لعلّ قيادة المملكة العربية السعودية، هي الآن، الأكثر قلقاً ممّا حملته السنوات الثلاث الأخيرة من أحداث وتطورات. وليس أدلّ على ذلك من انخراط سلطات المملكة وإعلامها في حملة متصاعدة ضد نجاحات حركة «الإخوان المسلمين»، وخصوصاً في كل من مصر وتونس وفي كل مواقع «الربيع العربي»، وما رافقها من مخاطر وما يعدّ بها من متغيّرات بعضها دراماتيكي.

ويزيد من قلق سلطات السعودية أنّ صعود حركة «الإخوان المسلمين» قد تمّ بتشجيع أميركي إثر صفقات سياسية من شأنها، على مستويات عدة، النيل من دور المملكة «التقليدي» في احتكار «الصداقة» مع الولايات المتحدة الأميركية، واحتلال الصدارة في مشاريعها ومخططاتها.
لا شكّ أنّ هذا القلق موصول، أيضاً، بمسار في علاقات السعودية مع الإدارات الأميركية، يعود إلى عام 2001، أي عام التفجيرات التي استهدفت بواسطة تنظيم «القاعدة»، مواقع اقتصادية وأمنية حساسة في الولايات المتحدة الأميركية. يومها أشير في التقارير والتحقيقات الأميركية إلى البيئة الرسمية السعودية كمصدر منتج وحاضن للتطرف. ورغم سرية ذلك الشقّ من التقارير، فقد تسربت فقرات وعبارات ومواقف تندد بـ«نظام» المملكة وتدعو إلى دعم التغيير فيها. وقد نجم عن ذلك توتر في علاقات البلدين، ظلّت تأثيراته قائمة، رغم ما اتخذته قيادة المملكة من إجراءات بضبط الشرطة الدينية السعودية وبتقليص الإنفاق عليها وعلى المؤسسات الشبيهة، ورغم ما بذل من جهد لترطيب العلاقات بين البلدين، وبين الرئيس الأميركي والملك السعودي.
لقد كانت قيادة المملكة السعودية تقف، كما ذكرنا، على رأس تحالف يضمها مع مصر إلى مجمل البلدان العربية، باستثناء، طبعاً، سوريا والجزائر وليبيا. وها هي الآن، تخسر ذلك التحالف والموقع، فيما ينشأ تكتل جديد تلعب فيه تركيا دوراً أساسياً ويضمّ مصر «الإخوانية» وقطر، بشكل خاص. وهو تكتل مدعوم من دول عربية أخرى، وخصوصاً تلك التي أحرز فيها «الإخوان المسلمون» نجاحات ملموسة على مستوى السلطة، جزئياً أو كلياً.
يحاول هذا التكتل الجديد، وتقريباً، بدون مشاركة سعودية أخذ زمام المبادرة في ملفات عديدة: الملفّ السوري، والملف النووي الإيراني، والملف الفلسطيني بل هو يضع قيادة المملكة في الزاوية، أحياناً، إذ يحاول التعاطي مع إيران ومدّ جسور التعاون أو التفاعل معها، في بعض المسائل والمجالات.
ويزيد في القلق السعودي، أيضاً وأيضاً، أنّه حتى في الموضوع الفلسطيني يجري تحجيم دور السعودية. وها هي إدارة «الإخوان» برئاسة محمد مرسي تدخل ساحة الوساطة بين حكومة غزة والحكومة الإسرائيلية. ولا يتردد الرئيس المصري «الإخواني» في التوجه بأكثر العبارات تودّداً إلى الرئيس الصهيوني شمعون بيريز بذريعة البروتوكول المعتمد بين الدول والرؤساء.
بشكل مختصر، يمكن القول إنّ قيادة المملكة السعودية تخشى، بالدرجة الأولى، انتقال الموجة «الإخوانية» إلى ظهرانيها بما يطيح سلطة آل سعود وليس دورهم الإقليمي فحسب. ولذلك باشرت الأجهزة السعودية المتنوعة هجوماً مضاداً ضد «الإخوان» وسلطاتهم. ويشارك الإعلام السعودي بشكل متصاعد في هذا الهجوم. وليس صعباً أن نرى أثر ذلك في الداخل المصري، فحزب «النور» السلفي يواصل تمايزه عن «الإخوان». وهو انتقل إلى دور الوساطة بين السلطة والمعارضة، منطلقاً، سلفاً، من تبني معظم مطالب «جبهة الإنقاذ» بهدف الضغط على الحكم لدفعه إلى التنازل ولإضعافه، وربما لإسقاطه إذا كانت التوازنات تسمح بذلك. ولا يتردّد الإعلام السعودي في دعم المعارضة المصرية بكل أطيافها، من دون تمييز بين ليبرالي ويساري، طالما أنّ المصيبة تجمع والأولوية لدفعها قبل كل الحسابات الأخرى!
إنّ النظام السعودي يشجّع، في كل مكان تقريباً، عملية فرز بين المجموعات السلفية والإسلاميين. كذلك هو أعاد النظر في حساباته حيال النظام الأردني، فباشر عملية دعمه مجدداً، وخصوصاً في المجال الاقتصادي. كما أنّه يمارس أدواراً لا جدال فيها في المغرب وتونس وسوريا، فضلاً عن دول الخليج. وفي هذا السياق، تنشط دولة الإمارات، حليفته الأقرب، في سياسة معادية للإخوان وصلت إلى حدّ الاعتقالات والاتهامات بالتآمر على نظام تلك الدولة وعلى استقرارها من قبل «الإخوان» المصريين وبعض شركائهم في أبو ظبي.
لا شكّ أنّ كلّ هذه الأمور مما يزيد في مخاوف آل سعود على حكمهم ودورهم. وهم، كما هو معروف، يعانون من وطأة مشاكل لا تزال قائمة مع تمدّد النفوذ والدور الإيرانيين. كذلك هم قلقون من تحرك ضحايا قمعهم في «المنطقة الشرقية» من المملكة. هذا بالإضافة إلى التهديد الراهن والكامن الذي تمثّله عمليات ونشاط «القاعدة» في المملكة، رغم كلّ ما وظّفته السلطات السعودية من إمكانيات مالية وإعلامية، وأمنية وفقهية لمواجهة تطرف «القاعدة». واستهدافها للاستقرار السعودي، ورغم محاولات السلطات السعودية تصريف جزء من جهد «القاعدة» باتجاه الخارج، وسوريا بشكل خاص.
والمملكة، على مستوى استقرار سلطتها، ليست في أحسن الأحوال. ثمّة مرحلة انتقالية باتت تفرض نفسها لجهة ترهّل الحكام بسبب التقدم في السن، وبسبب احتكار السلطة والثروة ومعهما النفوذ والامتيازات. ونكاد نسمع كلّ شهر بوفاة حاكم جديد من أبناء عبد العزيز، المؤسس. هذا فيما يمكن القول إنّ رياح التغيير بدأت تدقّ أبواب وأسوار النظام السعودي، الذي تشاء المفارقات أن يدعم التغيير ولا ينال شعبه منه إلا الفُتات التي يقدمها «خادم الحرمين الشريفين»، والتي تلقى، مع ذلك، معارضة المؤسسة الدينية، علماً بأنّ هذه الإجراءات شكلية أو جزئية، وفي كلّ الحالات لا تسمن ولا تغني.
وسط هذه المخاوف الكثيرة والخطيرة، هل تتّجه قيادة المملكة إلى خيارات جديدة في العلاقات والتحالفات؟ هل ستبقى، مثلاً، على المستوى الحاد والمتفاقم من صراعها مع السلطات الإيرانية؟ وهل ستستمرّ في معركتها السياسية والكلامية، على الأقل، مع السلطات السورية؟ هل ستلجأ إلى تدابير أكثر جدية في الانفتاح على جزء من مواطنيها، وخصوصاً في المنطقة «الشرقية» ممن اعتادت التعامل معهم بالقمع وبالحرمان وبالتمييز؟
إنّ المستنقع العربي الذي ركد طويلاً يتحرك الآن. ثمّة فرص للتغيير تلوح معالمها بقوة، وخصوصاً في مصر وتونس، بعيداً عن رقابة السعودية ووصاية تركيا وقطر وواشنطن!
* كاتب وسياسي لبناني