو لحظة الموازنات الإقليمية.
علاوة على ذلك، يعكس هذا التخبّط الداخلي وجهاً آخر للصراع الدائر في المنطقة لجهة الإحاطة بمشروع التفكيك البنيوي للبلدان القائمة، وهي في الأساس كيانات مصطنعة وليدة الاستعمار والتبعية، بهدف تكوين كيانات طائفية ومذهبية متناحرة في نفس السياق المتعلق بإعادة ترسيم الحدود وصياغة المشهد العام الإقليمي. والهدف هنا هو ضرب محور المقاومة والممانعة في العمق، وخاصة في ما يتعلق بما يجري في سوريا والعراق، ومصر ليست بعيدة البتة عن هذا المخطط، حيث يراد من كل ذلك التصعيد والتأزيم تزخيم مناخات الفرقة والتناحر في ظل التشدد المذهبي والتعصب القبلي، حتى يتسنى لقوى الهيمنة الدولية، القديمة منها والجديدة، تفريق الصفوف وفرز الناس إقليمياً وعرقياً وطائفياً. هكذا يمكن تحصين موقع إسرائيل في المشهد الإقليمي المتبلور أو المفترض من خلال الولوج في عملية تشكيل الكيانات الفئوية كدولة كردية وأخرى سنية على أنقاض الوحدة العراقية وعلى حساب الإبقاء على ما بقي من كيان سوريا للفصل ربما بين بغداد وطهران من جهة ودمشق وتحت مظلتها المقاومة اللبنانية والفلسطينية من جهة أخرى. عندها يقتصر نفوذ الشيعة على دويلة هي الجزء الباقي من العراق، ما يدفع إلى التساؤل عن فرضية انتقال عدوى التقسيم إلى داخل سوريا والجزيرة العربية وربما لبنان! أما مصر التي تبدو فعلاً غير مستقرة، فقد تقطع أوصالها بوصفها أكبر دولة عربية، بحيث يغدو حينها فقط سيناريو الوطن البديل للفلسطينيين في سيناء ممكناً ومطروحاً.
على أية حال، لا بد من التأكيد أن ضرب ما بقي من مثلث الارتكاز في الأمن القومي العربي، وكذلك ضرب المحور السوري الإيراني مروراً بالقطر العراقي، ومن ثم إعادة تشكيل خريطة المشرق العربي، كل ذلك يصب في خدمة الأهداف الإسرائيلية والأميركية في المنطقة. والخطورة تكمن في أن مشروع التقسيم والتفكيك يستهدف ثلاثة أقطار تُعَدّ مهمة من منظور الجيوبوليتيك والتاريخ السياسي والفكر الاستراتيجي، وهي بلاد النيل وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين التي كانت تجسد على الدوام مراكز قوة أساسية في التوازن أو الاصطفاف الإقليمي. هنا يقتضي التنبيه إلى ضلوع الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية، وغيرها من الأجهزة الاستخبارية الغربية والعربية، في الأحداث الميدانية التي تعكس قدرة فعلية على الاختراق الأمني الواسع إلى جانب التهديد العسكري. في هذا الصدد، قد يكون من المجدي بل الضروري التصويب أيضاً على الدور التركي الفاضح في التدخل بالشؤون الداخلية لبعض الدول العربية المجاورة، ومن ورائه النشاط الأمني والعسكري المشبوه. فقد يكون دخول تركيا على خط الصراع الداخلي في بلدان المشرق العربي من زاوية التعويض على المسؤولين الأتراك بدل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي تتجه فيه أنظار القيادة التركية من جديد إلى الشرق القريب لتستعيد بذلك بعض الأطماع الاستعمارية والأحقاد التاريخية! بناءً عليه، يبدو انخراط العديد من الجهات الدولية والإقليمية في تركيب الحدث السياسي والأمني، ومن قبله رصد وتتبع مترتباته لجهة التحكم بصاعق التفجير، فاضحاً ومتمادياً. وهي بكل الأحوال أطراف خارجية تعنى بتحقيق مآربها السياسية في التوسع أو الهيمنة على حساب السيادة الوطنية لدول المنطقة وشعوبها. لذا يمكن القول بأن اشتداد وطأة الضغوط الداخلية والخارجية على الساحات العربية الإقليمية إنما هو نتيجة التقاعس العربي والفراغ الذي أحدثه غياب بل انعدام رؤية الحل العربية الخالصة والمشروع المفترض لتعزيز الدور العربي الفاعل، واستباحة القوى الأجنبية، وخاصة الدول الكبرى الاستعمارية، للحدود والمجالات الوطنية للدول المحلية. فما انعدام الاستقرار والأمن سوى نتيجة الاختراق العميق للأنساق الوطنية القائمة.
بعد كل ذلك، تبقى الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين كل ما يجري من صدامات واضطرابات على الأرض في معظم دول المشرق والصراع على البترول والطاقة في المنطقة وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط. وقد عرض لهذا الأمر العديد من المراقبين الدوليين والعرب بإسهاب لناحية الارتباط الحتمي بين استراتيجية زعزعة استقرار البنى القطرية القائمة وخطة التنقيب عن النفط والغاز على المتوسط، فضلاً عن الثروات المسلوبة في الخليج. لقد تزامنت الأحداث في سوريا مع إعلان اكتشاف مخزونات هائلة من مصادر الطاقة على مقربة من سواحلها المتوسطية. وكذلك اندلعت التظاهرات والاعتصامات وغيرها من أشكال المواجهة في العراق، ولا أحد يمكنه أن يتنبأ بشأن آفاق الصراع وحدوده فيه، وكذلك حظوظ الاتفاق على التهدئة والتسوية، بعد الكشف عن مشاريع ومقترحات في أروقة الدبلوماسية الدولية وكواليسها لإقامة خطوط أنابيب عبر المشرق العربي، ومنه بلاد الشام، تربط الخليج بالمتوسط والأراضي الأوروبية. كذلك تسرب إلى بعض الأوساط السياسية والصحفية كلام خطير عن مخطط كبير لشق قناة بين البحرين الأحمر والمتوسط على غرار قناة السويس، ولكن على الحدود المتاخمة لإسرائيل، في سياق ترتيبات إقليمية سياسية واقتصادية بالغة الخطورة والأهمية! كل ذلك يندرج في سياق القراءة الجديدة لمفردات التغيير العميق في بنية وخريطة القوة والنفوذ وغير ذلك، الأمر الذي أعاد المشرق العربي إلى الواجهة في إطار المنافسة الدولية الاستعمارية بين الرساميل المعدة للتوظيف والاستثمار.
مريرة هي الصورة القاتمة التي تلوح في الأفق السياسي من خلف احتمالات الحلول والتسويات التي تخفي وراءها الكثير من الحقائق التاريخية المتعلقة بمنطق الاستغلال والتوسع الرأسمالي نفسه في المجالات الخارجية، إلى جانب عمليات التفكيك البنيوي التي تقودها مؤسسات مالية ونقدية دولية مرموقة، ومن ثم الربط العضوي لاقتصادات الدول النامية في العالم الثالث ــ والحال تنطبق على غالبية دول الإقليم ــ بعجلة التطور والنمو في السوق الرأسمالية الدولية. المقصود هنا أن مجمل التطورات التي تدور على مسرح المنطقة هي بطريقة أو بأخرى إما من تداعيات أو من مقتضيات التغيرات الحاصلة في صلب الرأسمالية العالمية. والنتيجة هي نفسها التي يتحدث عنها التاريخ القريب والبعيد لبلدان وشعوب المنطقة وغيرها من الأقاليم في العالم. لن تهدأ الأحوال المحتدمة في سوريا، ولن تنقشع سحابة الأزمات المتألبة عن العراق، ولن تستقر الأوضاع المحتقنة في مصر، هذا ما لم تنفجر الساحات من داخلها، إلا وتكون ملامح التسوية الكبرى قد بدأت تتضح، لتميط اللثام عن المصير الذي سيؤول إليه كامل المنطقة بل العالم بأسره لسنوات وربما عقود من الزمن.
* باحث سياسي في مركز الدراسات السياسية لأوروبا اللاتينية في فرنسا