يكتشف بعض السوريين، بعد فوات الأوان، أنّهم كانوا أدوات استُخدمت في ألعاب سياسة الدول المعادية، تاريخياً، لسوريا. فأثارت تصريحاتهم المفاجئة، اكتشافات ساذجة، مثلاً: «لقد خذلتنا الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها. التاريخ سيُحاسب أوباما لأنّه لم يكن متشدداً كفاية ضدّ النظام السوري، فتراجع عن قصف سوريا. وتعرضنا لضغوط شديدة من أجل حضور مؤتمر جنيف، عبر كلام مباشر لكيري، وإلا سنخسر أصدقاءنا».

سنستعيد هنا نصيحة نُقدّمها لجميع «الواهمين» من «الثوار» السوريين والمعارضين ونخصّ بالذكر:
ـ كلّ من قابل أميراً نفطياً «ديمقراطياً» أو أحد دهاقنته فاشتم منه رائحة الغاز.
ــ كلَّ من مرَّ تحت إبط وزير دولة مجاورة، صاحب القامة القصيرة والأصفار الشهيرة، صاحب استراتيجية الطعن في العمق الظهري للجيران، فصافحه وانحنى برأسه وطأطأ هامته ودخل «القن العثماني».
ـ كلّ من قبض مالاً في غرفة مغلقة في الخارج أو في الداخل من دولة «شقيقة» أو دولة «صديقة» ليحرّض السوريين ويستعديهم على بعضهم ويوقد النيران في الجسد السوري أو/ وينفخ فيها.
ــ كلّ من سكن فنادق الخارج الفارهة وناضل فيها عبر مواخير القنوات النفطية المشبوهة، فأطل علينا يعطينا دروساً في الثورة والوطنية والديمقراطية.
ــ كلّ من استخدم يساريته وماركسيته أو ناصريته في رقص العرضة وسباقات الهجن ووعدَ السوريين بقوافل المحررين من فيافي الربع الخالي وجزر رهط تميم وبشّر بالربيع الآتي من بلادٍ لم تعرف اليخضور (الكلوروفيل).
ــ كلّ من أراد استجلاب قوات الناتو إلى بلاد الشام المباركة مطالباً بضربات جوية على سوريا، حتى يصل إلى السلطة. أرادوا تفتيت سوريا وتقسيمها، فأتت الضربات الروسية ليتباكوا بسببها ليل نهار. كأنها العدالة الإلهية.
ــ كلّ من عقد وشارك في مؤتمر دعمٍ أو مناصرة للشعب السوري (!) وفتح بازارات ومزايدات على حساب الدم السوري والأعراض السورية، في مخيمات اللجوء والنزوح، فقبض ثمن «إخلاصه» و«تفانيه» الثوري.
قضية رابحة لخديعة متكاملة!

صارت المعارضة
«الثورية» تتحرك بسقوف شعبوية عالية

يجب أن يفكر هؤلاء «الثوار» والمعارضون السوريون أن يرفعوا، لدى الدوائر الأميركية، دعوى قضائية ضد رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما، من أجل تعويض سقوط عشرات الآلاف من الضحايا ودمار المنازل والبنى التحتية وهجرة الكثيرين الذين تحملوا كل أنواع المعاناة والشقاء.
رفع الدعوة ضدّ أوباما، لا يلغي إمكانية ملاحقة قادة آخرين في دول إقليمية أخرى كانت لهم تصرفات مشابهة لما قام به أوباما. إنّ الوعود والالتزامات التي سمعها العالم بأجمعه، ضمناً «المعارضة السورية» و«الثوار السوريون»، من العديد من رؤساء العالم الغربي ومسؤوليه أنّه: «على (الرئيس السوري) بشار الأسد أن يتنحى وأنه فقد شرعيته وأنهم سيقومون بما يلزم حتّى يتمكن المعارضون والثوار من الإطاحة بحكمه الديكتاتوري الاستبدادي». وكانت هذه الأطراف تمنع المعارضة من الانخراط الايجابي في أي حوار، أو إبداء أي حسن نيّة مع الدولة السورية. لذلك، رُفض مؤتمر الحوار في فندق صحارى في دمشق، بعد أشهر قليلة من انطلاق أحداث درعا. ورُفضت كلّ مقررات لجنة تحقيق الجامعة العربية التي قادها الفريق السوداني، النزيه، مصطفى الدابي. واستجاب «الثوار» لدعوات هيلاري كلينتون بعدم إلقاء السلاح، بعدما عرضت الدولة السورية إمكانية المصالحة وإعادة فتح خطوط التحاور بين السوريين.
إنّ الالتزام «الأخلاقي» والتبني الإعلامي لقضايا «السوريين الجدد» و«الثوار» الذي أبداه سياسيو المحور الأميركي الأطلسي والممثلون الإقليمون في تركيا والسعودية وقطر والأردن ومزايداتهم في أبلسة الدولة السورية، جيشاً وطنياً وموظفي دولة وقيادات سياسية، كان يُبنى على قاعدة واحدة وضعها أوباما قبل أن يتبناها الآخرون في المنطقة. صارت المعارضة «الثورية» تتحرك بسقوف شعبوية عالية وتُكرر مقولات مثل أنّه: «ليس أمام هذا النظام إلا الزوال وتسليم السلطة، بدون أي شروط. لا حوار مع هذا النظام الشيطان. مصير بشار الأسد سيكون مصير (الشهيد) القذافي». وراحت الفتاوى تُصدّر إلى الثوار من القواعد الأميركية في قطر والسعودية، تدعم اندفاعهم، فنفذوا فتوى القرضاوي بـ«قتل كلّ عسكري أو مدني، عالم أو جاهل، كبير أو صغير، موظفين أو غير موظفين، يدعمون النظام أو يتعاملون معه». تناسى هؤلاء أنّ القرضاوي، قبل أعوامٍ قليلة، كالَ المدائح لسوريا ورئيسها في دمشق وعند أبواب قصرها الجمهوري. أما الطوائف، فقسمتهم الفتاوى المصدرة بين مسلمين مرتدين أو نصارى كفار أو أقليات كافرة ووعدتها بالقتل والتنكيل وهددت بعضها بالتقطيع.
يجب هنا تبيان أنّ الاتفاق مع الفكر النظري والواقعي لـ«جوقة» المعارضة السورية لجهة ضرورة معالجة قضايا أساسية أصابت العملية السياسية والأمنية في سوريا وتفشي أخطاء إدارية وفساد في مفاصل الدولة وتجاوزات وبيروقراطية ومحسوبيات وغيرها، لا يعني الموافقة مطلقاً على نهج المسلحين وأسلوبهم في التخريب والنهب الممنهج لمكتسبات الدولة السورية وبناها التحتية والفوقية وتبعيتهم العمياء للخارج.
إنّ الاطلاع على حصائد التحريض المستورد وتأثيرها الكارثي على الواقع السوري وانسداد الأفق أمام الأوهام والأحلام الثورية، بعد التغيرات في الواقع الميداني ودخول عوامل محبطة (كالتدخل الروسي) في حماية مصالحها في سوريا، إضافة إلى الاصطفاف المتراص لحلف المقاومة في معركة الحفاظ على سوريا، مهما كانت كلفة التضحيات. كلّ ذلك يلغي، بشكل شبه نهائي، الآمال بالقضاء على الاستبداد والديكتاتورية وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتأمين فرص متكافئة ونشر مبادئ حقوق الإنسان فيها (كما يُردد دائماً في الغرب ووسائل إعلامه وكما نضطر مراراً لسماع اللحن ذاته في الموشح الثوري).
لعل مطالعة حجم التدمير والخراب المستمر للدولة والممارسات الفاشلة المكررة منذ خمس سنوات للمسلحين، تحت مسميات مختلفة: ثوار، مجاهدون...، عبر إعلان مناطق محررة واضطرار الأهالي للنزوح والهجرة، صار الجميع يعلم ما تتسبب به الأسلحة الحديثة، في أيدي المتحاربين، من تدمير وخراب. لعلّ ذلك يدفع بعض «الثوار» إلى مراجعة نتائج درسهم السابق الأليم، مع ملاحظة الواضح البين من الوقائع والنتائج الحاضرة، بما فيها انسداد الأفق الثوري الحالم. ويعيدون بذلك قراءة الحصاد البائس المرّ الذي قادوا سوريا والسوريين إليه.
إنّ تسريب بعض الوثائق الغربية من المطبخ الأميركي والتي تكشف عن قبول الإدارة الأميركية برئاسة أوباما بقاء النظام السوري، بمؤسساته المؤثرة (القوات المسلحة والأمن) وبرئاسة الأسد لأجل مفتوح، أقلّه حتى نهاية الفترة الرئاسية الثانية لأوباما بعد أن وضع الملّف السوري بين يدَيّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي استغل الفرصة وبدأ استعراض قواته في حلبة أنهكت كلّ اللاعبين.
إن مظاهر «الخديعة الكاملة» التي تعرضت لها المعارضة السورية، بما فيها التسريبات والتصريحات السابقة بالإضافة إلى اكتشافات أخرى، تجعل من مسألة رفع الدعوى القضائية ضدّ أوباما وآخرين من قادة العدوان على سوريا أمراً مقبولاً يجب أن تدرسه المعارضة بطاقميها السياسي (خاصة مفكرو البترودولار وثوار الفنادق الفارهة الانتهازيون) والعسكري (أولئك الذين تعاملوا مع الحرب على سوريا كحالة تبعية إقليمية وارتزاق خارجي). فقد تكون هذه القضية الوحيدة الرابحة للمعارضة، في مسارها الثوري العاثر، فتزيد أرصدتها النقدية وتقدم ذرائع معنوية أمام تاريخها الذي قامرت به وتطلب الصفح والغفران من مناصريها بحجة خذلان ثورتها اليتيمة المستضعفة من المجتمع الدولي وأنها اكتشفت أنهم كانت أدوات استعملت في الخديعة.
تبقى معضلة واحدة كبرى في القضية الناجحة للمعارضة السورية ضد من استخدمها ونسج على أساسها الأوهام. يجب عليها أن تجد جواباً منطقياً ليجعل رفع هذه الدعوة ضدهم رابحا وهي القاعدة القانونية الشهيرة التي مفادها: «القانون لا يحمي المغفلين».
* كاتب سوري