«كان يا ما كان... في وطن إسمو لبنان».

روى لي صديق قبل ثلاثة عقود، يوم كنَّا في أوج نكبتنا، «نكبة الجبل»، وفي شبه مواساة لآلامنا والجراح، حكاية البشير الذي قرَّر، يوما، أن يأخذ اللبنانيّين في رحلة على متن سفينة.
وبينما هم في عُرض البحر، يهلِّلون ويزَغْردون، تقدَّم منه أحد الحراس وهمس في أذنه قائلاً: «يا شيخ، في معلومات بتقول إنو عبوة ناسفة موجودة عَ ظهر الباخرة... وبدها تنفجر بعد خمس دقائق».

على الفور، جمع القائد معاونيه لتدارك القدَر المحتوم. وبعد مداولاتٍ سريعة، قرَّر عدم البوح بأي شيء عن العبوة المزعومة، تحاشياً للإرباك الذي قد ينتاب الجموع المهلِّلة والمزغردة، وإلهاءهم، بالتالي، عمّا يمكن أن يحدث بلعبة: «1... 2... 3... Boom».
وهكذا، وقف البشير، ومن حوله رفاق كثيرون، على برج السفينة طالباً من الناس أن يتوزَّعوا على متنها ويردِّدوا معه، بأعلى صوتهم، تلك اللازمة: «1... 2... 3... Boom»، بالتزامن مع صفق اليدين لإحداث دويٍّ مصطنع يخفي الدوي الفعلي الذي سيُحدثه الانفجار.
وظلّت الجموع تردِّد ذلك الهتاف، دون انقطاع، إلى أن دوى الانفجار الكبير، مع آخر طقشة يدين... فتحطَّمت السفينة وتناثر البشر أشلاء فوق المياه.
وصدف في هذا المشهد الرؤيوي المريع، أن شاهد أحدهم البشير قبل أن يغرق... ومعه كلّ الناس. فنظر إليه الرجل بذهول وغضب شديدين، وقبل أن تبتلعه المياه، صاح بأعلى صوته: «ولك يا خيّي... ما كان في غير هاللعبة تلعِّبْنا اياها».
تلك كانت طرفة من طرائف ذاك الصديق التي تختصر الواقع السياسيّ المأسوي الذي أدركه لبنان إبان الاجتياح الإسرائيلي لأراضيه عام 1982، وما تبع ذلك من نكبات. الواقع الذي لم يتبدَّل فيه الشيء الكثير، منذ زمن «الرهانات القاتلة» حتى يومنا.
وإذا كنت أورد هذه الحكاية، فليس، بالتأكيد، بدافع التهكّم أو النيل من أحد، بل هي مجرَّد دعوة صادقة لأخذ العبر من رهاناتٍ، وقع فيها بعض المسيحيّين وغير المسيحيّين ومعهم بعض الفلسطينيّين، أو ربما انجرّوا إليها، بنتيجة المداخلات الإقليميَّة والدوليَّة أو سوء التقدير، منذ بدايات الأحداث الدامية في لبنان عام 1969... وقد كلَّفتنا تلك الرهانات الكثير الكثير.
فما أخشاه اليوم هو أن يكلّفنا السير بقانون انتخابي على أساس مذهبي ــ ولو بغالبيَّة القوى السياسيَّة المسيحيَّة، بحجة ما نسميه «حقوق المسيحيّين»، متخلين بذلك عن مفهوم المواطنة، نحن العَلمانيّين «في المبدأ»، والمؤمنين بحرية الفرد والمعتقد. ما أخشاه، هو أن تكلِّفنا تلك المطالبة، وفي زمن التحولات الخطرة في مشرقنا الجريح، أكثر مما كلَّفنا، قبل عقود، شعار «أمن المجتمع المسيحي فوق كلِّ اعتبار»...!؟
ألا يؤسس «مشروع القانون المزعوم»، ولو بدا في الظاهر «عادلاً»، لمزيد من الانقسامات الطائفيَّة والمذهبيَّة، على خلفيَّة تناتش «الحقوق الطائفيَّة» على حساب «الحقوق الوطنيَّة»... في بلد عادت تعلو فيه صيحات الغرائز والعصبيات على صوت العقل؟
حتى لو اعتبرنا بأن هذا الطرح يضعنا أمام «حالة تأسيسيَّة»، نتطلَّع من خلالها إلى إعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني. فثمة، برأينا، معايير أخرى لقيام تلك الحالة، قاعدتها الرؤية الشاملة والاستفتاء الشعبي. ونحن لا نقل شأناً عن غيرنا في هذين الأمرين.
لا يمكن أن نفصل أي قانون انتخابي قد يتم التوافق عليه، عن النظام السياسي الذي سيليه. من هنا أتى خوفنا من أن نكون، إذا ما اعتمد القانون الانتخابي «ﻟِ ــ عَ ــ أساس ــ مذهبي»، أمام شكلٍ من أشكال «الفدراليَّة المجتمعيَّة» والتي قد تتحول إلى «فدراليَّة جغرافيَّة». وهل نكون، عندئذ، في مأمن من الأصوليات العاتية التي تعصف بمحيطنا العربي والإسلامي؟
لقد شكَّل لي طرح «مشروع قانون اللقاء الأرثوذكسي» صدمة، لم تكن بالتأكيد إيجابية. فأنا لا أستطيع أن أفكِّر طائفياً، وذلك بدءاً من فهمي العميق لمسيحيتي، وقد كنت كذلك في أوجّ محنتنا، ولا أزال. وهذا ما يبدو جلياً في ثقافتي، بل تنشئتي الوطنية، وكتاباتي، ومساري السياسي، وحياتي الاجتماعية. عندي، أن للعيش معاً مرتكزات، وقانون الانتخاب لا يمكن أن يحيد عنها.
لذلك، أرى، وخلافاً لما رآه البعض، وبعد أن أوشكت «الصورة الموقتة» التي تزيَّن بها دستور جمهوريتنا اللبنانية أن تتأبَّد؛ أرى أن الوقت قد حان كي نحقّق ذاتنا الوطنية على حساب ذواتنا الطوائفية في عالم عربي، نتابع باهتمام بالغ ما يجري فيه من أحداث وكأننا نعيش كوابيس، تعيدنا إلى أزمنة، ظننا أن البشرية أفلتت من براثنها بعد زمن الأنوار والحداثة، وتقدم العلوم وترقّي الشعوب باتجاه تحقيق القيم الإنسانية العامة والشاملة!؟
أليس دورنا في هذا المجال، بأن نَخْرج، ومعنا كلّ المجتمع، من الشرانق الطائفيَّة والمذهبيَّة التي تعشّش فيها الفتنة المتربِّصة بنا، وكلّ عناصر الصدام، لنعبر إلى الضوء من حالة قروسطيَّة متلاحمة مع إقطاع سياسي نفعي حتى العظام، سبقتنا إلى الخروج من ظلامها وظلاميَّتها، نخب من أبناء شعبنا، من مختلف المعتقدات الدينيَّة والتوجّهات السياسيَّة، بل أجيال رافضة «أن تضحي أمَّة بشبابها من أجل شيبها»... فنعمل معاً على تعطيل الصواعق التي ينتدب لها أناس من هنا وآخرون من هناك؟
وهنا أسأل، ويسأل معي الكثيرون: هل إن الروابط التي تجمعني أنا الماروني الشوفي بالماروني في أي منطقة من لبنان، هي أقوى، بالمعنى الإنساني العام والوطني الضيق وحتى الاجتماعي والسياسي، من تلك التي تجمعني مع من يجاورني من أبناء الطوائف الأخرى، ويقاسمني الحياة في مرّها وحلوها، «أباً عن جد» !؟
فليسأل واحدكم السؤال ذاته لنفسه، وليقرأ الإجابة في عمق أعماقه، أو إذا شاء بين دفتي كتاب «النبي» لجبران. صدّقوني أن المنطق السائد في صفوفنا، في هذه الأيام، غريب عن منطلقاتنا، بل عن طبعنا، وعن مسيرتنا النضاليَّة ورمزيَّة قيادتنا الوطنيَّة وتوجهنا السياسي... ومشرقيَّتنا. لذلك أقول: حتى لو ربحنا المجلس النيابيَّ كلَّه على أساس قانون طائفي، تنتخب بموجبه كلُّ طائفةٍ نوابها، فإننا بدون شك خاسرون... خاسرون على المدى البعيد. وهنا تحضرني عبارة من «مسرحيَّة بترا»، رائعة الرحابنة: «لو بتعرف شو كلَّف النصر يا ملك النصر... راحت بترا»...!؟
فكي لا تموت «بترا»، وكي تبقى الجذوة مشتعلة لبناء الإنسان الجديد في «زمن الردّة» الذي نعيش... زمن العوْد على بَدء، علينا أن نعيد النظر ببعض ما قادتْنا الظروف السياسيَّة العامة والانقسامات الحادة إليه.
أنا أتفهَّم حالة الحرمان، بالمدلول السياسي، التي عشناها، نحن المسيحيِّين، في زمن الوصاية، والتي استمرَّت مع فريق الاستئثار بالسلطة، وأنه يجب أن نعمل على تصحيح الأمور واستعادة الحقوق. لكني مدرك أيضاً بأن مشكلتنا، نحن المسيحيِّين، ليست حصراً عند الآخرين. فنحن لم نقرّ، حتى الساعة، بأي خطأ ارتكبناه ــ مع تقديري لكل الأفراد الذين أجروا مراجعة ذاتيَّة للمرحلة السابقة، وهم كثر ــ ولم نعتبر من تجاربنا المرَّة، كلّ على مستواه... وبالتالي، لم نعتذر من شعبنا المنكوب والمبعثر في جهات الدنيا الأربع، وهو أهم أمر كان يجب علينا أن نقوم به، ولو متأخرين. فلا يكابرنَّ أحد في هذا المجال، أو يحسبنَّ نفسه من المعصومين. فكلنا مخطئون، كلٌ بحسب الموقع والدور والمهمة التي قد يكون تولاها. وما أشبه اليوم بالأمس، فحكايتنا مع القانون الانتخابي «ﻟِ ــ عَ ــ أساس ــ مذهبي»، والذي ينتخب بموجبه كلُّ مذهب نوابه، شبيهة، بالنسبة إلينا، نحن مسيحيّي الأطراف، بحكاية بوشوقي وعبدالله في زمن القتل والتدمير والتهجير والتشريد.
تعود تلك الحكاية إلى أواسط ثمانينيات القرن الماضي، يوم حطَّ الرحال بأبناء بلدتي الشوفيَّة، الجيَّة، بعد تهجير قرى إقليم الخروب وشرقي صيدا في 28 نيسان 1985، في بلدة رميش الحدوديَّة، قبل أن يصلوا في تشرّدهم إلى أقاصي الأرض.
وفي غمرة هموم وتساؤلات تلك الأيام، دار حوار بين عبدالله وبوشوقي. قال الأول للثاني، والذي كانت تتملَّكه رغبة باسترجاع «أمجاد المسيحيَّة» في المشرق: «بكرا بتشوف يا خيي بو شوقي، بدنا نزحف ونسترد الدني كلها من هون لأنطاكيا»، مشيراً إلى خطيطة تعود إلى بدايات الحرب اللبنانيَّة، كانت بين يديه. فردَّ بوشوقي، بظرافته المعهودة: «يا صاحبي... أنا نزْلوني بالجيَّة... وكملو وحدكن عَ أنطاكيا».
إنها الخطيطة عينها التي عرضها البشير عام 1975 على المطران أندريه حداد [رئيس دير المخلِّص/ جون في تلك المرحلة] الذي رفض السير بها، والتي حين عرضها بعض أركان «القوات اللبنانيَّة» على المثلث الرحمة، المدبّر البطريركي العام المطران إبراهيم الحلو في مقره في بيت الدين، وبعد بضع سنوات على اندلاع الحرب، قال عنها ساخراً: «شو ه الدِكِّة هاي يا ولادي» ــ لأن المنطقة المشار إليها باللون الأحمر تشكِّل حزاماً قليل العرض، يمتدّ من «الشريط الحدودي» جنوباً إلى «المناطق الشرقيَّة»، آنذاك، عبر العيشيَّة في الجرمق... فجزين... نزولاً إلى جون... فالجيّة والدامور... وصولاً إلى بيروت...!؟ إنها، وللأسف، المناطق التي ذاقت الأمرّين في تلك المرحلة العصيبة من تاريخنا المعاصر، وهُجِّرت عن بكرة أبيها.
وبعد ذلك، وفي أعقاب «حرب الجبل»، «الحقيقة التي لا ترحم»، بدأت الصراعات المسيحيَّة ــ المسيحيَّة التي فاقمت الوضع تأزّماً، وزادت الشرخ والتمزّق إلى أن سقط «المشروع المسيحي» ــ الذي لم أفهمه حتى الساعة ــ ومعه كلّ «مشاريع الكانتونات»، من الجنوب حتى الشمال، مروراً بالجبل وبيروت.
وإذا كنت أورد هذه المسائل، فللأمانة التاريخيَّة أفعل... وكي يعلم، من أجيالنا الجديدة، من لم يتسن له ذلك حتى الآن.
* أستاذ الفكر العربي الحديث والمعاصر والأخلاقيَّات في الجامعة اللبنانيَّة، ومن وجوه التيّار الوطني الحرّ